تداعيات احتلال العراق على لبنان

طارق الدليمي   السفير

 

في العام 1996 رفع العديد من المحافظين الجدد، ومن بينهم ريتشارد بيرل ودوغلاس فيث وديفيد وورمسر، مذكرة خاصة كانت خلاصتها التركيز على مخاطر <السنة العرب> ومشروعهم التاريخي في مواجهة إسرائيل والغرب وقمعهم للأقليات العرقية والدينية والمذهبية في منطقة الشرق الأوسط، والشيعة في مقدمة هؤلاء. وطرحوا تصوراً محدداً في الارتداد عن أوسلو والشروع بالإطاحة بالنظام العراقي والتعاون مع الشيعة في العراق وفي المنطقة. في العام 1997 طرح هؤلاء <مشروع القرن الاميركي الجديد>. في كانون الثاني 1998 رفعوا مذكرة أخرى، يطالبون بالإسراع في الإطاحة بالنظام العراقي للحفاظ على مصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط وفي المقدمة أمن إسرائيل. وفي العام ,2000 كتب هؤلاء مذكرة ثالثة، وقعها معهم زياد عبد النور ودانيال بايبس، وذلك من أجل الإطاحة بالنظام السوري بعد إخراجه من لبنان. وحين انتخب بوش لاحقاً سارع بوضع هذه القيادات في المراكز الحيوية المركزية من إدارته وشن الحرب المعروفة على العراق. يمكن الاستنتاج ببساطة أن تداعيات الحرب واحتلال العراق لم تحقق أياً من المطالب أو الأحلام التي راودت هؤلاء في مذكراتهم. والاحتلال الأميركي تحول إلى دولة مجاورة. بمعنى أن كل العقابيل التي تحصل لا بد من أن تأخذ بنظر الاعتبار التوازنات الدقيقة بين ما يحدث فعلياً في العراق وبين ما يحدث في المحيط الأقليمي الذي يفترض بالعراق أن يكون قطب الرحى في التغيير نحو الديمقراطية والاستقرار والحفاظ على أمن إسرائيل، وعلى استمرار تدفق مصادر الطاقة النفطية. يمكن تلخيص هذه البانوراما بالمحاور التالية: 1 على الصعيد الإسرائيلي: لم تتمكن هذه الدولة المتراجعة نحو ضميرها الغيتوي المتمثل بجدار العار من التقدم خطوة واحدة نحو الحل العادل والشامل وعجزت فعلياً عن ان ترسم بدقة حدودها الجغرافية السياسية بعدما فشل مشروعها التاريخي وأجهضت كل المحاولات الرامية من قبلها أو الغرب لاندماجها في المنطقة والتطور بصورة مشتركة مع البرجوازيات الطفيلية السائدة هنا. وإسرائيل التي يكتظ داخلها بالغليان الديموغرافي فاشلة في معالجة أزماتها الاقتصادية والسياسية ومضطرة لاعتمادها الكلي على الولايات المتحدة أن تحل هذه المشاكل من خلال هذا الارتباط النفعي المشوه. لقد ازدادت المخاطر السياسية والعسكرية داخلياً وخارجياً، ودخل مشروعها العناية الفائقة مع زعيمها شارون. صعدت حماس إلى السلطة بالانتخابات الشعبية، وزادت ضراوة الضغوط من لبنان بعد أن تحرر حزب الله، عملياً، من التأثيرات السورية الإيرانية وكان تصاعد العمليات العسكرية النوعية الخاصة هو الصاعق المركزي للحرب التي اتخذت قرارها منذ فترة طويلة تحديداً عام ,2002 ذلك لخلط الأوراق وفسح المجال أمام الولايات المتحدة لتحقيق أجندتها الخاصة. إسرائيل الآن تعد العدة بعد استنساخ جدول عمليات الاحتلال الأميركي في العراق، ابتكر تسد وفرق تسد واقتل تسد! للقيام باختراق كامل للأرض اللبنانية وتحديداً البقاع في الخطة الفعلية والجنوب في التحليل الافتراضي حسب تحليل جورج فريدمان في معهد <ستراتفور>. وإسرائيل في حالتها هذه تواجه الآن، حسب كتابات الجنرال ويليم لند، أتعس حالاتها العسكرية. ففي <الجيل الرابع من الحرب> لا يمكن بتاتا الوصول إلى نتائج حاسمة وسريعة مع قوات العصابات الشعبية. لقد فقدت <الجيوش الرسمية> ودولها عناصر المبادرة وتراجعت عبقرياتها التخطيطية في المجالات السوقية أو الميادين التعبوية.
