من الخاسر في الحرب الإسرائيلية على لبنان؟

باتريك سيل الاتحاد

 

لن يوقف القرار رقم 1701 الذي اتخذه مجلس الأمن الدولي بالإجماع يوم الجمعة الماضي الموافق الحادي عشر من أغسطس الجاري الحرب الإسرائيلية على لبنان, بيد أنه يشكل خطوة كبيرة ومهمة نحو ذلك الاتجاه. وعلى الأرجح أن تشوب الفوضى تطبيق القرار المذكور, مثلما هو الحال عادة في كل الحروب. ذلك أن كل طرف من طرفيها سيتشبث بمكاسب الدقائق الأخيرة السابقة لوقف إطلاق النار, ويحرص على استخدامها أداة للضغط على الطرف الآخر. والأهم من ذلك استخدام هذه المكاسب الأخيرة داخلياً من جانب كل طرف من الأطراف, بغية إعطاء انطباع داخلي بالفوز في تلك الحرب. ولذلك فإن من المرجح أن تواصل إسرائيل قصفها وتوغلها في الجنوب اللبناني حتى الدقيقة الأخيرة لوقف إطلاق النار، بل وربما بعده, في حين يواصل "حزب الله" من جانبه رجم شمالي إسرائيل بصواريخه حتى اللحظة الأخيرة كي يثبت للملأً أجمعين أنه لم يهزم بعد. وفيما نذكر فقد واصلت إسرائيل هجماتها العسكرية على مصر فيما بعد قرار وقف إطلاق النار في حرب أكتوبر من عام 1973, علماً بأن هذا الانتهاك تم بموافقة هنري كيسنجر وزير الخارجية الأميركية وقتئذ. وكانت الفكرة من استمرار الهجمات على رغم صدور القرار, هو أن تكتب إسرائيل خاتمة قوية لعدوانها ذاك, إلى جانب تهيئة التربة المصرية لإبرام اتفاقية سلام معزولة معها.

أما هذه المرة فإن المرجح أن يقرر المراقبون أنه ما من طرف من طرفي النزاع اللبناني الحالي قد فاز به. وفي قرار كهذا بحد ذاته من السوء بمكان بالنسبة لإسرائيل. كيف لا وهي التي فشلت بعد ما يزيد على شهر كامل من القصف والقتال في تحقيق الهدف الرئيسي الذي شنت من أجله هجومها على جنوبي لبنان؟ أي تدمير "حزب الله" ووضع حد للصواريخ التي يستهدف بها عمق الشمال الإسرائيلي. وفيما يبدو فقد ألحقت هذه الحرب دماراً وخراباً بموقف تل أبيب في أربع نواح أساسية نوردها فيما يلي. أولاها أن إسرائيل لم تعد تلك الدولة الأسطورية الخارقة التي لا تقهر عسكرياً, على نحو ما صورتها مخيلة الرأي العام العربي- الإسلامي. وفي هذا ما قد يشجع بعض الحكومات العربية الإسلامية وكذلك بعض اللاعبين غير الحكوميين على مناكفتها هي وراعيتها واشنطن أكثر مما كان عليه الحال قبل هذه الحرب. وبالنتيجة فقد أصيب في مقتل ذلك المبدأ الاستراتيجي التقليدي الإسرائيلي, القائم على فرض الهيمنة الإقليمية المطلقة اعتماداً على جبروت القوة العسكرية الضاربة التي لا تقهر. وعليه فربما ترغم إسرائيل على الخضوع لشكل من أشكال توازن القوى أو توازن القدرات الردعية مع جيرانها العرب. وثانيتها أن إسرائيل قد سجلت نقطة سوداء جديدة في سجلها الدموي, بهذا الخراب الواسع النطاق الذي ألحقته بلبنان, وبقتلها الوحشي لأعداد كبيرة من المدنيين. وغني عن القول إنها وصمة ليس من السهل محوها ولا نسيانها من الذاكرة. أما النتيجة العملية المترتبة عن هذا, فهي تضاؤل أي آمال سابقة لدمج الدولة اليهودية سلمياً في الجسد العربي الإسلامي.

