حزب الله يحدث تغييرا استراتيجيا هاما في العالم العربي

ابراهيم يسري     القدس العربي

 

 


قد نتمشي ـ لمجرد المناقشة ـ مع بعض كتابنا ومفكرينا العرب في تشاؤمهم، وسنفترض صحة ما أفادت به وكالات الأنباء بعد ظهر السبت 21 تموز (يوليو) وقت كتابة هذه السطور من أن علي الحدود الاسرائيلية ـ اللبنانية تحركت الدبابات الاسرائيلية ومئات الجنود داخل وخارج لبنان يوم السبت 21 تموز (يوليو) واستولوا علي مركز مراقبة خاص بالأمم المتحدة واشتبكوا مع جنود حزب الله في الأرض والبحر والجو كجزء من هجوم بري محدود. وأنهم استولوا مدعمين بقذائف المدفعية علي قرية مارون الراس، وسنفترض أن اسرائيل قامت عند قراءة هذا المقال بغزو بري واسع للبنان، وأنها قد تتوصل الي تحقيق هدفها في ايقاع الهزيمة بحزب الله ودفعه الي جنوب نهر الليطاني وتنفيذ القرار 1559، ولكن هذا لا يمنع من بزوغ معالم انقلاب استراتيجي هام يغير كل التوازنات والمفاهيم التي حكمت الصراع العربي ـ الاسرائيلي طوال ما يزيد عن نصف قرن من الزمان، وأن يوم 12 تموز (يوليو) 2006 يمثل حدا فاصلا بين عهدين مختلفين تماما علي نمط ما أتي به 11 ايلول (سبتمبر) 2001 من زلزال قوي غير معظم معطيات المجتمع الدولي. ورغم أن الوقت ما زال مبكرا لاستشراف ورصد التغييرات الاستراتيجية التي أتانا بها 12 تموز (يوليو) 2006، الا أنه لا مناص من البدء فورا في حسابها علي الساحة العربية حتي نجد لها ما يناسبها من تغييرات مماثلة في ممارسة صراعنا الطويل مع الدولة العبرية بدعم الولايات المتحدة وأوروبا.
ان تصدي حزب الله لمواجهة الدولة العبرية ونجاحه في ايقاع هزائم عسكرية بها مثل تدمير بارجة واقتحام وحدة عسكرية، واشتباكه مع محاولات التسلل للأرض اللبنانية عشرات المرات، مما يشير الي توصله الي أداء عمل عسكري غير مسبوق ونجاحه في أن يكون ندا في المواجهة العسكرية التي فرضتها عليه اسرائيل، وتمكنه لأول مرة في تاريخ الصراع العربي ـ الاسرائيلي من توصيل صواريخه الي المثلث السكاني الاسرائيلي وايقاع بعض الخسائر به ودفع 2 مليون اسرائيلي الي العيش في الملاجئ لأول مرة منذ قيام اسرائيل وهو ما لم تنجح اي دولة عربية في تحقيقه من قبل، وهو بذلك ينهي والي الأبد قناعة كانت سائدة منذ عام 1948 بأن الجيش الاسرائيلي لا يقهر والتي حطمت مصر جزءا منها في سنة 1973 وقام حزب الله بالقضاء عليها قضاء مبرما.
وقبل أن نمضي في عرضنا فمن المهم أن نتفق علي ما لم يعد سرا بعد أن تردد من مصادر أمريكية وأوروبية واسرائيلية من أن اسر الجنديين الاسرائيليين لم يكن السبب الأهم في شن الحرب علي لبنان وانما استخدم كذريعة لتبرير الهجوم المدمر علي الأرض اللبنانية كلها وتدمير مدنها وقراها وبنيتها التحتية، فحقيقة الأمر أن أولمرت تلقي الضوء الأخضر وربما التعليمات من الرئيس بوش بالبدء فورا في عملية عسكرية تستهدف القضاء علي حزب الله وتنفيذ القرار 1559 وتحويل لبنان الي دولة مطيعة كالعراق تدور في فلك واشنطن وتسهم في تحقيق مشروع الشرق الأوسط الجديد بعد أن باء بفشل ذريع.
