ماذا في القرار 1701

خليل حسين   السفير

 

بعد شهر من العدوان الاسرائيلي على لبنان صدر القرار 1701 بصيغ سيشكل سابقة في التعامل الدولي مع الكثير من القضايا التي تهدد السلم والامن الدوليين، ذلك للعديد من النقاط والاعتبارات الواردة فيه شكلا ومضمونا؛ وفي كلا الحالين ثمة العديد من علامات الاستفهام التي تطرح، إن كانت لجهة ما يهدف اليه القرار في المرحلة الحالية أو لجهة النتائج المترتبة على العدوان، أو بمعنى آخر ثمة أسئلة كثيرة ستطرح حول ما بعد العدوان والتي ستشكل مأزقا للوضع اللبناني كما الاسرائيلي، أقل ما يقال فيها انها تسوية الممكن محليا وإقليميا ودوليا. في الشكل يمكن تسجيل العديد من الملاحظات منها:
لقد جاء القرار بعد مضي شهر كامل على العدوان وتخلي مجلس الأمن عن صلاحياته المنصوص عليها في ميثاق الامم المتحدة ونظامه الداخلي لجهة وجوب عمله على حفظ الامن والسلم الدوليين.
كان القرار بمثابة مشروع التسوية الممكنة بين أطراف بعضهم يملكون الحل والربط في الموضوع وبعضهم الآخر فاوضوا بالوكالة وربما سيجنون مكاسب سياسية أكثر من الاطراف الاساسيين أنفسهم.
ثمة تخبط وتأويل واضح في صياغة العديد من فقرات القرار لجهة إبراز مطالب الاطراف المعنية بالموضوع، ما سيجعل القرار نفسه مناسبة للخلاف على تفسير العديد من الفقرات الواردة فيه.
تم عطف القرار على العديد من القرارات السابقة المتعلقة بالوضع اللبناني ومنها القرار 425 و520 و1559 و1680 واتفاقية الهدنة، ما يدخل أطرافاً إقليميين ودوليين ربما تعقد أساس الموضوع وتعلق تطبيقه الى آجال مرتبطة بحل بعض القضايا الاقليمية العالقة، بدءاً من مواضيع الصراع العربي الاسرائيلي وصولا الى الملف النووي الايراني.
لم يأت القرار بغالبية فقراته متوازناً لا شكلاً ولا مضموناً، فيستعمل تعابير مختلفة في الشدة <إذ يعرب عن قلقه الشديد> الفقرة (2) في معرض تحميل حزب الله مسؤولية العدوان، <إذ يشدد على الحاجة> في الفقرة (3) في معرض معالجة <الافراج غير المشروط عن الجنديين الإسرائيليين المخطوفين>، في المقابل استعمال تعابير مخففة جدا لمعالجة المطالب اللبنانية <يأخذ في الاعتبار> و<ويشجع الجهود> عند الاشارة الى موضوع السجناء اللبنانيين المعتقلين في اسرائيل؛ وكذلك في الفقرة (5) <إذ يرحب بجهود رئيس الوزراء اللبناني> و<يرحب بالتزام الحكومة اللبنانية بوجود قوة دولية>.
ان القرار بشكله ومضمونه لن يكون نهائيا لجهة مساراته، ذلك بما ورد في الفقرة التنفيذية (17) التي عهدت للامين العام تقديم تقرير لمجلس الامن عن تطبيق القرار خلال أسبوع ومن ثم دوريا دون ذكر المدة اللاحقة، ما سيجعل بنوده وتفسيراته بشكل عام عرضة للتغيير وفقا للتقارير اللاحقة.
