الشرق الأوسط بين "الكبير" و"الجديد

"!د. رضوان السيد الاتحاد

 

ذكرتْ كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الأميركية عندما جاءت إلى لبنان، وبالمصادفة أو بالقصد، أنها تأمل بقيام "شرق أوسط جديد"! ولستُ أدري ما الذي عنتْهُ بذلك، إذ المعروف أنّ إدارة جورج بوش الأولى عملتْ طويلاً من أجل "الشرق الأوسط الكبير"! وعلى أيّ حال، فإنّ زلّة لسان رايس لم تبق بدون عواقب، إذ تلقّفها السيد حسن نصر الله ليستدلَّ بها على أنّ الولايات المتحدة تريد تغيير المنطقة لصالح أميركا وإسرائيل. والواقع أنّ هذا التعبير نَحَتَه شيمون بيريز رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، ونائب رئيس الحكومة الحالية إيهود أولمرت؛ حين ألّف مطلع التسعينيات من القرن الماضي كتاباً بهذا الاسم، ذا طابع يوتوبي، تصوَّر فيه عالَماً للسلام في المنطقة، يضمُّ بالإضافة إلى دول المشرق العربي وإسرائيل، تركيا فقط؛ حارماً إيرانّ من عضوية ناديه المزدهر، إلى أن يتغير نظام الملالي السائد في تلك البلاد!
أما نحن العرب، فقد قضيناعقوداً في مُجادلة الباحثين الاستراتيجيين البريطانيين والأميركيين والفرنسيين في صحة مصطلح الشرق الأوسط (دون الجديد) وسلامته، مشتمّين من ورائه- شأن السيد حسن نصر الله- مؤامرةً على العرب لإلغاء الطابع التاريخي (العربي) للمنطقة. وقد ناقَشَني باحثان أحدُهُما ألماني والآخر هولندي في تحميل المصطَلَح هذه الحمولة الأيديولوجية الكبيرة. إذ اعتبره الرجلان مصطلحاً جغرافياً بحتاً يعبّر عن درجة التجاوُر بين منطقتنا وأوروبا. وقد تراوح ذلك بين الأدنى والأوسط... إلى الأقصى. لكنني كنتُ مصراً على الطابع الأيديولوجي والجيوسياسي للتعبير، واستشهدتُ على ذلك بكلامٍ لأرنولد توينبي ولبرنارد لويس، يُفيدُ بأنّ المقصودَ من "الشرق الأوسط" أنه ليس هناك طابع غالبٌ أو سائدٌ لهذه المنطقة، التي تتكاثرُ فيها الإثنياتُ والديانات، والتي تتصارع وتتنافسُ في ما بينها، ولا تنضبطُ من داخلها؛ بل تحتاجُ إلى دولةٍ كبرى مجاورة أو بعيدة للضبط وتثبيت الاستقرار؛ مثلما حصل منذ حوالي 2000 ق.م، وحتى اليوم، إذ توالت على المنطقة الإمبراطوريات والدول الكبرى الضابطة؛ إلى أن تحدث الأميركيون في الخمسينيات والستينيات عن "الفراغ" في الشرق الأوسط بعد ذهاب المستعمرين البريطانيين والفرنسيين، وأرادوا احتواءَهُ خشية أن يستوليَ عليه السوفييت خلال الحرب الباردة. جمال عبدالناصر صارع طويلاً من أجل إثبات أنّ المنطقة لا تُعاني من أي فراغ، وإنما تُعاني من اللغم المزروع فيها منذ عام 1948 والمتمثل بإسرائيل. ولو نجحت الوحدة السورية/ المصرية أو السورية/ العراقية؛ فالراجحُ أنّ المصطلح الشرق أوسطي ما كان ليبقى في الجيوسياسي أو الأيديولوجي، وإن استمرَّ في الخطاب الغربي.
