لبنان وهو يحترق ... المثقف و ملامح المرحلة العربية الراهنة

ةفيصل درّاج: الحياة 25/7/2006


يتضمن كتاب إدوارد سعيد الأنسنة والنقد الديموقراطي، وهو من الكتب التي ظهرت بعد رحيله، دراسة بعنوان: الدور العمومي للكتّاب والمثقفين، تستأنف تأملاته حول معنى المثقف ووظيفته. كان سعيد قد كرس كتاباً لهذا الموضوع عنوانه: صور المثقف، سبقته دراسة طويلة شهيرة نشرها عام 1983 في عمل جماعي عنوانه ثقافة ما بعد الحداثة. ومع ان الدراسة التي تخص الدور العمومي تشير، في شكل سريع، الى المثقف الأوروبي، وفي شكل ومْضي، الى المثقف العربي، فإنها تدور أساساً حول المثقف في الولايات المتحدة، في زمن الامبراطورية والحرب على العراق. أقام المفكر الراحل دراسته على مقولاته الشهيرة: دور المثقف في مواجهة السلطة، الجهر بالحق وإعلان الحقيقة، والاشتباك مع المثقف المهني، الذي يحجب الحق ويقايض الحقيقة بالمصلحة.
يحيل سعيد، اتكاء على الشرط الأميركي الذي يعيش فيه، على مواضيع ثلاثة: الحيّز العام، الذي يترجم علاقات البشر ببعضهم في فضاء مرجعه القانون، يتيح للمثقف التدخل وإعلان رأيه والرفض والقبول والاختيار، بأقساط مختلفة، لا تنفصل عن موقفه السياسي. والموضوع الثاني هو المؤسسات الثقافية والإعلامية والتعليمية، التي تتجاوز سياساتها، بسبب رسوخها ونواظمها وأعرافها، الإرادات الفردية، كما لو كانت سلطة التأسيس تفيض على الرغبات الذاتية المستجدة. اما الموضوع الأخير فيرد الى الامبراطورية، أو الى الهيمنة الأميركية الشاسعة، التي تملك اكبر قوة عسكرية في العالم، وتستعملها وفقاً لما تريده المصلحة، لا لما يتطلع إليه الحق. تحدد هذه العناصر الثلاثة موقف المثقف، الذي قد يرى في تدمير العراق دفاعاً عن الديموقراطية والفضيلة، او يرى فيها فعلاً إجرامياً صارخاً، تمارسه دولة خارجة على القانون، او دولة بلطجية، بلغة الأميركي ناحوم تشومسكي.
السؤال المباشر الذي يطرحه المثقف العربي وهو يقرأ سعيد: إذا كان دور المثقف في اميركا يتحدد بجملة المؤسسات، التي تتيح له القول وتعوّق قوله في آن، فما هو الحيز الذي يستطيع المثقف العربي ان يتحرك فيه؟ أو في شكل أدق: إذا كان الحيز العام شرطاً لوظيفة المثقف، من حيث هي مداخلة في الشأن العام، فما هي حدود المثقف في شروط مُنع فيه الحيز العام عن التطور، او استئصلت امكانية وجوده؟ او: هل يستطيع المثقف ان يقوم بدوره في شرط يفتقر الى المؤسسات الثقافية والأكاديمية والدستورية، التي هي شرط تحقق دوره؟ لا علاقة للسؤال بـ المفكر المختص، المشغول بتعميق اختصاصه وتجويده، ولا بـ كاتب السلطة، الذي يرى الحقيقة في المصلحة، ويعتبر السلطة مرجعاً فاضلاً للحقيقة والمصلحة معاً. مهما كانت مرايا السؤال، صقيلة امينة، أو متآكلة ومشظاة، فإن فيه بداهة مأسوية تفرض على المثقف العربي، بالمعنى الذي اراده ادوارد سعيد، ان يواجه الشروط التي تحاصر وجوده، وأن ينظر الى دوره، من دون ان ينهر الضحك الأسود الذي يتساقط عليه، في بناء الحيّز العام والمؤسسات وفي البحث عن مكان ضيق لشيء محتمل يدعى: دولة القانون.
