على سوريا أن تحترم سيادة لبنان على

هامش العدوان الدموي الصهيوأمريكي على الأمة

الدكتور عزت السيد أحمد

 

لو أردنا أن نعلِّق على الخطابات التي يدلي بها الرؤساء الأمريكيون وخاصَّة منهم جورج بوش الثاني أَو الصغير كما يلقب، والمسؤولون الأمريكيون عامَّة وخاصَّة منهم رامسفيلد ووريثه في هذا الشأن كونداليزا رايس، لوجدنا في كلِّ خطاب وتصريح ما يلهم بكثير من المقالات الساخرة والتعليقات الطويلة والاستنتاجات الخطيرة. وهذا أمر يصعب على متتبع واحدٍ.

اليوم الحادي والثلاثون من تموز 2006م خطب الرئيس الأمريكي في فلوريدا خطاباً انطوى على الكثير مما يستحقُّ التعليق ويقدِّم نتائج كثيرة خطيرة. أقف في هذا المقال عند نقطة وفي غيره عند غيرها.

كان مما استهلَّ به خطابه هجومه على سوريا وقوله: على سوريا أن تحترم سيادة لبنان. هذه العبارة ليست جديدة على لسان بوش الصَّغير، ولا هي بالجديدة على ألسنة المسؤولين الأمريكيين. فمنذ احتلال العراق وإسقاط جبهة ممانعة قويَّة تحولت الجهود الأمريكية إلى سوريا ولم يتوقف المسؤولون الأمريكيون عن تهديد سوريا واتهامها الاتِّهامات المختلفة المرتبط بالمرحلة، فطيلة الفترة الأولى من سقوط بغداد واشتعال المقاومة العراقيَّة كانت الاتِّهامات هي دعم المقاومة العراقيَّة وتهريب الأسلحة إلى العراق وإيواء الإرهابيين (المقاومين)....

الخطوة التَّالية بدأت مع التَّوجُّه إلى الجبهة اللبنانيَّة والقرار 1559 ومنذ ذلك الحين والعبارة التي لا يمرُّ يوم من دون تكرارها هي: يجب أن يخرج الاحتلال السوري من لبنان، على سوريا ألا تتدخل في السيادة اللبنانيَّة، على سوريا أن تحترم سيادة لبنان...

ثَمَّةَ الكثير مما يجب أن يناقش هنا في هذه العبارات ذات البعد الدلالي الواحد. ناقشناها إلى حدٍّ ما في كتابنا لبنان والمشروع الأمريكي، ولذلك سنكتفي هنا بالتلويح فقط. ما لا يجوز تجاوزه هنا هو أنَّ سوريا الشقيقة للبنان عوملت معاملة العدو فيما إسرائيل التي تحتل جزءاً من لبنان عوملت معاملة الصديق بل معاملة صاحب الحق في الأرض التي يحتلها من لبنان، ولا أتحدث عن فلسطين. المجتمع الدولي وعلى رأسه أمريكا وجدت في الوجود الشرعي السوري في لبنان احتلالاً فيا الاحتلال الصهيوني لم ينظر إليه أحد على أَنَّهُ احتلال، ولم يذكره أحد حَتَّى قادة الانقلاب في لبنان.

أما بشأن احترم السيادة اللبنانيَّة وهو هنا بيت القصيد فهو ذو شقين، الشق الأول ما كان إبان اغتيال الحريري الذي كان مدخلاً للأزمة حينها وللعدوان اليوم، والثاني في هذا اليوم وما دعا إليه هذا التصريح.

في فترة رفع شعارات على سوريا احترام السيادة اللبنانيَّة وعدم التدخل فيها، وباختصار أقول، توجهت كلُّ الضغوط لرفع الوصاية السورية عن لبنان، ولبنان بلد شقيق لسوريا ولا ينكر ذلك إلا ناقص عقل أَو عديمه. ولكن في الوقت ذاته الذي تضافرت فيه الجهود الأمريكية الفرنسية الصهيونيَّة لإخراج سوريا من لبنان ورفع وصايتها عنها كان التدخل في السيادة اللبنانيَّة واختراقها وعدم احترامها قائماً على قدم وساق من كلِّ مَن هبَّ ودب، من كبير وصغير، وكلهم ممن هم تاريخيًّا أعداء لبنان وأعداء العرب. فكم هو ساخر هذا التاريخ الذي يجعل من تدخل العدو حقًّا شرعيًّا وتدخل الصديق بل الأخ اعتداءً على السيادة واختراقاً لها!!