والواقع أنّ القوميين العرب آثروا منذ ستينيات القرن العشرين إطلاق اسم الوطن العربي على المشرق والخليج ودول شمال إفريقيا الناطقة بالعربية. أما الأميركيون، ورغم اللغة السائدة في الخطاب السياسي، فقد اختلفت المساحة التي حَدَّدوها للشرق الأوسط، باختلاف مصالحهم أو الموقف الاستراتيجي. فقد آثروا خلال الحرب الباردة أن يفصلوا المشرق العربيَّ عن الخليج الذي أدخلوا فيه إيران؛ لاختلاف المشكلات الأمنية، والعلاقات بالاتحاد السوفييتي. وعندما بادر الفرنسيون ومن ورائهم الأوروبيون إلى نشر أُطروحة المتوسطية؛ تحدث الأميركيون عن شرق أوسط يضمُّ إلى الدول العربية وإسرائيل إيران وتركيا، ويستثني الشمالَ الإفريقيَّ من هذا المدى الجيواستراتيجي. ثم ساد لديهم بعد انتهاء الحرب الباردة، مصطلح "الشرق الأوسط" الذي يصلُ إلى إيران وتركيا وباكستان ودول آسيا الوسطى، باعتبارها منطقةً استراتيجيةً واحدةً، في الاعتبارات الأمنية والعسكرية. وخبراؤهم الاستراتيجيون مختلفون الآن بين التوسيع والتضييق؛ وإن يكن القائلون بالشرق الأوسط يُماهونَ بينه وبين مصطلح العالم الإسلامي، رغم غياب إندونيسيا- كبرى الدول الإسلامية في العالم منهُ وعنه.
لماذا هذا الشرحُ الطويلُ لمفاهيم الشرق الأوسط المطّاطة؟ لأنّ الدخولَ الإيراني الحالي إلى المنطقة من خلال الأوضاع في العراق وسوريا ولبنان؛ يجعل الإيرانيين إلى جانب الأميركيين صُنّاعاً جدداً لهذا المدى المتكون والمتغير والمعروف بالشرق الأوسط. فالطريفُ أنّ الأميركيين والإيرانيين على حدٍ سواء يعتبرون أنّ المنطقة الممتدة ما بين الهند وطنجة هي منطقةٌ واحدةٌ على اختلافٍ في إدخال هذا الطرف التفصيلي أو ذاك أوعدم إدخاله. الإيرانيون يعتبرون أنّ المنطقة المذكورة هي العالَمُ الإسلاميُّ الذي يُعاني من وجود إسرائيل ، ويُعاني من الهيمنة الأميركية؛ ولا بُدَّ من تحريره باسم الإسلام والمصالح الإسلامية. والأميركيون يعتبرون المنطقة واحدةً أيضاً؛ لكنّ وحدتَها آتيةٌ من عاملين: ثقافي وسياسي. إذ يشترك سكان تلك المنطقة الشاسعة في أنّ الأكثرية تدينُ بالإسلام، وأنها تُعاني من الافتقار للديمقراطية والتنمية ويتسبب ذلك في وجود مشكلاتٍ خاصة بها، تريد الولايات المتحدة إخراجَها منها بالديمقراطية والتنمية، اللتين هما حقُّ شعوب المنطقة، ومصلحة الولايات المتحدة.
