للأزمة وجوه أخرى

فهمي هويدي    السفير

 

الأزمة أوسع نطاقاً مما نتصور. فإذا كانت هناك حكومات قد خذلتنا في موقفها من الانقضاض الاسرائيلي على لبنان، فإن منظمات المجتمع المدني نافستها في التقاعس والخذلان، وهو ما يعني أن داء <الوهن> حين زحف على الجسم فإنه ضرب الرأس والأطراف، حتى بات أملنا معقودا على <أخمص القدمين>.
لا أخفي أنني صرت أتوجس وأستريب في تواتر استخدام مصطلحات وعبارات الإدانة والشجب والاستنكار، والتحذير من خطورة الموقف، وتكثيف الاتصالات لاحتواء الأزمة.. إلى غير ذلك من تجليات الهروب في الكلمات، التي أصبحت قناعا للتقاعس عن الفعل. صحيح أن الفعل المطلوب في الحالة التي نحن بصددها ينبغي أن يسبقه غضب يتعين التعبير عنه بالكلمات، لكن ما أعنيه هو ابتذال الغضب وتحويله إلى قضية لغوية، يتنافس المتقاعسون في صياغتها باقوى العبارات، التي يراد لها أن تكون بديلا عن الفعل، أو توهم بأنها أداء للواجب وشروع في الفعل.
أدري أن ثمة موقفاً كارثياً في العالم العربي، لم يجرؤ أصحابه في مناسبات عدة حتى على النطق بمفردات الادانة والاستنكار في مواجهة بشاعة الممارسات الاميركية بوجه أخص، إلا أن تلك حالة قصوى في مراتب العجز والانحطاط (هل نقول الاخصاء؟) السياسي، لا يرجى منها أمل في أي فعل. وهو موقف لا ينبغي القياس عليه، وقد يحتاج إلى دراسة منفصلة.
لا أظن أن الموضوع الذي أتحدث عنه يحتاج إلى تحرير. اذ كلنا نعيشه بدرجة أو أخرى. ذلك أن الصواريخ الاميركية التي يطلقها الاسرائيليون بواسطة الطائرات الاميركية اذا كانت قد استهدفت لبنان وغزة، فإن شظاياها أصابت كل قلب عربي أو مسلم، بل كل إنسان لم يمت لديه صوت الضمير. من هذه الزاوية، فإنني أضم إلى شهداء العدوان الاجرامي ذلك المدرّس التونسي ابن بلده <قفصه> التي تقع في جنوب البلاد، الذي ما إن شاهد الصور البشعة التي بثها التلفزيون لضحايا مذبحة قانا حتى أصيب بأزمة قلبية أودت بحياته. (الخبر نقلته وكالة الانباء الفرنسية في 2/8 الحالي).
في مواجهة خطر من ذاك القبيل، ثمة صور متعددة للفعل المرتجى، بعضها تنهض به الحكومات، والبعض الآخر تسهم به الشعوب من خلال قواها الحية. فالحكومات العربية مثلا تملك أوراقا وخيارات عدة، حدها الاقصى يتمثل في المشاركة في القتال إعمالا لاتفاقية الدفاع المشترك. ثم ان هناك خيارات اخرى من قبيل ممارسة الضغط السياسي والدبلوماسي في المحافل الدولية وإعلان المقاطعة الاقتصادية مع تجميد العلاقات وسحب السفراء إن وجدوا (فعلها الرئيس الفنزويلي هوغو شافيز أكثر الله من أمثاله نيابة عنا!). من تلك الخيارات ايضا ممارسة الضغط الاقتصادي سواء بوقف ضخ النفط أو سحب الارصدة والودائع في بنوك الدول المشاركة في العدوان، أو التحول من الدولار إلى اليورو في المعاملات المالية...الخ.
