من ذا الذي يصدق دعم حسني مبارك للبنان؟

محمد عبدالحكم دياب  القدس العربي

 


محور السعودية ومصر والأردن وامتداداته قلق لتأييد إيران وسورية لحزب الله، ولا يخجل من توفير الغطاء العربي والإسلامي للعدوان علي لبنان، ويري أن أمريكا والغرب مع الدولة الصهيونية أقرب إليه من سورية وإيران. ولهذا يشاركونهم في تدمير البلد الشقيق. واللبنانيون، لدي هذا المحور، ليسوا أغلي ولا أهم من الفلسطينيين، الذين حوصروا وصودرت أموالهم وصفيت سلطتهم، وهم أول من شارك في حصار ياسر عرفات، حتي أن هاتفه توقف عن الرنين ولم يعد يستقبل مكالمة من ملك أو رئيس أو شيخ عربي واحد، فلا أحد يستطيع أن يعصي للدولة الصهيونية أو الإدارة الأمريكية أمرا إذا ما قررتا حصاره وتصفيته، ويوم أن رحل عرفات مسموما أقام له حسني مبارك جنازة عسكرية كبري، بطريقة أقرب إلي الغسيل السياسي منها إلي الموقف الإنساني والمبدئي.. فمثل مهربي المخدرات، وأباطرة الدعارة، وتجار الرقيق الأبيض، والقتلة المحترفين، وقطاع الطرق، يتصرف حكام عرب، وكما يحتاج أولئك إلي غسيل أموالهم الحرام، يحتاج هؤلاء إلي غسيل سياستهم الأكثر حرمة. وهذا بالضبط ما قام به عدد من وزراء الخارجية العرب، في اجتماعهم في بيروت الأسبوع الماضي، جاءوا إلي لبنان في مشهد أشبه بحفاري القبور. ليكونوا عن قرب لعلهم يشهدون مصرع المقاومة وزعيمها، وبان ذلك من وفدهم الذي سافر إلي نيويورك.. لم يكن يحمل مشروعا أو موقفا أو وجهة نظر.. راح خالي الوفاض تماما.. اختار مهمة ساعي البريد بحمل رسالة الحكومة اللبنانية إلي مجلس الأمن، واستغلت الإدارة الأمريكية وجوده فسمحت للدولة الصهيونية بتكثيف عدوانها علي لبنان، ومنحتها فرصة جديدة لمواجهة الفشل الذريع، علي مدي شهر من الاشتباك الضاري مع مقاومة، أصبحت وساما علي صدر كل عربي ومسلم.
وجاءت زيارة الوفد الرسمي والشعبي المصري، برئاسة الرئيس الموازي ، جمال مبارك، إلي لبنان لتلحق عارا جديدا بمصر والمصريين، بتصريحات حسني مبارك المتهافتة بأنه لن يحارب نيابة عن لبنان، ولن يشارك بجيشه في مهام قتالية خارج حدوده.. وهل طلب منه أن يحارب نيابة عن أحد؟ وإن أكثر المحللين تواضعا في قراءة الأحداث يعلمون أن العقيدة القتالية لجيش مبارك تغيرت من زمن، فأصبح رديفا للمجهود العسكري الغربي، وعكس ما يصرح ويقول، فجيشه يخرج بعيدا عن حدود مصر، فهو خرج، تحت القيادة الأمريكية، في معركة الكويت، بعد أن تولي مبارك نفسه إفشال الحل العربي، أما تحرير فلسطين أو صد عدوان عن لبنان، أو أي بلد عربي آخر، فهو الجرم بعينه، لأنه ليس ضمن نفس المجهود، وعندما يذهب وفد رسمي وشعبي، برئاسة جمال مبارك، فإن المهمة الواضحة له هي الغسيل السياسي ، المطلوبة لامتصاص الضغط الشعبي الكاسح المؤيد للشيخ حسن نصر الله. وقد أحسن الناصريون والإسلاميون صنعا بعدم مشاركتهم في هذه المهمة المسمومة.
