عودة رايس: زيارة وهرولة

كلوفيس مقصود النهار

 

عودة وزيرة الخارجية الاميركية كوندوليزا رايس الى اسرائيل ولبنان هي مزيج بين زيارة وهرولة، فمن جهة تريد ادارة الرئيس جورج بوش طمأنة اسرائيل الى ان الحاح اوروبا، ولاسيما الرئيس الفرنسي جاك شيراك على وقف فوري للنار لن يجدي. ومن جهة اخرى كانت رايس تداركت تنصل العديد من المشاركين في مؤتمر روما من الفهم الاسرائيلي للبيان الختامي للمؤتمر في ما يتعلق بوقف فوري للنار، اذ جعلت البيان ينص على بذل مسعى فوري لوقف النار. وكانت زادت قلق اسرائيل دعوة الامم المتحدة الى وقف فوري للنار لمدة 72 ساعة لدواع انسانية عاجلة، وجميع هذه العناصر، اضافة الى كون هذا البند اولوية لحكومة الرئيس فؤاد السنيورة، أدت الى تطويق معنوي اخلاقي شديد الوقع على اسرائيل، مما استوجب طمأنة اميركية لها لكون ادارة بوش تشارك اسرائيل في الرؤية الى ان شراء الوقت لاسرائيل لا يزال قائماً. وهذا هو الداعي الى الزيارة.
اما الهرولة المتسرعة فناتجة من ان استمرار المقاومة اكثر من اسبوعين يعني حتماً ان اسرائيل لن تنتصر وبالتالي ان المقاومة لم تهزم. وهذه المعادلة تتعارض مع الهدف الاميركي الساعي الى رجحان حسم عسكري لمصلحة اسرائيل، وهي تعطل المشروع المسمى "الشرق الاوسط الجديد" الذي تعمل له الوزيرة رايس، وبالتالي تعرقل استكمال صيرورته بما يوفر لادارة بوش تعويضاً عملياً لاضعاف مشروعها لقيام "شرق اوسط كبير" نتيجة لتجربتها المتعثرة في العراق. وكأنه كان يراد للبنان ان يكون تعويضاً ما لاخفاق المغامرة الاميركية في العراق.
ثم ان زيارة رايس الممزوجة ببعد الهرولة جاء عقب تعديلات، بعضها جذري، في مواقف الدول العربية التي اعتبرت ان ما قام به "حزب الله" هو "مغامرة" تحت وطأة ضغوط الرأي العام العربي او ما يسمى الشارع العربي وفي العالم الاسلامي، وما اظهرته المقاومة من قدرة على الحاق خسائر لطالما غابت أو غيبت عن قدرة العديد من الانظمة العربية. كما ان هذه المقدرة بدورها تسببت ببدايات اعادة نظر حتى داخل الحزب الجمهوري، عبّر عنها بوضوح السيناتور هايغل الذي تصدى لسياسات بوش "الشرق الاوسطية" ودعا الى البحث مع سوريا وايران في الحلول والتوجه المباشر لانهاء الصراع العربي الاسرائيلي. وتزايدت المطالبة باشراك سوريا وايران من الكثير من المعلقين وصانعي الرأي، وخصوصاً ان فرنسا مثلاً لا تعتبر "حزب الله" حزباً "ارهابياً" نقيض نظرة كل من الولايات المتحدة وبريطانيا واسرائيل اليه.
كما ان رايس ستحاول في زيارتها للبنان معالجة التباين الواضح مع موقف فرنسا، والى حد ما الموقف الاوروبي عموماً، ليس في ما يتعلق بالموقف من وقف النار، بل بسبل التعامل مع بعض بنود قرار مجلس الامن رقم 1559 ومن ثم تطبيق هذه البنود. وهذا التباين واضح في كون الموقف الاميركي يدعو الى التعامل مع "حزب الله" بصفته منظمة ارهابية في حين ان الموقف الاوروبي والى حد ما الدولي يريد الاحتفاط بهامش من المرونة يمكّن الحكومة اللبنانية واركان الحوار الوطني عند معاودته من التعامل مع "حزب الله" كفئة رئيسية في الجسم الوطني اللبناني.
