صفقة سلام شاملة مع وساوس حرب جديدة

د. محمد السيد سعيد   الاتحاد

 

فجأة انطلق الحديث في الصحافة الأوروبية عن الحاجة المُلحة لتحرك كبير من أجل السلام. ويبرر كثيرون هذه القفزة العجيبة من سياسات الحرب إلى سياسات السلام إما بالإشارة إلى "غرائبية" الشرق الأوسط وغموضه, أو بالإشارة إلى "قانون" عام تتبع فيه الدبلوماسية نهاية الحروب, وهي هنا الحرب الإسرائيلية الأميركية ضد لبنان و"حزب الله". يمثل مقال "هيرفي دوشاريت" وزير الشؤون الخارجية الفرنسي السابق في "لوموند" 22 أغسطس الجاري نموذجاً مثالياً لهذا التيار الفكري والدبلوماسي, وفيه يطالب أوروبا بانتهاز اللحظة الراهنة لدفع عملية سلام شاملة لا تستثني قضية أو عاصمة من العواصم الإقليمية. ولا يبدو أن هذا التفكير بعيد كليةً عن بعض عناصر النخبة السياسية والفكرية في تل أبيب. فقد تعمدت تسريب أخبار عن الاستعداد لبحث التفاوض حول السلام مع سوريا. وذهب بعض عناصر هذه النخبة للحديث عن مواتاة اللحظة الراهنة لتحرك شامل من أجل السلام, كما كتب شلومو بن عامي، الوزير الإسرائيلي السابق والمسؤول عن ملف المفاوضات الإسرائيلية- الفلسطينية في ظل حكومة باراك في "لوموند" أيضاً (12 أغسطس). ويبدو أن عدداً كبيراً من المسؤولين السابقين في دول كبرى عديدة بما فيها الولايات المتحدة، يدعون الآن إلى تحرك كبير من أجل انتهاز اللحظة المتوترة الراهنة في المنطقة لتجديد المفاوضات العربية- الإسرائيلية, أو لصفقة شاملة ومتكاملة في ربوع المنطقة كلها من فلسطين ولبنان حتى إيران. وتبحث الجامعة العربية في نفس الشيء, عبر أخبار عن تبني مؤتمر القمة المزمع لتحرك من أجل إصدار قرار جديد من مجلس الأمن يتعلق بالسلام في المنطقة.

وفي الوقت نفسه لا يتوقف الحديث عن حرب جديدة سواء ضد "حزب الله" في لبنان, أو ضد إيران, أو ضد سوريا, أو ضد جميع القوى والدول الرافضة للهيمنة الأميركية الإسرائيلية. وقد ألمح وزير الدفاع الإسرائيلي "عمير بيريتس" إلى هذا المعنى عندما أشار إلى أن ثمة "جولة ثانية" من الحرب ضد "حزب الله", بل وأكد أن هذه الحرب ستتم في عدة جولات. ويجب أن نصدق هذه التصريحات, لأنها تتفق مع تقاليد تاريخية في إسرائيل, مثل تقليد ملاحقة المناضلين، وسياسة الانتقام الثقيل، وسياسة احتكار أنظمة التسليح الأكثر تطوراً، وخاصة الأسلحة الذرية, وهي السياسة التي تهددها الجهود الإيرانية لامتلاك تقنية تخصيب اليورانيوم, وسياسة الحرب الوقائية, وغيرها.

المنطقة إذن تتجاذبها وساوس حرب جديدة من ناحية، والطموحات للعودة إلى عملية التفاوض التي ماتت منذ فشل مفاوضات "كامب ديفيد-2"، من ناحية أخرى، فإلى أي طريق تذهب المنطقة حقاً؟

يمكن بالطبع -نظرياً على الأقل- أن نشهد تمازجاً بين سياسات الحرب وسياسات التفاوض من أجل التسويات السياسية, في الحاضر والمستقبل القريب. كما يمكن أن نشهد حركة بندُولية بين الحرب والدبلوماسية. ويستند هذا القول على التجارب التاريخية التي يتفاوض فيها محاربون من أجل وضع تسويات سلمية. ولكن الوضع الراهن في المنطقة لا يتفق مع هذه التجارب التاريخية, إلا إذا كانت الدبلوماسية تتجه لبيع القضية الفلسطينية, بل وقضية السلام ذاتها. وقد عبَّر الأستاذ محمد حسنين هيكل في حديثه الأخير لقناة "الجزيرة" عن مخاوف مشابهة.