وثالث الأضرار الواقعة على إسرائيل جراء هذه الحرب, أنه قد ساد اعتراف عام باستحالة إقصاء سوريا وإيران كحليفين لـ"حزب الله" من أي مساع رامية للتوصل إلى تسوية مستديمة للنزاع الشرق أوسطي. فكلتاهما لاعبتان إقليميتان رئيسيتان يصعب تجاهل مصالحهما, فيما لو أريد تفادي نشوب حرب جديدة أشد خطراً ودماراً في المنطقة. وبذلك نصل إلى الضرر الرابع والأخير الذي حاق بإسرائيل, متمثلاً في حث هذه الحرب الأخيرة على لبنان, المجتمع الدولي والولايات المتحدة الأميركية مجدداً على تسريع التوصل إلى تسوية شاملة لنزاعات إسرائيل الطويلة الأمد مع جيرانها الفلسطينيين والسوريين, مع العلم أن هذه التسوية تتطلب انسحاب إسرائيل من أراض ظلت تحتلها وتهيمن عليها منذ عام 1967, وفقاً لما نص عليه قرار مجلس الأمن الدولي رقم 242. ولا بديل آخر لهذا إن كانت لموجة العنف الراديكالي الإسلامي المتشدد, التي اجتاحت العالم العربي الإسلامي بأسره أن تتوقف.

ثم ماذا عن "حزب الله"؟ إن عليه الانسحاب شمالاً بحيث يسمح لقوة دولية معززة قويةربما يصل قوامها إلى 30 ألف جندي- بحراسة المنطقة الواقعة بين نهر الليطاني والحدود الإسرائيلية, وكذلك للإشراف على انسحاب إسرائيل إلى ما وراء "الخط الأزرق". وربما يواجه "حزب الله" مشقة كبيرة في إعادة تأهيل ترسانته الحربية الآن. بيد أن السؤال هو هل سيجري تجريد أسلحته حقاً حسبما تلح كل من واشنطن وتل أبيب؟ هذا ما ستكشف عنه الأيام والتطورات المرتقبة. غير أنه يتعذر نزع أسلحة "حزب الله" بالقوة, وأن السبيل الوحيد لتحقيق هذا الهدف هو الاتفاق الطوعي السلمي ما بين الحكومة اللبنانية والحزب. ومن جانبها تؤكد إسرائيل حقها ومشروعية دفاعها عن نفسها. بيد أن التجربة المريعة التي خاضها لبنان خلال الشهر الماضي, تضاعف حاجته أكثر من أي وقت مضى لحماية نفسه وأراضيه ضد أي اعتداءات وتوغلات إسرائيلية مستقبلية محتملة. وربما كانت إحدى الوسائل الممكنة لتحقيق هذه الغاية هي إلحاق ميليشيات "حزب الله" بالجيش الوطني اللبناني أو التوصل لأي صيغة قيادة مشتركة بينهما.

وهذا ما يثير بدوره سؤالاً حول مستقبل الكيان الشيعي في لبنان, خاصة وأنه الكيان الأكبر بين الكيانات السبعة عشر المختلفة التي يتألف منها المجتمع اللبناني. ويرتبط ذلك السؤال بحجم تمثيل الشيعة في مؤسسات البلاد وحياتها السياسية. فما أن يحل السلام ويعاد بناء لبنان وإعماره, حتى تنشأ الحاجة الملحة لإجراء تغيير جوهري على النظام النيابي الحالي، وكذلك على هياكل السلطة ومؤسساتها القائمة. هذا وقد دفعت إلى السطح هذه الحرب الأخيرة على لبنان, بأهمية تعلم درس الحرب الأميركية على العراق. ويتلخص هذا الدرس في تعاظم حاجة الدول العربية لشحذ الإرادة السياسية والوسيلة الناجعة التي تمكنها من احتواء أي تعديات مستقبلية عليها سواء كانت من جانب إسرائيل أم الولايات المتحدة الأميركية نفسها. وبما أن صمود "حزب الله" الأخير في هذه الحرب، قد أشار إلى الطريق الذي يمكّن الدول العربية من إيجاد هذه الآلية, فإن من المتوقع أن يضغط الرأي العام العربي على الحكومات هذه باتباع الطريق نفسه.

ومن الواضح كذلك أن الحاجة قد تعاظمت الآن أكثر من أي وقت مضى للدفاع عن الحقوق والمصالح العربية المؤجلة. وفي هذا الجانب، فإن التجربة اللبنانية تقدم خير وأنصع نموذج لما يمكن أن تحققه بقية الدول العربية. ولك أن تنظر إلى عظم مساهمتها خلال القرن الماضي, في مجالي التعليم والثقافة العربيتين, وفي مجال إحياء اللغة العربية وتراثها وآدابها, وفي مساهمتها في مجالي الطباعة والنشر, وكذلك في مجالي المال والبنوك, دع عنك مناخها وغنى مطبخها وثقافتها الغذائية ومباهج نمطها الحياتي. وما أدعى الحاجة وأشدها لاستنهاض كل هذا وتعزيزه في لبنان ما بعد الحرب.