التباين بين محور بوش ورئيس الحكومة البريطانية طوني بلير، ومحور شيراك والمجموعة الاوروبية يكمن في هذا المفصل اعلمركزي الذي سيكون في صورة مباشرة او غير مباشرة، معلنة او غير معلنة، لبّ اي محادثات قد تقوم بين الوزيرة رايس والمسؤولين اللبنانيين. لذا ستحاول رايس في لبنان اقناع الحكم بإزالة هذا الهامش من المرونة الذي ساد الحوار الوطني منذ تبني القرار 1559، لان الولايات المتحدة تعتقد ان ازالة الهامش المذكور من شأنه توفير "الاستقرار". ومعروف ما ينطوي عليه هذا المفهوم للاستقرار من اخطار على الوحدة الوطنية. وتراهن الوزيرة الاميركية في هذا الصدد على ما بقي من رواسب الاستياء الذي طمسته همجية الضربات الاسرائيلية على المرافق والبنى التحتية وشراسة تعمد قتل المدنيين. كما ان التلاحم الرائع بين من فتحوا بيوتهم ومن دمرت بيوتهم دل على ان ما يجمع بين اللبنانيين ارسخ واعمق بكثير مما تبرزه التركيبة الطائفية. ثم ان زيارة الوزيرة الاميركية للبنان تصطدم بالمرونة التي تبديها المقاومة في اشاراتها المتكررة الى الانفتاح على من عارض واعترض على المبادرة التي اتخذها الحزب لاخراج السجناء اللبنانيين من السجون الاسرائيلية.
كما ان زيارة رايس هذه المرة تجيء عشية انعقاد مجلس الامن لاتخاذ قرار يتعلق بالازمة القائمة ورغبتها في ان تكون المعالجة وبالتالي القرار الصادر بموجب الفصل السابع، وهي سوف تحاول ان يكون هذا القرار مقبولا لبنانيا. وبما ان هذه الزيارة تتزامن مع قرار للمجلس يتعلق بتخصيب الاورانيوم في ايران وما ينطوي عليه من انذار لها، فان الوزيرة رايس تريد تسويق القرار المتعلق بايران كحافز للمسؤولين اللبنانيين لئلا يتوجسوا من مشروع اميركي يلغي هامش المرونة الذي تتطلبه الوحدة الوطنية اللبنانية.
يتضح الان ان مفهوم "الفوضى الخلّاقة" هو قاعدة الشرق الاوسط الجديد، وبالتالي في حال حصول الفوضى المطلوبة يمكن تفكيك اي علاقة بين جرائم اسرائيل في فلسطين المحتلة وما يحصل من فوضى مبرمجة في العراق الجريح.
الا تستحق هذه التحديات المتفاقمة استنفارا عاجلا من كل العرب ليس لاعادة اعمار لبنان وفلسطين والعراق فحسب، بل كي نستطيع جميعاً الإبحار وسط هذه الاعاصير العاتية فتوفر الامن لأوطاننا والطمأنينة لشعوبنا والتنمية المستدامة لمجتمعاتنا.
من هذا المنظور علينا ان ننظم نقمتنا المشروعة على الاملاء والعدوان والهدم المادي والروحي والظلم اللاحق بحقوقنا حتى نبقى بمنأى عن تحول النقمة عمليات ثأرية تبعثر حيويتنا وتضعف مناعتنا وتجعلنا مأخوذين بعمليات ثأرية متقطعة، في حين أن النقمة تفترض مرجعية موثوقاً بها ودقة في التحليل واستيعاباً للمتغيرات ولتطورات موازين القوى، والا نعرض شعوبنا الناقمة للقبول بنتائج متقطعة ومن ثم بإحباطات متلاحقة. فالمقاومة هي نقيض الانتقام لأنها تريد جعل الانجاز للوطن وللشعب حرية وانماء ونهضة حضارية.
ان المآسي التي نشاهدها والاوجاع التي نعانيها جميعاً سوف تكون حافزاً لاستنفار الوجدان العالمي الذي عبرت عنه جميع المنظمات الانسانية التي طالبت بوقف للنار لمدة 72 ساعة ورفضته اسرائيل بصفاقة تدل على عمق النزعة الثأرية الكامنة في صلب عنصريتها.
والأهم اليوم ان المطالبة بوقف فوري للنار هي اولاً مؤشر الى انسانية المطالبين، اما الرافضون فهي دليل على انعدام الشعور الانساني لديهم.
اما من يطالبون بوقف للنار مع وقف التنفيذ فماذا يمكن تصنيفهم؟