واذا كان شكل القرار يبدو بداية لحفلة خلافات قوية في المستقبل، فإن مضمونه لا يقل خطورة، لأسباب واعتبارات كثيرة منها:
كما هو واضح من تصريحات الاطراف ذات الصلة بالقضية بأن القرار اتخذ وفقا للفصل السادس من ميثاق الامم المتحدة، فإن كنه القرار ومسار تنفيذه وأهدافه وحتى نص بعض الفقرات فيه تدل على انه يقع ضمن الفصل السابع، وعليه ان تنفيذ القرار مرتبط باستعمال القوة بصرف النظر عن رغبة ورضى الاطراف ذات الصلة بالموضوع. فمثلا ما جاء في الفقرة التنفيذية 12) <... يسمح لقوات (اليونيفيل) القيام بكل التحركات الضرورية في مناطق نشر قواتها وفي إطار قدراتها، للتأكد من أن مناطق عملياتها لا تستخدم للاعمال العدائية بأي شكل، ومقاومة المحاولات عبر وسائل القوة لمنعها من أداء مهماتها بتفويض من مجلس الامن>. ان كل التحركات الضرورية تعني ما تقرر هذه القوة لتنفيذ مهامها دون أي حدود واضحة، كما ان إجازة استعمال القوة كما هو وارد في النص مرتبط بالتفويض من مجلس الامن والذي يعتمد في الاساس على منطوق القرار 425 لعام 1978 المتعلق باليونيفيل، ومن المعروف ان ذلك القرار يتمتع بفرادة خاصة لجهة اعتباره أعلى من الفصل السادس وأقل من الفصل السابع لما ورد في متنه ان مهام قوة اليونيفيل هي <تثبيت السلم والامن> وليس <حفظ> أو <فرض>، الأمر الذي يوحي بأن التفويض هو في الفصل السابع لا السادس. علاوة على ذلك ما استند اليه القرار 1701 في الفقرة (5) لجهة عطفه على اتفاقية الهدنة الصادرة ضمن الفصل السابع للميثاق. وكذلك الفقرة التمهيدية (10) <الاقرار بأن التهديد الذي يتعرض له لبنان يشكل تهديدا للسلام والامن العالميين> وهي من المواضيع التي يجب على مجلس الأمن اتخاذ قراراته في الفصل السابع لحماية الامن والسلم الدوليين.
وبدلا من الاعلان الفوري لإطلاق النار دعا الى وقف الهجمات من جانب حزب الله ووقف كل العمليات الهجومية العسكرية من جانب اسرائيل، الامر الذي يستشف منه على الاقل في المرحلة الراهنة غير محددة التوقيت بقاء اسرائيل في الاماكن التي تحتلها دون إعطاء فرصة مجابهتها من المقاومة وإلا اعتبر هذا العمل خرقاً للقرار من جانب المقاومة.
لم يدع القرار الى انسحاب الجيش الاسرائيلي وربطه بنشر الجيش اللبناني وقوات اليونيفيل بالتوازي وفقا للفقرة التنفيذية (11)، الامر الذي يمكن ان يكون مؤجلا ومرتبطا بتجهيز قوة اليونيفيل، وهو أمر مرهون ايضا بالعديد من الاعتبارات منها موافقة بعض الدول على المشاركة في هذه القوات وسرعة تحركها وانتشارها فضلا عما يمكن أن ينشأ من عقبات لهذا الانتشار لاحقا، ما يعني ان قوة الاحتلال في الاراضي اللبنانية وفقا لمنظور مجلس الامن غير محددة عمليا.
ثمة تناقض واضح بين الفقرتين التنفيذيتين (4) و(5) في الاولى <يجدد دعمه القوي للاحترام الكامل للخط الازرق> وفي الثانية <يجدد ايضا دعمه القوي.... لسلامة أراضي لبنان وسيادته واستقلاله السياسي ضمن حدوده المعترف بها دوليا، كما هو منصوص عليه في اتفاق الهدنة العام بين لبنان واسرائيل في 24 آذار 1949> وهو خلط ولبس لجهة توصيف وتكييف وترسيم وتحديد الحدود الدولية. فوفقا للخط الازرق اعتبر مجلس الامن الدولي ان اسرائيل طبقت القرار 425 وأخرجت مزارع شبعا من نطاقه، فيما اتفاقية الهدنة تدعو للهدنة وبالتالي لا تنهي الاعمال العسكرية وحالة الحرب المرتبطة باتفاقات لاحقة كاتفاقيات سلام أو ما شابه. فضلا عن ان مزارع شبعا كانت خاضعة لاتفاق الهدنة (1949) قبل احتلال قسم منها في العام 1967 وفي مراحل تالية.
ثمة مسائل ملتبسة في الفقرة التنفيذية (9) <دعم الجهود لتأمين اتفاقات مبدئية بين حكومة لبنان وحكومة اسرائيل، في أسرع وقت ممكن، على قاعدة وعناصر حل طويل الأمد كما ورد رابعا في الفقرة 8 ويعبر عن نيته في ان يكون معنيا بشكل فاعل>. فما هي هذه الاتفاقات المبدئية وما هي حدودها ومضمونها، هل هي أمنية بحتة كما هو ظاهر أو معلن في الفقرة (8) ام ثمة قضايا اخرى تابعة يمكن أن تكون جزءا من تلك القضايا المبدئية تمتد الى اتفاقات سياسية لاحقة؟
ستتم إعادة نشر قوات اليونيفيل بعد زيادة عددها وعدتها في الاراضي اللبنانية فقط ودون ان تكون موازية للجهة المقابلة، مع تسجيل أمور لافتة لوظيفتها وطبيعة عملها. فوفقا للفقرة التنفيذية (12) <دعما لطلب الحكومة اللبنانية نشر قوة دولية لمساعدتها على ممارسة سلطتها على كامل الاراضي، يسمح لقوات (اليونيفيل) القيام بكل التحركات الضرورية في مناطق نشر قواتها وفي إطار قدراتها، للتأكد من أن مناطق عملياتها لا تستخدم للاعمال العدائية بأي شكل، ومقاومة المحاولات عبر وسائل القوة لمنعها من أداء مهماتها بتفويض من مجلس الامن> فكيف يمكن التأكد من الاعمال العدائية في الجانب الاسرائيلي، وما هي الطرق والكيفية التي ستحدد فيها هذه القوات الاعمال العدائية في مناطق وجودها؟ وما هي حدود القوة التي ستستعملها؟ أسئلة كثيرة تطول بطول الاهداف غير المعلنة في القرار.
