لبنان يقاوم وإسرائيل تنتقم

كلوفيس مقصود: النهار 6/8/2006

نحن في صميم دوامة تتقاذفنا في شكل مستمر، لا تجيز وقفة للاستشراف او لاطفاء النار. انها دوامة ذات بعدين: خوف يعترينا وانعتاق من الخوف. فالخوف يدفعنا الى التمسك بثقافة البقاء، والانعتاق منه يجعلنا نندفع نحو التصدي. تستتبع هذا المزيج من المشاعر، رغبة ملحة في الاندماج بالمقاومة، كأن "حزب الله" خرج من كونه حزبا وبات حالة نفسية للشعب اللبناني، وهذا بدوره يفسّر ظاهرة التصميم على الاحتضان من جهة، وتقلّص لا الغاء وتيرة المساءلة والمحاسبة من جهة أخرى.
ان محاولة النفاذ الى هذه المعضلة تشير الى ارث الدمار والخسائر البشرية والمعاناة الناتجة من تفاقم الحالة الانسانية، وهو ما يُنظر اليه على انه افقد لبنان فرصاً واعدة للاستمرار في عملية الاعمار والبناء والتنمية واستعادة دوره كمنارة، واتاح في الوقت نفسه فرصة لتصبح المقاومة اللبنانية إرثا من الكرامة والتنظيم والوضوح والتصدي، الامر الذي عجزت عنه انظمة عربية فاقدة لاستقلالية الارادة، كأن اهتراء حصل في صلب كياناتها، مما يفسر توجه شعوبها تلقائيا الى جعل المقاومة اللبنانية بوصلة لحيويتها المكبوتة واضاءة وسط ظلام الاحباط السائد. لذا، الاحتضان النامي تجاوز مرحلياً الرغبة في المساءلة، وصار الامر مقاومة وصمودا ودمارا وتحملا للعذاب.
ان هذا المزيج سوف يبقى احتضاناً دافئا للمقاومة واعجابا صادقا بما قامت به وافتخاراً باستعادة لبنان دورا عربيا مجليا، وكل ذلك دون ان يتخلى عن حق كل فئاته بالمشاركة في صنع القرارات المصيرية المتعلقة ببناء السلام بعد ان تكون عملية حفظ السلام قد اكتملت بموجب مقتضيات السيادة والاستقلال والمطالب اللبنانية الشرعية التي ينطوي معظمها على ما أجمعت عليه الحكومة اللبنانية.
لقد اشرنا الى الوضع الذي افرزته المقاومة ورجّح الاحتضان على التذمّر، وان نكن نتفهم دوافع هذا التذمّر.
ان ما اظهرته هذه الحرب المجنونة التي شنتها اسرائيل على لبنان منذ 12 تموز وقبل ذلك هو اننا كلنا نشترك في نقمة عارمة. فالنقمة اللبنانية المشروعة على اسرائيل افرزت مقاومة، اما نقمة اسرائيل على لبنان وعلى العرب اجمالا وفلسطين خصوصا فأفرزت انتقاما. الموضوع في هذه الحرب ان لبنان يقاوم ويعلن لماذا يقاوم، في حين ان اسرائيل تثأر وتنتقم ولا تعلن حقيقة دوافعها. المقاومة تلتزم صدقية النص في ما تقوله وما تعلنه، في حين ان الاسرائيلي المنتقم يخفي دوافعه الثأرية ويتعمّد التشويه والكذب ويعلن ما لا يضمر. المقاومة تعمل على استعادة حقوق، والانتقام يعمل على التدمير الشامل والابادة. المقاومة تفترض استقامة المعادلة بعد الانتصار، والانتقام الاسرائيلي يفتعل محرقة في لبنان وفلسطين بالتقسيط. المقاومة الشرعية تستدعي انبل القيم في حين ان المنتقم الاسرائيلي يمارس تلقائياً جرائم حرب ويستدعي غرائز البطش.
امام هذه المقابلة بين المقاومة اللبنانية والفلسطينية ايضاً - والانتقام المطبوع بشراسة فائقة واحتراف العنف أداة وحيدة للقمع والعقاب الجماعي واللاكتراث لمصير ضحايا ثأر اسرائيل، كان يجب استنفار طاقات الأمة، لا مجرد غضب شعوبها، الا ان تعامل النظام العربي غلبت عليه علامات الاهتراء والجاهلية التي تعرّف عن نفسها بالواقعية. نعم، هذا العار الذي اجاز الانطواء عن فرض كلفة على اسرائيل كقطع العلاقات الديبلوماسية معها، مهّد للمقاومة ان تصبح اكثر نجاعة وجذباً لشعوب الأمة، وبالتالي للقيمين على انظمة حاكمة خارج التاريخ، وخصوصاً أن معظمها لم يكن يهتم او لم يكن، قادراً على الاسهام في صنعه.
أوليست فارقة ان جبروت القوة العسكرية الاميركية إثر غزوها العراق أدى الى تفتيت نسيجه الوطني والى اشعال ما اقرت به القيادة العسكرية، وهو ما "يقارب حرباً اهلية"، في حين ان مقاومة "حماس" و"حزب الله" في تناغمهما وشرف وحدتهما واحتضان الشعب للمقاومة في لبنان، كل ذلك محاولة للتفريق بين المسلمين والمسيحيين. ان المناعة التي تولّدها المقاومة الهادفة الى التحرير والعدالة، هي الضامن للوحدة الوطنية والقومية ازاء خطط التفريق والتفتيت التي يقوم بها الانتقاميون.
أوليست مفارقة عجيبة ان الانتقام الاسرائيلي لديه اكبر ترسانة عسكرية متقدمة في خدمة عقيدة متخلفة، كما كان الاستعمار ونظم الفصل العنصري؟ الا انه في نهاية الامر جاءت نهاية الاستعمار ونظام الفصل العنصري.
وكما نجد اليوم ان الانحسار المتواصل لشعبية الرئيس جورج بوش و"ابنه" السياسي طوني بلير كان نتيجة معارضة الشعب العراقي، هكذا نتصور ان استمرار صمود المقاومة في فلسطين ولبنان من شأنه ان يدفعا الكثير من يهود العالم الى ان يتمرّدوا على صهاينتهم الذين زوّروا دينهم وتجاربهم الروحية، كما ان ممارسات اسرائيل في مذابح قانا والقاع بالامس جعلت من احفاد ضحايا المحرقة ينفذون بحق شعبي لبنان وفلسطين "محرقة بالتقسيط".
بازاء هذا المشهد المثير، نجد ان الولايات المتحدة، المرتبكة في العراق والتي تفتّش عن تعويض لها، تلجأ الى المراوغة لتعطّل وقفاً فورياً لاطلاق النار، كأن الانتصار المستحيل لاسرائيل هو ما يثأر لها في سقوط مشروعي الشرق الاوسط الكبير والجديد.
والاغرب من ذلك كله ان ثمة احتجاجاً على "الصمت العربي" للانظمة، لعل هذا الصمت هو في نهاية الامر خدمة غير مقصودة للمقاومة، لان ما قد تقوله الانظمة الآن قد يلعثم الخطاب الواضح للمقاومة!