عند هذا الحدّ ينتهي التوافُقُ على مفاهيم المصطلح الشرق أوسطي بين الطرفين الأميركي والإيراني. فالأميركيون يعتبرون النزاع على فلسطين نزاعاً بين الفلسطينيين والإسرائيليين. بينما يرى الإيرانيون (والإسلاميون السنّة) أنّ فلسطين مشكلةٌ إسلاميةٌ؛ وكيف لا تكونُ كذلك وفيها القدس التي استولت عليها إسرائيل؟ وقد ظلَّ العالَمُ كلُّه وطوالَ عقود يتحدثُ عن النزاع العربي/ الإسرائيلي، إلى أن تصالحت مصر وتصالح الأردنّ مع إسرائيل؛ فاقتصر النزاع على الفلسطينيين في مواجهة الإسرائيليين. ومن وجهة النظر القومية العربية فإنّ النزاع ما يزال عربياً/ إسرائيلياً؛ بما في ذلك الحرب الدائرةُ اليوم في لبنان. لكنْ في السياسة الإيرانية، وفي الوعي الشعبي العربي فإنَّ النزاعَ كان وما يزالُ إسلامياً، ولا حلَّ له إلاّ في هذا السياق. فالذين هم رأس الحربة في فلسطين وفي لبنان حزبيون إسلاميون، وهم لا يقيمون اعتباراً للحدود القومية أو المحلية. وتحتارُ الولايات المتحدة في تكييف طبيعة الصراع. فبالنسبة لها هناك مشكلةً في الوعي الإسلامي ناجمة- كما سبق القول عن الجمود الثقافي، والجمود السياسي. ولو حدث التغييران الثقافي والسياسي لما كانت هناك مشكلةٌ عربيةٌ ولا إسلاميةٌ في فلسطين؛ بل نزاعٌ على الأرض يُحَلُّ بالتفاوض بين الطرفين، شأن مشكلات الحدود بين كثير من الدول!
رأت دول الجامعة العربية الصراعَ على فلسطين على الدوام؛ باعتباره صراعاً عربياً/ صهيونياً، بين قوميتين. بيد أنّ الأمر أخذ يتغير منذ سنين؛ استناداً إلى الوقائع والوعي، كما سبق القول. فـ"حماس" تنظر إلى الصراع مع إسرائيل نظرةً دينيةً، وهي لذلك تنتظر من العرب ومن المسلمين الدعمَ لتحرير المقدَّسات. وكذلك الأَمْرُ مع "حزب الله" الذي يعتبر نفسَهُ الآن خائضاً "حرب الأمة" في لبنان وفلسطين.
وهكذا فهناك وجهان للمسألة. الوجهُ الأولُ: الدولة القومية وحدودُها وموقعُها في النظام الدولي. وبهذا المنطق يمكن للصراع على فلسطين أن يكونَ قومياً عربياً. كما يمكن للصراع في فلسطين، أن يكونَ إسرائيلياً/فلسطينياً. والوجه الآخَرُ للمسألة صعودُ الإحيائيات الإسلامية، وهو صعودٌ غيّر من الوعي بسائر المسائل، ومن ضمنها قضية فلسطين. ولذلك يستطيع الإيرانيون، ويستطيع الإسلاميون الأندونيسيون مثلاً أن يعتبروا الصراع على فلسطين صراعاً إسلامياً. وتترتب على ذلك مسائل متعددة، من بينها خرابُ سيادة الدول عندما يتقابلُ في ساحة المعركة الأيديولوجيون، وأصحابُ الرؤى الشمولية. ولا ندري مآلات الصراع، لكنّ كلَّ المؤشّرات تفيد أنه طويلٌ ودموي، والغالب أنه لا ينحلُّ إسلامياً أو محلياً؛ فلا بد من الحلقة العربية الوسطى، كما كان عليه الأمر من قبل، وإلاّ فلا نهاية لهذه الحرب.
تُصرُّ كلٌّ من وشنطن وطهران على توسيع آفاق الشرق الأوسط. وتعتبر وشنطن ذلك فرصةً من أجل السلام والتعاون والخروج من الأصولية. وتعمل طهران على اعتبار الصراع في فلسطين إسلامياً، لكي تتمكن من التدخل فيه. والغياب أو الضعف العربي يجعل الصراع طويلاً، أمّا الشرق الأوسط فقد ظهر وثبت، وبمساعٍ من طهران وواشنطن وتركيا وإسرائيل، وإن اختلفت التوقعات والأهداف.