لم يحدث شيء من ذلك كله، حيث استبعد الحد الاقصى لأسباب ربما كانت مفهومة، كما استبعدت الخيارات الاخرى لأسباب غير مقنعة وغير مفهومة، الأمر الذي حصر رد الفعل الرسمي العربي في نطاق الاقوال لا الافعال، وهو ما استقبل بدرجات متفاوتة من التنديد والاستهجان. غير أن موقف منظمات المجتمع المدني التي تقاعست بدورها عن أي فعل جاد، ظل مسكوتاً عليه، رغم أنه يستحق أكثر من التنديد والاستهجان، على الاقل لأن تلك المنظمات تملك خيارات أوسع بكثير مما هو متوافر للحكومات.
اذا سألتني ماذا بوسع منظمات المجتمع المدني أن تفعل، فردي أنها باعتبارها كيانات أهلية طوعية، تعبر عن أشواق الناس وتنمي روح المشاركة والتضامن بينهم، يفترض أن تقوم بدور في تحريك المجتمع وتعبئته لأجل النهوض به والدفاع عن مصالحه.
تحت هذه العناوين هناك العديد من المهام والتكاليف، التي يمثل التطوع الى جانب المقاومة حدها الاقصى، في حين يمثل الدعاء لرجالها بالثبات والفوز حدها الأدنى. والمسافة بين هاتين المرتبتين تتسع لقائمة طويلة من المهام، من بينها الدعم المالي والمقاطعة الشاملة على الصعيدين الاقتصادي والثقافي، والاحتجاج بالتظاهر والاعتصام خصوصا أمام السفارات المتواطئة في العدوان، ومطالبة الحكومات وكل المؤسسات بقطع علاقاتها مع اسرائيل، واستخدام وسائل الاتصال الحديثة في فضح جرائم العدوان وتعميم وقائعها البشعة على العالم..الخ (للعلم: ثمة موقع اسرائيلي على شبكة الانترنت باسم ايش (معناها الثأر) أطلق في 27/7 قائمة تضمنت الاعلان عن 54 طريقة لنصرة اسرائيل، استخدمها نشطاء مصريون لنصرة حماس وحزب الله، كما ذكر موقع اسلام أون لاين). اذا تساءلنا: ما هو الدور الفعال الذي قامت به منظمات المجتمع المدني في مواجهة العدوان، فردي على السؤال كالتالي: اذا استثنينا جهوداً استثنائية مثل التي قام بها وفد اتحاد الاطباء العرب في بيروت، أو ما قام به بعض الغيورين في مجال الاغاثة، فلعلي لا أبالغ اذا قلت ان تلك المنظمات حققت فشلا ذريعا في القيام بأي فعل جاد يترجم الشعور الشعبي الجارف المستنفر ضد العدوان والمتضامن مع اللبنانيين والفلسطينيين. ذلك أن مواقف الاغلبية الساحقة من تلك المنظمات في أحسن فروضها ظلت تتحرك في دائرة الاقوال دون الافعال لماذا؟ عندي في تفسير ذلك عدة أسباب في مقدمتها ما يلي:
? إن تلك المنظمات التي نراها على سطح المجتمع العربي مجرد كيانات نخبوية، لا جذور لها ولا امتداد في الشارع العربي. ان شئت فقل انها مجرد رؤوس لا قوام لها ولا أجسام.
? إن الاغلبية الساحقة من تلك المنظمات تعتمد على التمويل الاجنبي، الاميركي والاوروبي. والممولون لم يقصدوا وجه الله بما يقدمونه، ولكن لهم حسابات ومصالح و<أجندة> خاصة، ليس من بينها بطبيعة الحال دعم المقاومة والانتصار لها. والمنظمات الحريصة على استمرار التمويل لا بد أن تراعي ذلك الاعتبار.
