دمشـق: ثلاث صور واتجاه واحد

تركي علي الربيعو: النهار 30/8/2006

تعيش دمشق اليوم، تظاهرة كبرى احتفاءً بما أنجزته المقاومة الإسلامية في جنوب لبنان من انتصار على العدو الإسرائيلي الذي يقال إنه يعد نفسه لجولة جديدة بعد استراحة المحارب التي دشنها القرار 1701، وكأن النصر كان هدية لها.
لم يثر اعجاب السوريين الصمود الذي حققته المقاومة فحسب، بل عزز لديهم ثقة بالنفس وتحريرا للإرادة، وبالتالي القدرة على استعادة أرضهم المحتلة. وما يميز هذه التظاهرة هو كثرة صور زعيم "حزب الله" السيد حسن نصر الله كعنوان للنصر والإرادة، ففي جميع شوارع دمشق وأزقتها وأسواقها وحواريها يلفت نظر الزائر كثرة صور نصر الله.
وما يلفت النظر أيضا هو وجود ثلاثة صور الى جانب صورته المفردة، الأولى تضم كل من نصر الله والرئيس بشار الأسد تتوسطها صورة الراحل حافظ الأسد. هذه الصورة هي بمثابة تحية وفاء للنهج المقاوم والممانع الذي سار عليه الراحل حافظ الأسد. وهو نهج يحظى بإعجاب الكثير من الوسطاء الدوليين الذين لعبوا دورا في المفاوضات السورية - الإسرائيلية (انظر كتاب دنيس روس "السلام المفقود، 2005") والزعماء الإسرائيليين (من إسحق رابين الى شمعون بيريس) الذين كانوا يبدون اعجابا لا حدود له بالرئيس الراحل وبقدرته على المناورة والوفاء بالالتزامات المترتبة عليه، وهذا ما جعلهم يتطلعون للقاء به كما يذكر روس في مذكراته وخصوصاً الرغبة الملحة لشمعون بيريس في لقائه.
الصورة الثانية تضم كلا من الرئيس بشار الأسد والسيد حسن نصر الله يتوسطهما علم "حزب الله". وما يلفت النظر في هذه الصورة هو غياب العلم السوري بحيث أغفل راسم الصورة الألكتروني البعد الوطني الذي يمثله العلم السوري، فجاء علم "حزب الله" ليزحزحه ويحل محله. هذه الصورة تشي بنهج جديد تصالحي بين النظام والحركات الراديكالية الإسلامية ممثلة هذه المرة بـ"حزب الله"، كذلك الصورة تشدد على رفض النظام السوري الإنسياق وراء المصطلحات الآتية من وراء أعالي البحار، وأقصد بذلك مصطلح الإرهاب الذي تصف به الولايات المتحدة "حزب الله"، وكذلك المنظمات الجهادية مثل "حماس" التي ترتبط مع السوريين بعلاقات وثيقة.
وهذا هو دأب السياسة السورية في السنوات الأخيرة، التي رفضت عن حق أن يتساوى الإرهاب بالمقاومة، من جهة أخرى فإن الصورة هي بمثابة رسالة الى الداخل الإسرائيلي أن أية مفاوضات تستثني السوريين و"حزب الله"، تمثل شكلا من أشكال القفز على الوقائع والهروب الى الأمام وهذا ما يذكرنا بالبيان الذي أصدرته "حركة السلام في اسرائيل" في بداية الحرب السادسة من أن أية مفاوضات مستقبلية يجب ان تضم كلا من سوريا و"حزب الله" وما عدا ذلك فان كل الوثائق التي تتجاهلهما لا تساوي ثمن الحبر الذي كتبت به. كذلك الصورة هي بمثابة رسالة الى الداخل اللبناني الذي يبدو هشا وضعيفا قياسا بـ"حزب الله"، فالتحالف بين سوريا و"حزب الله" أكبر من أن تهزه قوى "الرابع عشر من آذار" التي يراها الرئيس السوري "منتجاً إسرائيلياً" كما جاء في خطابه الأخير أمام اتحاد الصحافيين والذي أثار زوبعة من الاحتجاجات لتوزيعه الاتهامات بالجملة.
الصورة الثالثة تنطوي على قصد واضح فهي تقول علنا ما يسكت عنه الخطاب الإعلامي السوري وغيره. فالصورة تضم بالتسلسل كلا من الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد الى اليسار ثم الرئيس السوري بشار الأسد الى اليمين يتوسطهما السيد حسن نصر الله. الصورة تشير علنا الى المحور الجديد الذي يضم كلا من طهران ودمشق وبيروت أو ما بات يعرف عادة بالهلال الشيعي الذي ترفضه أجهزة الاعلام في كل من طهران وسوريا وبيروت. الصورة تشدد على هذا الترابط العميق والمحوري لقوى الممانعة في الشرق الأوسط والرافضة، كما جاء على لسان الرئيس أحمدي نجاد والرئيس السوري بشار الأسد، لمفهوم الشرق الأوسط الجديد الذي يتأسس على حسابهما كما جاء في كلام حسن نصر الله حيث تتجه السياسة الأميركية الآن الى فكفكة هذا المحور.
فثمة من يرى أن قبول إسرائيل بإعادة إحياء المفاوضات مع سوريا بشأن هضبة الجولان من شأنه أن يخرم الهلال الشيعي من منتصفه ويفرض العزلة على "حزب الله" ويحد من الطموح الإقليمي الإيراني، إذ ينذر بعض كبار الاستراتيجيين (انظر كتاب "أسس الجيبولوتيكيا" لمؤلفه الكسندر دوغين) من إيران كقوة إقليمية إسلامية كبرى لا بد من الاعتراف بدورها من جانب مجموعة الدول الكبرى. كذلك فالصورة تشدد على أهمية الوجهة التي تنتحيها دمشق ضد النظام الإقليمي العربي الذي يقوده "أنصاف رجال" كما جاء
على لسان الرئيس بشار الأسد في خطابه السالف الذكر.
أعود للقول إن الصور الثلاث تمثل فاتحة لعهد جديد ومحور جديد تبني فيه سوريا آمالا كبيرة ببقائها والخروج من عزلتها التي تفرضها عليها الولايات المتحدة وسدا في وجه المحاولات العديدة التي تنشد تغيير النظام أو إسقاطه. من هنا نفسر تمسك النظام بالعروة الوثقى الإيرانية الجديدة وهذا ما تقوله هذه الصور التي هي عن حق ثلاث صور واتجاه واحد.