ما يثير الحديث عن السلام, أو ما قد يحرك بالفعل آلة الدبلوماسية، هو دخول عناصر جديدة أربكت اللاتوازن التقليدي في المنطقة, والذي استندت إليه واشنطن في موقفها بالغ التشدد والمُذل للعرب, وللفلسطينيين. من هذه العناصر يجب أن نحسب الفشل الأميركي الفضائحي في العراق وتيقظ الداخل الأميركي لهذا الفشل, ودخول إيران كقوة بارزة وجديدة على ساحة الصراع العربي- الإسرائيلي, وبالأخص من خلال دعم "حزب الله" وبدرجة أقل كثيراً حركة "حماس", بل وبروزها كمنافس استراتيجي لكل من إسرائيل والولايات المتحدة. وقد نحسب أيضاً شعور القيادات العربية التقليدية بخطر المنافسة الإيرانية على نفوذها في المنطقة عموماً بل وعلى سلطاتها في بلادها ذاتها, مما يجبرها على تحرك أقوى لم تكن راغبة فيه إطلاقاً كما ظهر من أدائها في المرحلة الأولى من الحرب الأميركية- الإسرائيلية ضد لبنان. ويمثل أداء "حزب الله" في هذه الحرب أحد أبرز العوامل الجديدة التي أنهت الاطمئنان الأميركي- الإسرائيلي إلى اللاتوازن الاستراتيجي. ولكن هذه العوامل الجديدة كلها لا تبدو قوية بما يكفي لتحريك عملية سلام متوازنة وقابلة لإنتاج اتفاق عادل.

فالعراق مجال حقيقي للفشل الأميركي, ولكنه مجال لفشل عربي أشد, بل ويمثل العراق جرحاً كبيراً للغاية ينزف في القلب العربي, ويضعفه بشدة بل وقد يقود إلى تصدعات ومؤامرات لإيقاظ الفتنة بين السُّنة والشيعة. وأداء "حزب الله" كان متميزاً بكل المقاييس في المستوى العسكري, ولكن الموقف السياسي جاء بالنهاية لغير صالحه, كما يشهد مضمون القرار 1701. وإيران تمثل منافساً قوياً للقيادات والدول العربية المهتمة تقليدياً بالصراع والتسوية, وهي بالتأكيد ستدافع عن نفسها لو تعرضت لهجوم عسكري, ولكنها لن تخاطر بمواجهة مباشرة من أجل العرب، وإنما من أجل مصالحها الاستراتيجية الجوهرية وحدها. وليس هناك أدنى إشارة إلى نية العرب خوض تجربة مواجهة حقيقة مع إدارة بوش حول سياسات إسرائيل الإجرامية ضد الفلسطينيين أو ضد لبنان, ناهيك عن خوضها لوقف التحيز الأميركي المطلق لإسرائيل. من جانبها تدرك تل أبيب أن عصر (الحروب- النزهات) قد انتهى بفضل "حزب الله" ودخول أنظمة تسليح جديدة إلى التوازنات الاستراتيجية في المنطقة, ولكن مزاج الحرب يسيطر على الإسرائيليين بدرجة مذهلة من الإجماع السياسي بين صفوف النخبة والرأي العام على السواء.

فكيف نفسر إذن الحديث المتواتر عن تحرك شامل من أجل السلام؟ هناك تفسير أولي بسيط, وهو أن هذا الحديث يدور في أوروبا, بينما لا نكاد نسمعه في الولايات المتحدة. وقد أثبتت التجربة أن أوروبا وحدها لا تملك مفاتيح السلام, بل ولا تملك القوة الكافية للضغط على إدارة أميركية مُشبعة بعقائد الحرب ومُصرة على إذلال العرب وتركيع الفلسطينيين.

ولكنَّ هناك تفسيراً آخر أبسط, وهو أن هذه هي اللحظة المثالية لإسرائيل وأميركا لبدء تحرك ما للتسوية المناسبة لمصالحهما. فالمنطق يقول أن تبدأ عملية للتسوية عندما يكون الخصم في أضعف حالاته, وقبل أن تبدأ حركة البندول في التحرك عكس الاتجاه. وببساطة, فإن ما يهم أميركا وإسرائيل أن القيادات العربية التقليدية تستشعر خطر إيران، وليس خطر إسرائيل وأميركا, وإنه آن الأوان لاستثمار هذا الضعف لبيع بضاعة سيِّئة لهم. وأخشى ما يمكن أن تخشاه إسرائيل وأميركا أن يقود المزاج الشعبي العربي الراهن إلى تغييرات كبيرة تودي بالنظم العربية الحليفة, وتقود إلى تجييش العرب من جديد وبصورة مماثلة لتوجهات "حزب الله". ومن هذا المنظور، فإن المقصود بالحديث المتواتر عن حرب جديدة في المنطقة هو تخويف القادة العرب ودعوتهم للتنازل عن كثير من المصالح العربية الجوهرية, في وقت غير مناسب لهم إطلاقاً.

ومن هذا المنظور، فإن الاستراتيجية السليمة لكل من يرغب فعلاً في سلام عادل وشامل ودائم يجب أن تقوم على ثلاث أولويات عربية: إعادة بناء البيت العربي بصورة تمكنه من الصمود الحقيقي, ضغوط منهجية تهدد بإهدار مصالح أميركية جوهرية فيما لو تابعت الإدارة الأميركية سياساتها الراهنة لإذلال وتركيع العرب, ووقف النزيف الكبير في عدد من الصراعات العربية وخاصة في العراق والسودان والصومال وربما لبنان. وفيما لو نجح العرب في إنجاز هذه المقدمات الأولية يمكنهم الأمل في وضع صيغة مبادلة تحقق توازن المصالح وتوازن المفاوضات من أجل السلام. أما قبل ذلك فيجب أن نحذر من تحرك مبكر يستثمر الضعف العربي الراهن ويضحي بحقوق الشعب الفلسطيني.