الحرب على لبنان...مقامرة إسرائيلية خاسرة

د. عبد الوهاب المسيري

 

"أوري أفينيري"، داعية السلام الإسرائيلي، وعضو الكنيست السابق هو خير مراقب للمشهد الإسرائيلي. وحتى نعرف ما يحدث في الداخل الإسرائيلي سندعه يتحدث هذا الأسبوع في موقعه المتميز في مقال له بعنوان "في المرصاد: سوريا! أو: حرب صغيرة وجميلة" يصف النخبة الحاكمة الإسرائيلية "بأنها كالمقامر الخاسر: إنه لا يتوقف، يستمر في اللعب، لكي يربح مسترجعاً ما خسره. يواصل اللعب ويواصل، حتى يخسر كل شيء- مزرعته، زوجته، قميصه".

هذا ما يحدث أيضاً في أكبر رهان في العالم: الحرب. من يشن الحرب ويغرق في الوحل، يضطر إلى الغوص في الوحل أكثر فأكثر.

(
لقد قيل: من السهل شنّ الحرب، ولكن من الصعب حسمها. يبدو للحكومة أنها تسيطر على الحرب، ولكن الحقيقة هي أن الحرب هي التي تسيطر على الحكومة. لقد امتطت ظهر نمر، وأصبح يصعب عليها النزول عنه، فإن من شأنه أن يفترسها.

"
دان حالوتس، راعي هذه الحرب، كان يعتقد بأنه من الممكن الانتصار على "حزب الله" بواسطة سلاح الجو الأكثر تطوراً والأكثر نجاعة والأفضل في العالم. عدة أيام من القصف المكثف، آلاف الأطنان من القنابل على الأحياء، الطرقات، محطات توليد الكهرباء، الموانئ - وانتهى الأمر.

إذن لم ينته الأمر. صواريخ "حزب الله" واصلت سقوطها شمال إسرائيل، لقد سقطت المئات كل يوم. الجمهور يصرخ. لم يكن هناك بدا من تنفيذ عملية برية. في البداية، أدخلت وحدات خاصة صغيرة. وبعدها أدخلت الألوية، ولكن ذلك لم يساعد، وها هم الآن يطالبون بإدخال فرق كاملة.

في البداية كانت النية هي القضاء على مواقع "حزب الله" على امتداد الحدود. عندما رأوا أن هذا لن يكفي، قرروا احتلال التلال المطلة على الحدود. انتظرهم هناك مقاتلو "حزب الله" وألحقوا بهم خسائر فادحة. أما الصواريخ فواصلت سقوطها)

"
الجنرالات على قناعة الآن أنه لا بد من احتلال كل المنطقة حتى نهر الليطاني، على عمق 24 كيلومترا من الحدود، لكي يتم وقف إطلاق الصواريخ من هناك. وعندها سينتشر الجيش الإسرائيلي في منطقة كبيرة، وسيكون معرضاً لعمليات العصابات في كل مكان، من النوع الذي يمتاز به "حزب الله". الصواريخ ستواصل سقوطها.

"
إيهود أولمرت وعمير بيرتس لم يفكرا بذلك، قبل 17 يوماً، عندما اتخذا قرار مهاجمة حزب الله، بسرعة، دون تفكير، دون نقاش حقيقي، دون فحص البدائل، ودون أخذ المخاطر بعين الاعتبار. إن ما يثبت مدى إلحاح أولمرت وبيرتس على الخروج إلى هذه الحرب الصغيرة والجميلة هي حقيقة أنهما لم يفكرا أبداً بوضع تجهيزات الحماية في المدن الشمالية من إسرائيل والتأثيرات الاقتصادية والاجتماعية بعيدة المدى. المهم هو الإسراع في قطف أوراق الغار."

"
لم يكن لديهما الوقت الكافي للتفكير مليا بأهداف الحرب. إنهما يشبهان الآن رماة يطلقون سهامهم إلى لوحة فارغة ومن ثم يرسمون الدوائر حول الإصابة. الأهداف تتبدل كل يوم: القضاء على حزب الله، نزع سلاح حزب الله، إبعاد حزب الله عن جنوب لبنان، ولربما "إضعاف" حزب الله فقط. القضاء على نصر الله. إرجاع المختطفين. خلق حزام أمني جديد. بسط سيادة الحكومة اللبنانية على كافة مناطق الدولة. انتشار الجيش اللبناني و/أو قوى دولية على امتداد الحدود. إعادة تأهيل قوة الردع".