يبدأ المثقف العربي مما انتهى منه غيره، كما لو كان يعيش في كوكب آخر، له قضاياه ومشكلاته وأسئلته المنقطعة عن مجتمعات العولمة. بيد ان سعيد، الذي يُدرج في تساؤلاته الأساسية شظايا لامعة، ينتفع بها مثقف الكوكب الأخر، يوحي الى المثقف العربي باقتراحات تأخذ بيده الى الاتجاه السليم. والسؤال هو: ما هي المقولات الضرورية التي على المثقف العربي ان يعتمدها اليوم؟ المقولات، ربما، ثلاث، على سبيل الاختصار لا على سبيل الحصر، أولاً: تحديد ملامح المرحلة العربية الراهنة. فبعد سيل الشعارات القديمة التي تحرر الضروري والعارض وصولاً الى تحسين احوال الأرض السابعة، ينتهي المثقف حسيراً، كما يقول العرب، الى التنقيب عن الواضح والخبيء في نهاره المحاصر. والواضح الدامي، على الأقل، استباحة الشعب الفلسطيني ليلاً ونهاراً، سواء اعترف بإسرائيل أو لم يعترف بها، كما لو كان خياره الوحيد التعود على أنقاض البيوت والمقابر الواسعة ودموع الثكالى والأيتام. والواضح، الذي لا شك في وضوحه، الاغتصاب الإسرائيلي للبنان ارضاً وبحراً وسماء وتدمير بناه التحتية وغير التحتية، كما لو كان صبياً يتيماً، يتناوب عليه الأشقياء في الفصول الأربعة، بالطائرات والبوارج والمدفعية والسيارات المفخخة، او فلسطين أخرى ينبغي إلغاؤها ايضاً. والواضح، الأكثر وضوحاً، الاحتلال الأميركي للعراق والحرب الطائفية المجرمة الدائرة فيه، التي تطال العراقي والفلسطيني والعربي، وكل من يريد ان يذكّر بأن العراق كان عربياً ذات مرة. بيد ان كبير الأسئلة هو الذي يبدأ بـ لماذا؟ لا بـ كيف؟، ذلك ان ملامح المرحلة الراهنة هي على ما هي عليه لسبب واضح: إذا كان العرب سعداء بمرحلتهم الراهنة، فمعنى هذا انهم جديرون بالتدمير والاغتصاب والاستباحة وتقطيع الأوصال، اما إن لم يكونوا سعداء بها، فمعنى ذلك ان لديهم من الضعف والوهن والهمود ما يجعل غيرهم يقرر لهم المصير والطريق والمآل. فما الذي يفعله العرب، فعلاً، كي يتجاوزوا مرحلتهم الراهنة؟ وهل غاية التضامن العربي توطيد الركود وتوطين الاستنقاع وتأبيد الاستبداد ام ان هناك غاية اخرى لا تُرى؟
تشتق من مقولة: الحالة التي لا تسر مقولة اخرى هي: إعادة تعريف القضايا الكبرى، دارت القضايا الأخيرة، في زمن البلاغة المطمئنة، حول: تحرير فلسطين ووحدة العرب وتحقيق النمو والتطور و... بعد خمسين عاماً تراجعت فلسطين الى حدود التآكل، وانتقل الحديث من الوحدة العربية الى هجاء الإيديولوجيا القومية المستبدة، التي أغرقت العراق وأعادت الشعوب الى زمن الرعية والمبايعة... اما النمو فسافر في رايات الجوع والحرمان وحلم الهجرة وفي الانقسام المجتمعي الحاد بين حفنة مالية طاغية وأكثرية جائعة ترتطم بقاع موجع لا حدود له. اذا كانت الأهداف التاريخية الكبرى انتهت الى ما انهت إليه، فما هي الأهداف الكبرى الصغيرة اليوم؟ الجواب: إزاحة البلاغة السلطوية والجهر بالحق في وجه الأكاذيب البائسة والتطلع الى الحيز العام، الذي يسمح للفلسطيني ادوارد سعيد بالكلام والمطالبة بدولة القانون التي تمنع النهب والإهانة، وبناء المؤسسات التي تفيض قواعدها على مشيئة الأفراد والمطالبة بسياسة تكون فعلاً أخلاقياً غايته المصلحة الوطنية العامة...
ينتهي هذا كله الى المخلوق الصغير الكبير الذي يدعى بـ: الإنسان العربي، الذي جاءت به السلطات الى المرحلة الراهنة بعد ان تحوّل الى مِزَق صغيرة متطايرة على الإسفلت، كما جاء في مسرحية لسعد الله ونوس، ذات مرة. قال لويس عوض، منذ زمن طويل، إن السجناء لا يحاربون، وقال غيره إن الجياع لا يقاومون، وقال صنع الله ابراهيم، في روايته شرف، إن المنتهكين، سلطوياً، ليل نهار، ينسون معنى الشرف. اين الشرف العربي وهو يرى الى وابل الموت اليوم في لبنان؟ وأين من يتذكر ان هذا البلد مسرح للموت منذ ثلاثين عاماً؟ عنوان المقولة الثالثة هي: الوحدة بين الذاكرة والماضي القريب. فلا ضرورة للعودة الى معركة ذي قار، ولا احد ينكر على خالد بن الوليد شجاعته المؤمنة، ولا احد يماري في فظائع الاستعمار، ولا لزوم للتذكير بمذابح جمال باشا السفاح... الضروري، والضروري الوحيد، قراءة الفارق بين ما وعدت به أنظمة الاستقلال الوطني وما أنجزته وهي تسير، من دون ان تقتصد في البلاغة البائسة، الى ملامح المرحلة الراهنة. ان المثقف ذاكرة نقيضة، او انه الذاكرة النقيض، الذي يستطيع ان يعود الى الأرشيف، ليكشف لـ تجار البلاغة كذبهم، او عجزهم المميت في أحسن الأحوال، مدافعاً عن حق بسطاء البشر في الحياة، وعن حقهم الطبيعي في الكرامة القومية والإنسانية الوطنية. للفقراء تكتيك صغير، يسوّغون به حياتهم، وللأقوياء استراتيجية عاتية، ترى الى ما وراء الحاضر، وإلى ما وراء الحدود. من سوء حظ عرب المرحلة الراهنة، ان كل الاستراتيجيات الكبرى، الصادرة من داخل الوطن والوافدة من خارجه، لم تستهدف إلا العربي الصغير والكبير، كي يكتفي اليوم بالتفرج على لبنان وهو يحترق، ذلك البلد الصغير المشرق الجميل، وغير المرغوب فيه.