خدام ونصر الله: تناقض الزمنين

سامي كليب  السفير

 

 

باريس :
هي الصدفة ربما، أو ليست الصدفة، أن اذيعت ليل الإثنين مقابلتان، الاولى للأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، والثانية لنائب الرئيس السوري سابقا عبد الحليم خدام. ونظرا للفارق القليل في توقيت البث ولإعادة المقابلتين أكثر من مرة، تسنى للبعض الوقوف على جوهر الحديثين، فكان التناقض صارخا بين رجل مستند الى حاضر انتصاره العسكري ليوظفه نصرا سياسيا للمستقبل، وآخر ينبش شيئا من التاريخ، يضيفه على شيء من الحاضر ليخوض معركة ربما صار على قارعتها.
وكانت سوريا وإيران حاضرتين في المقابلتين، تماما كما سيكون شأنهما في كل الأحاديث المقبلة اللبنانية والعربية والدولية، طالما أن طهران ودمشق هما في جوهر الوضع اللبناني، إيجابا بالنسبة للبعض وسلبا في منظور البعض الآخر.
رجح خدام أن يطال التحقيق الدولي في اغتيال رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري، الرئيس السوري بشار الأسد، مبشرا بعمل سيقود حكما الى <تغيير النظام>، بينما أكد سيد المقاومة، ان سوريا وإيران قادرتان على الافادة من النصر العسكري، داعيا الى تغيير الحكومة الحالية في لبنان بغية تأليف أخرى تكون مبنية على <الوحدة الوطنية>.
ليس المهم معرفة ما الذي سيتغير قبل غيره، فالوقائع أثبتت منذ اغتيال الحريري، أن الرغبات غالبا ما تتحطم على صخرة الواقع، ذلك ان قوى 14 آذار لم تستطع حتى الآن تحقيق أصغر أهدافها السابقة اي اسقاط الرئيس اميل لحود.
والأهم هو صورة الرجلين، نصر الله وخدام، الأول مجيبا على اسئلة الزميلة مريم البسام عبر قناة <نيو تي في> والثاني على استفسارات وإلحاح الزميل علي حماده على قناة <المستقبل>. مريم بدت متعاطفة مع نصر الله الى حد التأييد رغم اسئلتها البسيطة والهامة التي عكس بعضها هموم الناس خصوصا اولئك الخائفين من النصر، بينما سعى حماده للبقاء محايدا قدر الإمكان حتى ولو أنه في بعض الحالات سعى لتشجيع خدام على المضي قدما في القول بأن سوريا باتت <تدور في كنف الاستراتيجية الايرانية> ولم تعد حليفا نديا لايران.
أوحى نصر الله بأنه رجل المستقبل القادر على تحديد أولويات والتحدث عن متغيرات كبيرة في المنطقة بناء على ما حققته سواعد المقاومين وإرادتهم الصلبة وإيمانهم العميق، فيما كرر خدام اشياء كثيرة قالها سابقا، او اشياء تشبهها دون أن يسند ذلك بأية معلومة هامة من <نبع> المعلومات المفترض أنه يملكه حين كان من بين الذين حكموا لبنان بالحديد والنار.
بدا نصر الله في حواره، مشعا بعيني النصر، نابضا بروح الشباب، صريحا الى حد الاعتراف بأنه لو كان يعرف ان خطف الجنديين الاسرائليين سيؤدي الى هذه الحرب الاسرائيلية الهمجية لما كان فعل، بينما بدا خدام يغالب المرض، تخونه بعض الكلمات، او الذاكرة او القدرة على التعبير عما يريد، فيما كان الزميل علي حماده يذكره بأنه هو أيضا كان شريكا في ما ينتقده اليوم.
سعى سيد المقاومة لطمأنة الخائفين ولابعاد تهمة الطائفية، لكنه تحدث من منطق المنتصر أيضا، لا بل والمطالب بحكومة وحدة وطنية، وتحدث بمنطق القادر على ضرب اسرائيل مرة ثانية وثالثة ورابعة، بينما بقي سيد الدبلوماسية السورية سابقا سجين رغبته بقلب النظام السوري وإحداث تغيير، فلم يتوان عن الغمز تارة من باب الطائفية، ومن <النصح> تارة اخرى بعدم مواجهة القوى الغربية.
ليس مهما معرفة ما اذا كان تزامن المقابلتين جاء بالصدفة او عمدا، لكن الاهم ان زمني الرجلين ظهرا متباينين الى حد التناقض، الاول يعبر عن منطق عربي مقاوم وقوي ومستند الى نبض الشارع، والثاني يعبر عن زمن غابر مستند الى عهد النكايات والمناكفات والوشايات.
لقد احدث عبد الحليم خدام ضجة صحافية وسياسية كبيرة حين ظهر للمرة الاولى على قناة <العربية>. فمجرد قراره بالكلام كان خبطة هائلة، ولكن العالم كان وما يزال ينتظر منه ان يقول ما يليق بعمق تجربته الدبلوماسية وتاريخه الطويل في 3 ملفات معقدة هي لبنان والعراق وتركيا، بدلا من التركيز على رغبة يعرف قبل غيره انها قد لا تتحقق لو تبدلت المصالح يوما.
وفي سياق المصالح، يقال الكثير عن سبب ظهور خدام في المرة الاولى وقد يقال كثيرا ايضا عن سبب ظهوره في المرة الثانية، وفي المعلومات التي يوردها مقربون من سوريا، ان الرئيس السابق لجهاز الاستطلاع والاستخبارات في لبنان اللواء غازي كنعان كان يعد لانقلاب في سوريا بدعم أميركي وبمعرفة دولة اوروبية، وإن روسيا هي التي كشفت الامر لسوريا، وحين سعى كنعان للجوء الى السفارة الاميركية في دمشق أغلقت الابواب في وجهه، فكان أن انتحر او قتل بشكل انتحار.
وفي المعلومات أيضا أن رئيس الاركان السوري السابق حكمت الشهابي الذي جرت معه اتصالات من دمشق بعيد مقابلة خدام الاولى على تلفزة <العربية> سارع الى ارسال ابنه إلى الرئيس بشار الاسد ليؤكد له انه بات بعيدا عن العمل السياسي وأن ما يقوله خدام لا يعنيه، برغم ان بعض المصادر كانت في حينه اشارت الى لقاءات حصلت بين الرجلين في باريس.
لا شك ان الزميل علي حماده حقق انجازا صحافيا جيدا في <استحقاقه> وأن اسئلته كانت محايدة بامتياز، ولكن هل ثمة طرف دولي او عربي يريد لخدام اليوم الظهور مجددا وفي هذا الوقت بالذات؟
السؤال الافتراضي يستند فقط الى <الحس> السياسي العميق لدى خدام والذي كان وما يزال يعرف متى وكيف يتحدث، حتى ولو أن احاديثه تبدو على الاقل حتى الآن بمثابة <زوبعة في فنجان>.