وقد كشفت صحيفة واشنطن بوست الامريكية عن أهداف اسرائيل الحقيقية من الهجوم الشرس علي اللبنانيين العزل فقالت ان العملية الاسرائيلية في لبنان تتم بدعم امريكي وتهدف الي انهاء التهديد الامني الذي يمثله حزب الله لاسرائيل واغتيال زعيمه حسن نصر الله. وبنفس السياق زعمت صحيفة صاندي تايمز ان الجيش الاسرائيلي ارسل فرق اصطياد الي داخل لبنان لملاحقة نصر الله.
اما بالنسبة للاستراتيجية الامريكية، فحسب الصحيفة أن العملية الاسرائيلية تهدف لخنق ما تسميه محور: حزب الله ـ حماس ـ سورية وايران والذي تعتقد الولايات المتحدة انه يقوم بحشد الامدادات من اجل تغيير شكل الشرق الاوسط. وقالت الصحيفة انه علي الرغم من الغضب الشعبي من اسرائيل والدعم لحزب الله الا ان واشنطن تعتقد ان لديها دعم الانظمة العربية من خلف الابواب المغلقة. ونقلت الصحيفة عن مسؤول امريكي ان الانظمة العربية المحافظة تخشي من النظام الايراني القوي، وقوة حزب الله في جنوب لبنان وحماس في غزة ونظام بشار الاسد في سورية. وقال المسؤول ان الانظمة العربية تحاول السير بحذر وتحييد غضب الشارع للتخلص من حزب الله وحماس.
ويؤيد ذلك ما جاء علي الجانب الاسرائيلي في صحيفة هآرتس 18 تموز (يوليو) بقلم زئيف سشيف من تحليل جاء فيه أن اسرائيل تواجه خطر الحرب علي ثلاث جبهات اذا ساعدت سورية استراتيجيا حزب الله في لبنان. هنا تواجه اسرائيل منظمتين ارهابيتين ودولتين صنفتهما امريكا كمحور للشر. وأنه لا بد من أن تحمل اسرائيل لبنان مسؤولية ما يحدث ضدها علي الحدود اللبنانية. وسيتألم لبنان من الضربات الاسرائيلية ضد البني التحتية اللبنانية ولكن لا ننسي أن الحكومة اللبنانية رفضت تنفيذ القرار 1559 الذي يدعو لنزع سلاح المليشيات. وأن حماس وحزب الله وضعا قواعد اللعبة عندما أسرت الأولي جنديا اسرائيليا وأطلقت الثانية صواريخها عبر الحدود اللبنانية داخل اسرائيل. واذا لم تنجح اسرائيل في التعامل مع هذا الوضع فان وضعها العسكري والاستراتيجي سيتغير وستفقد قدرتها علي الردع في مواجهة حرب العصابات. وقالت انه كان من المتوقع عندما بدأت اسرائيل توغلها في غزة أن يسارع حزب الله لمساعدتها بفتح جبهة الشمال علي اسرائيل، ولكن هذه الفرضية تم استبعادها من قبل المحللين العسكريين، ولذلك لم يتم اتخاذ أي اجراء احترازي ضدها. والآن يتوجب علي رئيس الأركان أن يدرس جيدا ما يحدث من تطورات أثناء قيادته للحرب، ونرجو أن يكف زعماء اسرائيل عن استخدم الألفاظ المستفزة والتهديدات المبالغ فيها كما فعلوا في الأسبوعين الأولين من الحرب حتي تتفادي فتح جبهة ثالثة ما لم تستفز سورية اسرائيل .. واعترفت بأنه لسنوات عديدة استخفت اسرائيل بصواريخ حزب الله واعتقدت أنها ستصدأ في مخابئها، كما لم تعبأ باتخاذ حزب الله مواقع ملاصقة للحدود، وعلي اسرائيل ألا تسمح بعودة حزب الله لمواقعه علي حدودها وهو اجراء تكتيكي دفاعي ضروري. واتجهت الدوائر الرسمية والاعلامية الغربية الي القاء المسؤولية علي سورية وايران كما جاء صراحة علي لسان كبار المسؤولين في البيت الأبيض ووزارة الخارجية، وقيل عن اهداف ايران حسب جريدة نيويورك تايمز يوم 19 تموز (يوليو) 2006 بقلم الين سيولينو ان لديها هدفين من تأييد حزب الله أولهما هو لفت النظر عن أزمة ملفها