هل بدأ بشار الأسد هجومه المضاد ؟

سركيس نعوم: النهار 16/8/2006

لم تشعر سوريا بشار الاسد بالراحة عربياً ودولياً منذ اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري في شباط 2005 ، اذ اعتبرت مسؤولة في شكل او في آخر عن هذا الاغتيال وعن اغتيالات ومحاولات اغتيال اخرى، علماً ان ذلك لن ينجلي الا بعد انتهاء التحقيق الدولي الى نتائج حاسمة، هذا اذا انتهى اليها. وكان انسحابها من لبنان في 26 نيسان 2005 قمة عدم الارتياح المذكور. الا انها حتى اقدام "حزب الله" على اسر جنديين اسرائيليين في 12 تموز الماضي، ثم الحرب الاسرائيلية البربرية على لبنان كانت لا تزال تتمتع بهامش وإن ضيقا من الراحة في التعامل مع محيطها العربي ومع بعض المجتمع الدولي، وذلك رغم الانزعاج الكبير الذي ابدته دول عربية عدة من تصرفاتها اللبنانية سواء السابقة للاغتيال او الانسحاب أو اللاحقة لهما. اما بعد الاسر والحرب فقد عاشت سوريا نوعا من العزلة على الصعيد العربي. وقد ظهر ذلك بوضوح في الاجتماعين اللذين عقدهما مجلس وزراء الخارجية العرب في هذه الفترة. واحد ابرز اسبابه كان اقتناع الدول العربية، او بالاحرى الانظمة العربية، بانها تواجه تحدياً ذا انعكاسات سلبية وخطرة عليها نتيجة نجاح الجمهورية الاسلامية الايرانية في التحول لاعباً اساسياً في ازمة الشرق الاوسط وفي القضايا العربية بل في العالم العربي نظرا الى الارتباط العسكري لـ"حزب الله" وجمهوره بها والتحالف الاستراتيجي، وإن غير المتكافىء بين دمشق وطهران. ومعروفة المخاوف العربية الكثيرة من الطموحات الايرانية، وخصوصاً بعد نجاح الاسلاميين في اقامة دولتهم في ايران منذ نحو 27 سنة. وعاشت سوريا بشار الاسد نوعاً من العزلة الدولية بعد الاسر والحرب المذكورين على الصعيد الدولي. هذا التحليل والاستنتاج المستندان الى معلومات لا يستطيع ان ينكرهما احد وان تتهم سوريا وحلفاؤها اصحابهما بالعمالة سواء لاسرائيل او لاميركا، لكنهما يبقيان ناقصين اذا لم يبادر هؤلاء "الاصحاب" الى الاستمرار في تقويم الوضع السوري، وخصوصاً بعد "الانتهاء" وإن غير الاكيد او الثابت حتى الآن للحرب الاسرائيلية على لبنان صباح الاثنين الماضي. وبنتيجة تقويم كهذا، وفي ضوء الانتصار الذي حققه مقاتلو "حزب الله" رغم تكلفته الباهظة بشراً وحجراً بصمودهم المثير للاعجاب اكثر من اربعة اسابيع وباصرار قادة اسرائيل على عدم الغرق في "الوحل اللبناني" مرة ثانية وبالضعف الذي اظهره سياسيوها وقادتها العسكريون، يمكن القول بكل ثقة ان العزلة الدولية والعزلة العربية لسوريا بشار الاسد لا تزالان على حالهما. ولكن يمكن القول ايضا ان سوريا هذه خرجت على الاقل حتى الآن قوية بل ربما اقوى مما كانت. وقد اظهر ذلك في وضوح الخطاب الذي القاه الرئيس الاسد يوم امس. ومن شأن ذلك ان يؤدي الى امر من اثنين، اما ان يبدأ المجتمعان العربي والدولي البحث في طريقة للتحدث مع سوريا بغية تهدئة لبنان والحؤول دون تجدد الحرب التي توقفت مبدئيا قبل يومين وبغية اقامة جسور مع ايران او دفع دمشق الى قطع جسورها معها. واما ان يقرر المجتمعان ان اوان التصدي الحاسم لسوريا قد حان، وربما لايران كذلك. واذا كان الامر الاول صعباً لاعتبارات كثيرة اقليمية وعربية وحتى دولية فإن الامر الثاني اكثر صعوبة بل قد يكون مستحيلا اولاً لاقتناع الفاعلين في المنطقة من عرب وغير عرب بان لا مصلحة لهم في ضرب سوريا ونظامها. وثانيا، لاقتناع العالم بان حل الصراع الناشب مع ايران لن يكون ممكنا الا بالديبلوماسية والتفاوض والمساومة.
في اي حال لسنا هنا في معرض تقويم الخطاب الاخير للرئيس بشار الاسد، بل في معرض الاشارة الى انه استعاد بعض القوة التي وفرها له "حزب الله" وايران وعجز اسرائيل وبلبلة المجتمع الدولي والانقسامات اللبنانية الحادة.