على أيِّ حال دعونا نقل إنَّ ما مضى كلُّه كان فيه من التوتر والتآمر اللبناني ما جعل من رفع هذه الشعارات ما يقبل في ظرفه الزمني والنفسي أمراً يمكن فهمه أَو تفهمه، كونه نتيجة اغتيال الحريري التي قادها المال السياسي لتكون أهم من اغتيال عمر ابن الخطاب أَو علي بن أبي طالب أَو رُبَّمَا أهمَّ من موت النبي r ذاته. ولكن على أيِّ حال لا يمكن إلا أن نشير، وقد أشرنا غير مرة منذ اغتيال الحريري، إلى أنَّ اغتيال الحريري هو مفتاح لمرحلة قادمة، وجاءت هذه المرحلة اليوم في وجه من أوجهها وهو العدوان الإسرائيلي الدَّموي الهمجي على لبنان بمصادقة من المجتمع الدولي وقادة العرب ذاتهم، وإشراف أمريكي مباشر، حَتَّى بات من المتعذَّر القبول بأن الحرب ليست حرب الولايات المتحدة وإن كان الجيش الصهيوني هو الذي يشنها. ولذلك دعونا نشر هنا حَتَّى لا نعود إلى ذلك ثانية، إلى أنَّ هذه الحرب جزء من مخططٍ قديم وليست ردَّ فعل على شيء على الإطلاق.

منذ الثاني عشر من تموز عام 2006م بدأ الكيان الصهيوني بشن حربه العدوانيَّة الدمويَّة الهمجيَّة على لبنان مستخدماً كلَّ أنواع الأسلحة المحللة والمحرمة والممنوعة، واستهدف كلَّ شيء في لبنان؛ كلَّ شيءٍ بلا استثناء، ونجح نجاحاً باهراً في تدمير كلِّ شيءٍ؛ لم يبق حجراً على حجر، ولا ورقاً على شجر، وببراعة منقطعة النظير أقام المجازر التي لا ينجو منها إلا من أراد الله أن ينجيه؛ عشرات القتلى من الأطفال، ومثلهم من النساء والرجال والعجزة. وكلهم من المدنيين. وكذلك كان بارعاً براعة منقطعة النظير في قصف سيارات الإسعاف والمشافي ومستودعات الأدوية والأغذية... كانوا في كلِّ ذلك بارعين براعة يحسدون عليها حقيقة.

وترافق مع ذلك كله جهود أمريكيَّة مكثفة لإخضاع لبنان لشروط مذلة، ولم تنفك مع الكيان الصهيوني والأمم الأوروبيَّة عامَّة عن اختراق السِّيادة اللبنانيَّة من كلِّ زاويةٍ وجانبٍ... وقد تقطعت كلُّ سبل التواصل بَيْنَ سوريا ولبنان، حَتَّى منعت سوريا من إدخال المساعدات الطبيَّة والغذائيَّة للمهجرين والمشردين جرَّاء الاعتداء الصهيوني... وبعد ذلك كلِّه يطلع علينا بوش الصغير اليوم قائلاً: على سوريا أن تحترم السيادة اللبنانيَّة، وكأن سوريا هي التي تنتهك السيادة اللبنانيَّة وكلُّ الدول التي تخترقها وتعتدي عليها وتتستر على العدوان هي التي تحمي السيادة اللبنانيَّة. ومصيبتنا الكبرى في كلِّ ذلك أنَّ كلَّ شيء واضحٌ وضوح الشَّمس في رابعة النهار، وليس فيه ما يقبل التأويل، ولا فيه ما يحتاج إلى الشَّرح أَو التَّفصيل.

فهل بعد ذلك تجاوز لقوانين العقل والمنطق؟

وهل بعد ذلك تحطيم للبداهات أكثر؟

وهل بعد ذلك احتقار للعقل أكثر؟