? لأنها لم تخرج من رحم المجتمع، وانما اكتسبت شرعيتها من إجازة السلطة لها، فإن بعض تلك المنظمات راعت حذر الحكومات في تعاطيها مع الملف، ولم تشأ أن تبتعد عن الخط الرسمي، حتى لا تخسر رضى الحكومات. آية ذلك مثلا أن عضواً بارزاً بأحد مجالس حقوق الانسان في مصر انفعل بالمشهد، فأعد في وقت مبكر بيان إدانة للعدوان الإسرائيلي على لبنان، ولكن رئيس المجلس فضل عدم إصدار البيان، لأنه بدا متجاوزاً لسقف الموقف الرسمي وقتذاك.
? لأن أغلب القائمين على تلك المنظمات من الماركسيين السابقين أو من أصحاب التوجه العلماني، الذين لهم حساباتهم الأيدلوجية المخاصمة للتوجه الإسلامي، فإن هذه الخلفية أفقدتهم الحماسة للانتصار للمقاومة في لبنان وفلسطين، حتى لا يسهم ذلك في تعزيز موقف حزب الله وحركة حماس. وهو موقف اتسم بقصر النظر وضيق الأفق، لم يختلف في شيء عما فعله نظائرهم من المتدينين، الذين دعوا إلى بطلان نصرة المقاومة اللبنانية، بحجة أن عناصرها من <الشيعة الرافضة>!!
إذا أحجمت الحكومات عن الفعل، فلماذا لا يتقدم المجتمع ويتحمل مسؤوليته. لماذا لا نشهر نحن سلاح المقاطعة الاقتصادية والثقافية في وجه المعتدين، لكي نبعث إليهم برسالة موجعة مسكونة بالاحتجاج والغضب. وإذا كان بعض الأميركيين قد طالبوا بمقاطعة أنواع الاجبان والنبيذ المصنعة في فرنسا، لمجرد أنها عارضت في البداية فكرة غزو العراق التي أصرت عليها واشنطن، فلا أقل ونحن نشهد قتل شعبنا أن ندعو إلى مقاطعة القتلة ومن لف لفهم. هكذا قلت لبعض الناشطين المصريين، مضيفاً أن المسألة تحتاج إلى دراسة تتخير مجالات وسلعاً بذاتها توصل الرسالة، لكنني أتحدث عن الفكرة، التي طبقت بنجاح في مسألة الرسوم الدنماركية التي أهانت نبي الإسلام.
لا تفوتني في هذا الصدد ملاحظة أن درجة الغضب الشعبي في العالم العربي والإسلامي بسبب الاعتداء على كرامة النبي عليه الصلاة والسلام كانت أعلى منها في حالة الاعتداء على كرامة البشر في لبنان وفلسطين. وهي ملاحظة تكشف عن وجه آخر لأزمتنا، يضيف القصور في الوعي الديني، إلى جانب الفتور والعجز. اللذين رصدناهما بحق منظمات المجتمع المدني.
أعني بالقصور في الوعي ذلك التهوين من شأن كرامة الإنسان، عند المتدينين، الذين حصروا الغيرة والقداسة في نطاق القيم العقيدية والأخلاقية دون غيرها، في حين أن المرجعية الإسلامية أعلت كثيراً من شأن كرامة البشر، حتى ان الآية (217) في سورة <البقرة> التي حرّمت القتال في الشهر الحرام، استثنت حالة قهر المسلمين بإخراجهم من ديارهم، واعتبرتها موجبة للقتال، لأن كرامة المسلمين أعلى مقاماً عند الله من كرامة ذلك الشهر.
عبر عن المعنى ذاته القول المأثور عن النبي عليه الصلاة والسلام في هجرته من مكة للمدينة، حين نظر إلى الكعبة ونقل عنه قوله إن دم المسلم أعظم درجة عند الله منك.
إن مشاعر الحماسة الجياشة التي تعمل في الشارع العربي إذا لم تستثمر في أوعية للفعل البناء، فإنها قد تجد تصريفها في ردود أفعال كثيرة غير محسوبة.
(?) كاتب مصري