النووي مع الغرب والثاني هو تثبيت وضعها كقوة اقليمية هامة في المنطقة ولا يمكن استبعادها من معادلات التسوية للنزاع العربي الاسرائيلي. تري الصحيفة أن ايران تقامر بمقولة انه لا يمكن شن الحرب ضدها.. ويبدو أنها تعد نفسها للقيام بدور هام في حل الأزمة اللبنانية ـ الاسرائيلية كما يستشف من تصريحات منوشهر متقي وزير الخارجية الايراني وتستمر ايران في لهجتها الحادة المعادية لاسرائيل .. وتوقعت أن تصاب ايران بخيبة أمل اذا سحقت اسرائيل حزب الله. وذكرت بأن مرشد الثورة سخر من دعوة بوش لنزع سلاح حزب الله واستبعد حدوث ذلك. ومع دعم الصحيفة للحرب المجرمة ضد لبنان الا أنها حذرت اسرائيل من حرب استنزاف طويلة. ويبدو ان اسرائيل متنبهة لهذا الخطر حسبما قالت الصحيفة من أنه في اجتماع مجموعة الأمن المصغرة يوم 20 تموز (يوليو) حذر دان هالوتز رئيس الأركان من أن حزب الله يهدف الي جر اسرائيل لحرب استنزاف في لبنان بينما تهدف اسرائيل لشن حرب قصيرة وقوية. وقال هالوتز ان الجيش ينوي دخول لبنان ولكن في مرحلة لاحقة.
ومع تأييد الأوساط الأمريكية والأوروبية للعملية التدميرية البربرية التي تقوم بها اسرائيل في لبنان، الا أنها حذرت من الاستخدام المفرط للقوة نيويورك تايمز 19 تموز (يوليو) 2006 )ورددت الموقف يوم 17 قبل تفاقمه بزيادة القتل والتدمير( وصلت الخسائر 330 قتيلا و1100 جريح في مقابل 32 اسرائيليا منهم 17 من العسكريين. دمرت اسرائيل 55 جسرا. نصف مليون من النازحين توجه 130 الفا الي سورية)، لدرجة أن السنيورة اعترف بأن هذه الحرب ليست ضد حزب الله بل ضد لبنان، وقد أدت هذه الأرقام الي اتهام فرنسا والاتحاد الأوروبي لاسرائيل بالاستخدام المفرط غير المتناسب للقوة والعقوبات الجماعية، خاصة مع حجم التدمير الهائل للبني التحتية اللبنانية والفلسطينية. ودافعت تزيبي ليفيني وزيرة الخارجية الاسرائيلية بأن التناسب لا ينبغي أن يحسب علي الأحداث بل قياسا علي حجم التهديد الذي تواجهه اسرائيل، وهو أكبر وأخطر من خطف جنديين، فاسرائيل تواجه وضعا اقليميا خطيرا يبدأ بسورية وايران وينتهي بحماس وحزب الله .. وحول اصابة المدنيين نوهت وزيرة الخارجية بأن الارهابيين يختفون وسط تجمعات مدنية ومن الصعب تفادي سقوط ضحايا مدنيين، كذلك تفيد مصادر استخباراتية أن عددا من المدنيين الجنوبيين يحتفظون بصواريخ كاتيوشا تحت اسرتهم .. وقالت ان أولمرت يحاول استرجاع مصداقية الردع الاسرائيلي .. وتقول وزيرة الخارجية ان من يؤيدون تسوية معقوله هم اضعف القادة مشـــيرة الي السنيورة ومحمود عباس . وكتب شامويل روزنر في 14 تموز (يوليو) يصف الشعب الاسرائيلي بأنه متوتر ومتصلب ويشعر بانه خدع، ومع ذلك فهو يطالب قادته باستخدام كل ما لديهم من وسائل لحمايته لضمان عدم تكرار ذلك مرة أخري وطالب البعض بتدمير لبنان ودمشق وطهران. لقد اختطف جنود اسرائيليون في تشرين الاول (اكتوبر) 2000 في منطقة هار دوف وقرر ايهود باراك ألا يصعد الموقف وتكرر هذا الموقف ممن خلفوه بما فيهم شارون مفضلين عدم فتح جبهة ثانية في الشمال، ولكن أولمرت قرر أن يواجه الأمر للقضاء علي هذا الخطر تماما حيث يطالب رجل الشارع زعماءه باتخاذ اجراءات عسكرية صارمة ويسجل عليهم أن خطف الجنود في غزة ولبنان يمثل خطأ عسكريا ظاهرا.