على الصعيد العربي، يمكن القول بدون مبالغة بأن القائد الراحل جمال عبد الناصر هو الذي أطفأ لهيب الحرب الباردة العربية في مؤتمر الخرطوم الشهير في عام .1967 رضخت الرجعية العربية الرسمية لميزان القوى الذي كان ما زال بيد الشارع، وسيده عبد الناصر، لضرورة مواجهة العدوان الإسرائيلي الأميركي وإزالة آثاره. وطيلة أربعة عقود تقريبا حاولت الرجعية الرسمية بعد أن استعادت روح المبادرة وأعادت سيطرتها على النظام العربي الرسمي بأن تلعب بالورقة الفلسطينية والعربية لصالح تحالفها الاستراتيجي مع الغرب بقيادة الولايات المتحدة. لقد وصلت هذه اللحظة إلى الذروة الآن حين طرحت وجهين كالحين لنفس العملة الرديئة. الأول في تكرارها السمج والكريه لمسألة المغامرات والتوقيت وزج العرب في معارك غير محسوبة... الخ. والثاني في توريطها الناطق الرسمي باسمها، جامعة الدول العربية، في الحديث <الملغوم> عن انتهاء عملية السلام!! أي نهاية عمليات الطغيان والنهب والنصب والاحتيال والحروب والقتل والاحتلال والتدمير والابادة!! هكذا استفاقت فجأة الولايات المتحدة على مخاطر التعاون مع الشيعة! واستنتجت أهمية الاستدارة مرة ثانية للتفاهم مع <السنة>. وسجل هزي كيسنجر اهتمامه البالغ، وحرصه الشديد على الإقبال النشيط لقادة <السنة> في المنطقة للوقوف بوجه طغيان <الشيعة> الإرهابي وسلوكهم الدموي مع الناس في المنطقة وتحديداً العراق ولبنان.
في الصعيد العراقي هنا تبدأ الحلقات بالظهور والنمو: العراق النموذج في القتل والابادة والتدمير وصولاً إلى التقسيم وآخرها مشروع المستشار السياسي لمسعود البارزاني، بيتر غالبرايث السفير الأميركي السابق في كرواتيا. يتبرع غالبرايث بإعطاء <شيعستان> إلى قادة الميليشيات الطائفية المرتبطة مع إيران وأجهزتها الحاكمة في جنوب ووسط العراق، وقسم مهم من بغداد. ويتم منح القيادات الكردية القسم الشمالي (معظم الموصل مع كركوك)، أما أهالي المثلث السني (قسم من الموصل، صلاح الدين، الانبار ونصف بغداد) فيقترح تدجينهم في منطقة تحت تسمية (سنستان)!! (راجع خريطة تقسيم العراق كما نشرتها ارمد فورسيس جورنال الاميركية) ومساعدتهم لعدم وجود النفط لديهم، وذلك بتزويدهم بكوتا نفطية خاصة من دول الخليج البترولية مع المساعدة العسكرية والسياسية المباشرة من قبل الأردن. يجري التآمر مع العديد من الخونة من قيادات العشائر وبعض الشخصيات الطائفية التي صلبت في <العملية السياسية> وفي مقدمتهم الطائفي الدكتور عدنان الدليمي وطارق الهاشمي. والى حين أن يتفجر النفط في منطقة سنستان فإن الكوادر <السنية> العسكرية والسياسية والحزبية والفعاليات الاقتصادية قادرة من خلال خبرتها التاريخية في بناء دولة عربية صافية عرقياً ودينياً وطائفياً!! وتكون قوية سياسيا ومتينة عسكرياً ومزدهرة اقتصادياً، في مقابل كردستان الضائعة بين أقدام الاميركان والأتراك وإيران أو <شيعستان> التي ستأكلها ضباع الميليشيات الطوائفية من نمط جيش المهدي الطامح إلى تشكيل مليون متطوع للزحف نحو سامراء والاستيلاء عليها بقيادة الضابط الايراني منصور حقيقة بور الذي ينشط تحت واجهة رئيس لجنة الكوثر لإعمار وصيانة العتبات المقدسة.
(?) سياسي وكاتب عراقي