إشراك قوة اليونيفيل من الناحية العملية بأمور سيادية لبنانية كمراقبة المطارات والموانئ وفقا للفقرة التنفيذية (11) كما وردت مكررة في الفقرة (14) للتأكيد على المهمة.
إن أخطر ما في الحالة السابقة إعطاء دور تقريري وتنفيذي لقوات اليونيفيل بما هو ممنوع أو مسموح إدخاله الى لبنان ذلك ما ورد في المقطع (ب) من الفقرة (14) <غير ان هذا المنع لا يطبق على الاسلحة والمعدات المتصلة والتدريب أو المساعدة التي تسمح بها الحكومة اللبنانية أو (اليونيفيل) كما تنص عليه الفقرة 11>. فورود <أو> قد سمح لهذه القوات تحديد حالات المنع أو السماح بشكل صريح لا لبس فيه، ذلك بمعزل عن طلب الحكومة اللبنانية. الامر الذي يضع لبنان تحت سلطة ان لم يكن تحت وصاية دولية فعلية.
ان تمديد انتداب قوة اليونيفيل الى سنة قادمة وفقا للفقرة التنفيذية (16) وفقا لعزم مجلس الامن <إعطاء دعم إضافي لهذا الانتداب وللخطوات الاخرى ...> يعطي الانطباع بأن مهامها ستكون واسعة وشاملة أموراً غير منظورة في القرار أو متعلقة بالظروف التي تم فيها اتخاذ القرار. لا سيما أن القرار انتهى بفقرة أخذ مجلس الامن على عاتقه إبقاء الموضوع قيد نظره الفعلي.
إن أولى نتائج هذا القرار على الصعيد الداخلي إطلاق رصاصة الرحمة على مؤتمر الحوار الوطني اللبناني بعدما استنفد العدوان أغلب مواضيعه وقضاياه.
وعلى الرغم من التساؤلات والملاحظات العديدة التي أوردناها، ثمة إيجابيات يمكن النظر اليها في مضمون القرار وهي تعبير عن حالة التراجع الاميركي والاسرائيلي عن الكثير من المطالب السابقة التي وردت في المشروع الاميركي الفرنسي الاول ومنها:
تم الاخذ بالعديد من النقاط السبع الواردة في مشروع الحكومة اللبنانية وان لم تكن في الترتيب كما وردت أو بنفس القوة التي طرحت.
ثمة تراجع أميركي اسرائيلي كبير عن بعض القضايا وان لا تصنف في القضايا الاستراتيجية كموضوع الاسيرين.
ثمة تفهم دولي لبعض القضايا اللبنانية المحقة وإن أشير لها في القرار بطريق غير مباشر كمزارع شبعا والاسرى وغيرها.
ثمة وعود دولية كما في السابق لإنشاء بيئة لحل أزمات المنطقة عند ذكره للقرارين 242 و.338
ثمة
اعتراف دولي لوزن بعض القوى في المنطقة كإيران وسوريا في ظل بعض القضايا وان لم يذكرا بالاسم.
وفي المحصلة وفي هذه القراءة السريعة للقرار يمكن القول فيه انه اتفاق الممكن، لم يسجل نصراً ولا هزيمة لأحد أطرافه. إلا ان غريب المفارقات في هذا القرار انه لم يأتِ معبراً عن الاستثمار السياسي للعدوان، فرغم ان اسرائيل لم تتمكن من تحقيق أي نصر عسكري على الارض قابل للاستثمار سيفسر انه لمصلحتها، وعلى الرغم من أن المقاومة تمكنت من الصمود بوجه خامس قوة عسكرية في العالم ستتحمل أوزار عدوان لا تقوى دول كبرى على تحمله. ان أصعب القرارات وأخطرها ما يمكن أن تتضمنه من أمور غير معلنة فهل تفاهم نيسان ما زال قائما حتى الآن؟ وما هي أسئلة ما بعد العدوان التي ستنتشر كالنار في الهشيم؟ أسئلة يصعب الاجابة عنها في المدى المنظور.
(?) أستاذ جامعي.