وحول صمود حزب الله أذاعت اسوشييتد برس تقريرا بقلم ايديث ليدر ـ جاب روس ـ في 21 تموز (يوليو) 2006 جاء فيه أنه بعد 10 أيام من القصف العنيف للبنان يبدو أن اسرائيل قررت أن الوسيلة الوحيدة لازاحة حزب الله بعيدا عن حدودها هي شن توغل علي نطاق واسع، غير أن تصاعد الخسائر البشرية ونزوح مئات الآلاف من اللبنانيين قد يحدان من الوقت الذي يمكن أن تحقق فيه اسرائيل هدفها حيث يتضاءل سكوت المجتمع الدولي عن المذابح والتخريب.
وتأيد ذلك في مقال بصحيفة هآرتس يوم 19 تموز (يوليو) 2006 بقلم آموس هاريل وآفي اسخاروف بعنوان القوات البرية تقوم بضربات محدودة في لبنان وتشتبك في قتال عنيف مع حزب الله في منطقة موشاف افينيم شمال صفد. وتفيد مصادر وزارة الدفاع أنهم بحاجة الي 10 ـ 14 يوما لانهاء العملية العسكرية وأن مصدرا عسكريا صرح بأن اسرائيل تهدف الي اضعاف حزب الله فقط لأن القضاء عليه نهائيا غير ممكن. وذكر بأن العمليات العسكرية تكلف اسرائيل 50 مليون شيكل في اليوم. كما تتكبد اسرائيل خسائر كبيرة من توقف المصانع في حيفا وغيرها مما دفع وزير الدفاع الي التنبيه بتوفير الحماية للعمال حتي تستأنف المصانع انتاجها. ونقلت عن خبير عسكري اسرائيلي بارز ان مساعي اسرائيل لسحق حزب الله يعوقها افتقارها للقنابل التي تلقي من الجو والقادرة علي اختراق مراكز قيادة الحـــزب المحصنة تحت الارض.
وقال ألون بن دافيد محلل شؤون اسرائيل بمجلة جين ديفينس ويكلي انه في الوقت الذي تسهم فيه القوة الجوية الاسرائيلية في وقف بعض من عمليات اطلاق الصواريخ عبر الحدود من جانب حزب الله فانها تفشل في محاولتها تعقب وقتل قادة الحزب الذين تحصنوا تحت الارض.
وقال بن دافيد لـ رويترز الكثيرون من زعماء حزب الله مختبئون في حصون تحت الارض.. ولا تملك اسرائيل العتاد اللازم للوصول اليهم. واضاف يمكن أن يكون ذلك عائقا أمام الهجوم.
وجاء في صحيفة هآرتس يوم 20 تموز (يوليو) في مقال بقلم آري شافيت أنه رغم التهويل الاعلامي، حتي لو أمكن معرفة مكان حسن نصر الله وقتله، لكن علي الأقل احتفظ حزب الله بثلثي أسلحته. وقال ان السيناريو المتشائم أن يعجز جيش اسرائيل عن تدمير صواريخ حزب الله، وأن يخرج حسن نصر الله من مخبئه ليهدد اسرائيل مرة اخري. والسيناريو المتفائل هو القضاء علي قوة الصواريخ لدي حزب الله وابعاد حزب الله عن الحدود، ولكن سينبت حزب الله من جديد من بين الركام خلال شهرين. والدرس الذي سيتعلمه الشرق الأوسط هو أن مجموعات صغيرة من المؤمنين المنضبطين قادرة علي مواجهة اسرائيل، واستخلص نتيجة هامة هي ان عدم خضوع حزب الله للردع الاسرائيلي هو شهادة علي ضعف اسرائيل. وأكد أنه لم يحرز الضرب الجوي الا مكاسب صغيرة، واذا لم يحرز مكاسب كبيرة مقنعة فهذا أمر سيئ بالنسبة لاسرائيل.