ليس هناك من يصدق أنه أرسل ابنه لدعم لبنان.. لم يحمل مقترحا إيجابيا واحدا، فضلا عن أن مبارك الأب قد انتهز فرصة وجود الوفد في بيروت لتوجيه رسالة إلي الدولة الصهيونية والإدارة الأمريكية، يدين فيها أي دعوة للمقاطعة. فالسلع والبضائع والعمولات ورضا الدولة الصهيونية عنه، وقبول الإدارة الأمريكية بابنه، أغلي من الدم العربي المسفوح في لبنان وفلسطين والعراق. وقد تباري كتبة التقارير في الصحافة والأمن، يريدون منا أن نصدق أن حسني مبارك يعني ما يقول، وكتب بعضهم عن دور موهوم له في حل المشكلة اللبنانية!! وهو الذي أوكلت إليه، ضمن المحور السعودي المصري الأردني، مهمة العمل علي إقامة الخرابة الجديدة، المسماة الشرق الأوسط الجديد، وقد لا يكون تعبير الخرابة مألوفا لدي بعض الأشقاء العرب، لذا وجب التوضيح.
تزخر اللهجات العربية بألفاظ وكلمات كثيرا ما تعبر عن المعني المقصود مباشرة، وحسبنا أن اللهجتين المصرية والسودانية تطلقان علي المكان الخَرِب أو المهمل أو المتروك أو الخلاء، وصف الخرابة ، وفضلا عن أنها مكان تلقي فيه القمامة، وتدفن في باطنه بقايا ونفايات الحيوانات النافقة، فقد كانت في عصور ما قبل دورات المياه مكانا لقضاء الحاجة. وهذا هو الحال الأقرب إلي مشروع الشرق الأوسط الجديد، بالنسبة للولايات المتحدة وبريطانيا والدولة الصهيونية، وإذا قدر له أن يظهر، ونحن لا نتوقع ذلك، فلن يكون أكثر من خلاء سياسي وعسكري وثقافي تقضي فيه المنظومة الصهيو غربية حاجتها، ومن أجل ظهور هذا الخلاء من الضروري تفكيك الدول العربية القائمة، علي نفس طريقة تفكيك الاتحاد اليوغوسلافي، ليكون الوطن العربي مجرد كانتونات صغيرة ومشيخات ودول ميكروسكوبية، تطلب الحماية من المنظومة العسكرية، الصهيو غربية، إما عن طريق قوات احتلال متعددة الجنسيات الغربية، أو بقوات احتلال من حلف شمال الأطلسي، وبذلك يتلاشي الخطر عن الدولة الصهيونية.
وعلي نمط كتبة مبارك كتب صحافي لبناني، في صحيفة سعودية، الخميس الماضي إلي رئيس المجلس النيابي، نبيه بري، يحثه علي قيادة عملية الاستسلام المطلوبة، بدعوي حماية الدولة اللبنانية، ويظهر من بين ثنايا سطور الكاتب، أن الخطر علي الدولة اللبنانية من المقاومة وليس من الاحتلال، وأن سعد الحريري جاهز لقيادة الدولة بصيغتها الجديدة المصهينة ، وأهم ما جاء به هذا الصحافي هو أنه كشف الموقف السعودي وعراه، لكن تصدي رئيس حزب الكتائب، كريم بقرادوني، والرئيس الأسبق أمين الجميل، وإيصالهما رسالة إلي نبيه بري، يعلنان فيها تأييد المسيحيين اللبنانيين للمقاومة وحزب الله، وانتقاد ساسة السنة، لموقفهم السلبي من الشيخ نصر الله، وطالبا بدولة عادلة، تحمي الوطن، وتكافئ من ضحي، ولا تصفي حسابات بين مواطنيها. وهذا تحول ما كان ليتم لولا المقاومة الإسلامية وانتصاراتها!!
هذا يلقي مزيدا من الضوء علي زيارة جمال مبارك، التي كانت لتحريض الحكومة اللبنانية علي المقاومة، استعجالا لقيام الخرابة الجديدة، وهو عار جديد تلحقه عائلة مبارك بمصر.. وكما ألحقت بالمصريين عارات سابقة في فلسطين والعراق، فهي تتمادي وتفعل نفس الشيء مع لبنان، وفي غمرة التصريحات الزائفة نسيت هذه العائلة أن القوي الوطنية والقومية والإسلامية، في مصر، علي علم بوجود كتيبة من سلاح الحدود المصري علي الحدود الفاصلة بين مصر وفلسطين، لإحكام الحصار حولها، ومنع أي مساعدة تأتي لها، من جهة مصر، وأن حسني مبارك رهن إشارة المشاركة بجيشه في الحروب الأمريكية، كما اعتاد منذ التسعينات وحتي الآن، وأخيرا توظيف المجهود العسكري والأمني المصري في الحرب العالمية ضد الإرهاب ، أي ضد أي نزوع عربي وإسلامي نحو الاستقلال ورفض التبعية، وإشعال الفتنة بين المسلمين، سنة وشيعة. ومع ذلك لا يتوقف عن التصريح بمساندة الفلسطينيين ومساعدة العراقيين ودعم اللبنانيين. وهو يقصد عكس ذلك تماما للتغطية علي دوره ودور عائلته المكشوف.