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: كيف سيترجم الرئيس السوري هذه القوة المستعادة بعد مرحلة غير قصيرة من الضعف او الاستضعاف، لا فرق؟
الجواب عن ذلك هو ان الترجمة لن تكون بمحاربة اسرائيل عسكريا، اولا للعجز عن ذلك، وثانياً لعدم فتح ابواب الاخطار المباشرة على سوريا ونظامها، وهو أنها لن تقوم برعاية "اعمال" ارهابية او بالتشجيع عليها الآن على الاقل، وخصوصا ضد المجتمعين العربي والدولي وذلك حرصا على عدم اعطاء كل هؤلاء ذريعة "مشروعة" للانقضاض عليها. بل ستكون هذه الترجمة بطريقتين. الاولى، تغذية رفض الجماهير العربية لواقع دولها وانظمتها وللواقع الدولي المنحاز الى اسرائيل. وظهر ذلك بوضوح في الخطاب. والثانية، قيادة هجوم مضاد في لبنان على القوى المحلية المتنوعة الانتماء المذهبي والطائفي والسياسي والتي اخرجت قواته من بلادها وساعدت في اضعاف موقعها ودورها على الصعيدين الاقليمي والدولي، وذلك بالاعتماد على نصر "حزب الله" على اسرائيل وعلى سلاحه المتفوق وعسكره المدرب و"جمهوره" الكبير واتهام كل من وقف ويقف ضده وكل من حاول ويحاول بناء دولة لبنان القادرة والعادلة، بالعمل لضرب المقاومة خدمة لاسرائيل واسيادها الاميركيين. وقد ظهر ذلك في الخطاب نفسه. وما قد يشجع بشار الاسد على شن الهجوم المضاد في لبنان هو التجربة الناجحة للهجوم المضاد الذي شنه والده الرئيس الراحل حافظ الاسد على من سماهم بشار امس "جماعة 17 ايار" والذي بدأ منذ دفعه الاجتياح الاسرائيلي عام 1982 الى الانكفاء عن اجزاء واسعة من لبنان والذي انتهى بنجاح بعد خمس سنوات عندما عادت القوات السورية "مظفرة" الى هذه الاجزاء وتحديدا الى العاصمة بيروت. والهدف من العودة التي اجمع عليها اللبنانيون، بمن فيهم "جماعة 17 ايار" والعرب والعالم الفاعل، وقف الاقتتال الداخلي بين حلفائها.
هل ينجح الهجوم السوري المضاد في لبنان او عليه؟
الجواب المبدئي هو ان احدا لا يعرف اذا كان سينجح. علما ان الظروف الداخلية في لبنان تختلف الآن جذريا عن ظروف عام 1987. ذلك انه ليس في لبنان الآن "جماعة 17 ايار"، رغم اقتناع الرئيس بشار الاسد بوجودها والذين قصدهم الاسد من اعضائها هم الذين مكنوا سوريا من إسقاط اتفاق 17 أيار. فاسرائيل صارت عدوا لكل اللبنانيين بعدما عانوا بالجملة والمفرق اهوالها، وعاشوا "مآثرها"، والجماعة التي تعارضه حاليا في لبنان ذات وجود شعبي متنوع. فضلا عن ان الجهات التي بنت مجدها على معاداة سوريا ونظامها والتي سلكت خطا اعتبر ان مشكلات لبنان معها انتهت بخروج جيشها من لبنان، خلافا لاقتناع لبنانيين كثيرين، لا تستطيع ورغم الدوافع الوطنية وغير الوطنية لخطها الجديد ان تؤيد الهجوم المضاد، وخصوصا اذا كان من شأنه اعادة الماضي بكل مساوئه اللبنانية اولا ، ثم السورية، فضلا عن ان الظروف العربية والدولية تختلف بدورها اليوم عن ظروف 1987. الا ان اختلاف الظروف لا يلغي حقيقة اساسية هي ان للمجتمعين العربي والدولي حسابات متنوعة وقراءات وتقويمات غير ثابتة وغير دائمة للاوضاع في لبنان والمنطقة. ومن شأن ذلك ان يغري الرئيس الاسد بشن هجومه المضاد. لكن عليه قبل ذلك ان يتأكد جيدا من انه لن يقع في "فخ" ينصبه له اعداؤه، وعليه ايضا ان يسأل اذا كان "حزب الله" وراعيته ايران يقبلان عودة سوريا الى لبنان، وأي عودة؟
في اي حال ليس حلفاء سوريا وايران في لبنان في حاجة الآن الى هجوم مضاد قد يربكهم ويحبط النصر الذي احرزوه على العدو الاسرائيلي. فهم اقوياء الآن بـ"حزب الله" الذي يتهيأ لممارسة سياسة "الامر لي"، وإن على نحو غير مباشر في البداية، وذلك كان متوقعا. لكن هذه القوة ستتعطل اذا ادى الهجوم المضاد الى فوضى واقتتال داخلي، وذلك ممكن جدا. واذا كان البعض في سوريا يعتقد انها ستسلم من آثار ذلك فانه يكون واهما. وحدها سياسة مساعدة اللبنانيين، من دون اي رغبة في الانتقام وتصفية الحسابات وفي العودة الى سياسة احتواء لبنان وحكمه واستغلال مرافقه وثرواته وتحرير الارض المحتلة بواسطته، هي التي تعيد اليهم الامل في سوريا الشقيقة والعادلة. وهذا الامل كان موجوداً وبقوة عند غالبية اللبنانيين عام 1976 وعامي 1989 و 1990. لكن الحسابات القطرية والنظامية (من نظام) والمصالح الخاصة عند السوريين و"مركانتيلية" جهات لبنانية كثيرة، وانتهازيتها وتوظيفها سوريا للنمو جاها ومالا ومواقع سياسية، قضت على هذا الامل. واهم انجاز لبشار الاسد، اذا كان يهتم بسوريا واللبنانيين، هو اعادته.