وبعد أسبوع كتب "أفنيري" مقالاً آخر بعنوان "طعنة من الخلف" يوم 8/8/2006 جاء فيه "حتى اليوم، اليوم الثاني والعشرين من الحرب، لم يتم إحراز أي هدف من أهدافها العسكرية التى حددتها القيادة السياسية. ذلك الجيش الذي انتصر على ثلاثة جيوش عربية كبيرة عام 1967، في ستة أيام، لم ينجح في التغلب على "منظمة إرهابية" في وقت فاق حتى الآن الوقت الذي استغرقته حرب أكتوبر. عندها نجح الجيش الإسرائيلي، في غضون ثلاثة أسابيع، في تحويل الخسارة الفادحة في بداية الحرب إلى انتصار عسكري واضح في نهايتها. وادعى الناطقون بلسان الجيش أمس بهدف خلق صورة من الإنجاز، أننا قد "نجحنا في قتل 200 (أو 300، أو 400، من ذا الذي يعد) من بين 1000 مقاتل من "حزب الله". إن الادعاء بأن حزب الله القوي لم يضم سوى 1000 مقاتل، يشهد على نفسه.

"
يروي المراسلون أن الرئيس بوش "محبط"، فالجيش الإسرائيلي "لم يزوّد البضاعة". لقد أرسله بوش إلى الجبهة القتالية إيماناً منه بأن هذا الجيش الهائل، المزود بأكثر الأسلحة الأميركية تطوراً "سينجز العمل" خلال عدة أيام. لقد كان من المتوقع أن يقضي على حزب الله وأن يقدم لبنان إلى الموالين للولايات المتحدة، أن يضعف إيران، وربما أن يفتح الطريق لإسقاط نظام الحكم في سوريا. ليس من العجب أن يغضب بوش".

ثم يحاول "أفنيري" تفسير سبب الإخفاق فيقول "مصدر هذه الإخفاقات هو الغطرسة الشديدة التي ترعرعنا عليها والتي هي جزء من طبيعتنا الوطنية. إنها تميز الجيش الإسرائيلي بقدر أكبر، وخاصة سلاح الجو.

"
طيلة سنوات كان يروي أحدنا للآخر أن لدينا أفضل جيوش العالم. لم نقنع أنفسنا فحسب، بل أقنعنا كذلك الرئيس بوش والعالم أجمع. فنحن قد أحرزنا نصراً باهراً في حرب يونيو 1967. لذلك، عندما لم نحرز نصراً ساحقاً بستة أيام هذه المرة، تعجّب الجميع. ماذا حدث؟

"
أحد الأهداف المعلنة للحرب هو إعادة تأهيل قوة ردع لدى الجيش الإسرائيلي. ولم ننجح في ذلك إلى حد بعيد."

"
إن الوجه الآخر لعملة الغطرسة هو الاحتقار العميق للعرب، حيث أدى هذا الوجه بالجيش الإسرائيلي إلى إخفاقات كبيرة في الماضي. يكفينا أن نذكر حرب أكتوبر. والآن يتعلم جنود الجيش الإسرائيلي، بأصعب الطرق" أن "المخربين" هم مقاتلون أشداء، وليسوا مدمنين على المخدرات الذين وعدوهم بالحوريات في الجنة."... "ولكن ناهيك عن الغطرسة والاستهتار بالخصم، هناك مشكلة عسكرية أساسية: ليس من الممكن إحراز النصر في حرب العصابات. لقد تعلمنا ذلك خلال 18 سنة من تواجدنا في جنوب لبنان. عندها استخلصنا العبر وانسحبنا، بلا عقل، بلا اتفاقية، ومن دون التحدث مع الطرف الآخر، فنحن لا نتفاوض مع "مخربين"- حتى وإن كانوا الحركة المسيطرة على الميدان. ورغم ذلك انسحبنا".

"
لا يعلم سوى الشيطان من ذا الذي منح الجنرالات اليوم هذه الثقة بالنفس التي لا ترتكز على أساس متين، وقال لهم بأنهم سينتصرون في المكان الذي فشل فيه سابقوهم فشلاً ذريعاً". والأهم من ذلك كله: حتى أفضل جيوش العالم لا يمكنه أن ينتصر في حرب ليس لها أهداف واضحة. قال كارل فون-كلاوسفيتش، وهو أبو النظريات الحربية، إن الحرب ليست إلا "استمراراً للسياسة بوسائل مختلفة". أولمرت وبيرتس، هاويان لا غير، قد قلبا الأمور رأسا على عقب: "الحرب هي انعدام السياسة بوسائل مختلفة".

"
وبعد انتهاء الحرب، سنقف في نفس المكان تقريباً الذي وقفنا فيه قبل بدء هذه المجازفة البائسة، قبل قتل ما يعادل ألف لبناني وإسرائيلي، قبل طرد أكثر من مليون إسرائيلي ولبناني من بيوتهم، قبل هدم أكثر من ألف بيت لدى الطرفين.

لكي نسلك طريقاً جديدة، طريق هي وحدها القادرة على حل المشكلة: محادثات وسلام مع الفلسطينيين، مع اللبنانيين، مع السوريين. نعم بالتأكيد: مع حماس وحزب الله. وليس لنا أن ننسى الأسرى.لأن السلام يُصنع بين الأعداء".

والله أعلم.