بجانب جلب العار، أظهر المصريين بمظهر ناكري الجميل. ولو لديه قدر ضئيل، من الثقافة التاريخية وأبسط وعي بالأمن الوطني لمصر لأدرك أن ما من معركة دخلتها مصر، دون تأييد العرب ووقوفهم إلي جانبها، سياسيا وماليا وعسكريا وشعبيا ومعنويا.. ومن المآخذ التي يتداولها أهل الخليج في ديوانياتهم هو تحويل الدعم العربي، إلي دعم شخصي له ولعائلته، ولو صحت الشائعة المتداولة هناك، لكانت فضيحة من النوع الثقيل، ففي واحدة من زياراته لحاكم خليجي.. قدم له صكا بعدة ملايين، مساعدة لمصر، فوضعه في جيبه، قائلا هذا لأم علاء يا طويل العمر، وفهم الرجل المقصد فحرر له صكا آخر باسم أم علاء!!، وإن حجم ما حصلت عليه عائلته من شيوخ الخليج يتجاوز كل تصور، ومن هؤلاء من أغدق عليها إغداقا يفوق الوصف، حتي أن مشروعات الإسكان، التي أراد من ورائها الراحل الشيخ زايد بن سلطان، حل مشكلة السكن ذهبت إلي جيوب العائلة وجيوب المقربين منها.
ومن يكون ذلك همه لا يعرف عن العرب شيئا، ولا يعي أن الساحة اللبنانية كانت ساحة التفاعل والتصدي للمشروعات المشبوهة التي حيكت للمنطقة، وكان أبناؤها في مقدمة المدافعين عن الدور المصري ونصرته في مواجهة أعدائه.. ألم يكن هذا الرجل في سلاح الطيران عندما زودته ليبيا بطائرات الميراج، التي احتاجتها مصر استعدادا لحرب 1973؟ ألم يسمع عن موقف الجزائر من تأخر بعض صفقات السلاح، خاصة المدرعات؟ ألم يطلعه أحد علي دور الفلسطينيين مع الجيش المصري في عملياته الخاصة في أعماق سيناء، أيام حرب الاستنزاف وقبلها؟، والسودان الذي آوي سلاح الطيران وحماه، أو الكليات العسكرية، التي انتقلت إلي جبل الأولياء، ولا عن ليبيا، مرة أخري، وهي تستضيف السلاح البحري المصري في طبرق، ولن نتحدث عن العراق وسورية الشركاء الدائمين في أغلب الحروب التي خاضتها مصر.
وعلي المستوي الشعبي ألم يقاطع العمال العرب السفن الأمريكية؟ ردا علي الموقف الأمريكي من مقاطعة الباخرة كليوباترا في الموانئ الأمريكية، ألم يفجر العمال السوريون أنابيب النفط احتجاجا علي العدوان الثلاثي ضد مصر؟ لم ينس الجيل المخضرم موقف سليمان النابلسي، رئيس وزراء الأردن المؤيد لمصر في مواقفها من الأحلاف الاستعمارية، ولم يتأخر مواطن عربي حقيقي، في تونس أو المغرب أو غيرهما عن مناصرة المصريين في صراعهم الضاري ضد الهيمنة الغربية والاستيطان الصهيوني. وكذا السعودية، التي كانت مركز التآمر علي مصر، شارك ملوكها، في تعويض الدول العربية التي وقع عليها عدوان 1967 خسائرها، ومنها مصر. والكويت، قبل إصابتها بالسعار السياسي، ساهمت في ذلك هي الأخري، والملك السنوسي لم يتأخر.
لماذا يصبر المصريون علي نظام بهذه التدني، يعلي من شأن ما هو صهيوني واستعماري، ويحط من كل ما هو وطني وقومي وإسلامي. مصر أعطت وضحت، وأخذت ووجدت من يضحي معها. والعزاء هو في موقف المصريين الأصيل من لبنان وفلسطين والعراق، وعدم توانيهم في تقديم ما يستطيعون من عون وتأييد، وعزاؤنا الآخر هو في هذا الرفض الكامل لـ عائلة مبارك وكل ما تمثله ويمت لها بصلة!