واعترف آموس هاريل بمقاله في جيروسالم بوست يوم 20 تموز (يوليو) أي قبل الزعم بالاستيلاء علي مارون الراس بيوم واحد بأن اليوم السابق كان يوما سيئا لاسرائيل. لم تنجح محاولة توغلهم في منطقة مارون الراس لتدمير منصات صواريخ الكاتيوشا وتكبدوا خسائر بشرية. ونأخذ من هذا ثلاث دلالات: أن حزب الله مثل اسرائيل كان يعد نفسه لهذه المعركة، لا يمكن أن نكسب المعركة بالتفوق الجوي، أن علي الحكومة أن تفكر في غزو بقوات كبيرة في المستقبل، وقال ان اسرائيل وقعت في فخ وأن دبلوماسيين غربيين يعتقدون أن اسرائيل أوقعت نفسها في فخ فلا يمكن وقف القتال دون أن تحرز الحكومة مكاسب من حربها، ولكن اطالة زمن الحرب تقلل من التأييد الغربي الذي تلقاه حاليا.
وأثناء كتابة هذه السطور ورد النبأ الآتي من الأسوشييتد برس الساعة السابعة من مساء يوم 22 تموز (يوليو) الجاري والذي هللت له اسرائيل وأمريكا: علي الحدود الاسرائيلية اللبنانية تحركت الدبابات الاسرائيلية ومئات الجنود داخل وخارج لبنان يوم السبت 21 تموز (يوليو) واستولوا علي مركز مراقبة خاص بالأمم المتحدة واشتبكوا مع جنود حزب الله في الأرض والبحر والجو كجزء من هجوم بري محدود. واستولي الجنود الاسرائيليون تساندهم قذائف المدفعية علي قرية مارون الراس. وردا علي ذلك قام جنود حزب الله باطلاق القذائف علي قاعدة نوريت العسكرية قرب الحدود اللبنانية مما أسفر عن جرح جندي اسرائيلي قرب مدينة افينيم وذلك بواسطة قناصة علي الجانب اللبناني وهي المرة الأولي التي يصاب فيها جندي اسرائيلي داخل وحدة عسكرية منذ بداية الحرب يوم 12 تموز (يوليو) .
ورغم كل ما يقال عن عدم تناسب القوة بين حزب الله والدولة العبرية، وما ينشر عن توغلات في الأرض اللبنانية، بل وعن هزيمة مؤقتة لحزب الله، فاننا نقول مع الضمير العربي المتفائل بأن الثابت أن 12 تموز (يوليو) سيعرف بالتاريخ الذي بدأ فيه تحرير المنطقة العربية من الرجس الأمريكي الاسرائيلي والذي غير كل التوازنات الاستراتيجية في المنطقة ربما علي النحو الذي كان لتاريخ 11 سبتمبر في نيويورك وقد يسطر في تاريخ المنطقة كبداية لنهاية الدولة العبرية، بعد أن زالت هيبتها وأثبتت المقاومة في فلسطين ولبنان:
* فقد عزل حزب الله وقبله حماس والمقاومة العراقية النظام الرسمي العربي خارج جهود التحرير والتصدي للأعداء، واثبت أن الشعوب قد تولت أمورها بيدها ولم تعد تؤمن بقدرات حكامها بعد أن أخذوها من فشل الي فشل ومن تنازل الي تنازل، وبعد أن كشفت الشعوب تآمر بعض الأنظمة الرسمية ضد دول عربية شقيقة وسارت في الخط الذي رسمته الولايات المتحدة والدولة الصهيونية.
* أن المشروع الاستعماري ابتداء من مشروع هرتزل بلفور في فلسطين الي مشروع الشرق الأوسط الكبير، لم يصل الي تحقيق أهدافه، لأن الشعوب العربية رغم ما تعانيه من ضعف وفرقة، ورغم تخاذل النظام الرسمي العربي عن المضي في طريق التحرير، قد تصدت لهذه المشروعات وأفشلتها من بن غوريون الي ايدن وبوش وبلير ودول أوروبا. ومن هنا يسجل لحزب الله أنه كان الأداة الفاعلة لوضع المشروع الأمريكي الأوروبي المسمي بالشرق الأوسط الكبير والمتحالف مع المشروع الصهيوني أمام تحديات لا قبل له بها.
* أن التوازنات والتحالفات الاقليمية التي حكمت المنطقة خلال عقود قد تغيرت، وشكلت ضربة حزب الله ايا كانت نتائجها تحالفات وتوازنات جديدة بشكل جديد بين شعوب مقاومة ودول مؤيدة لها، فقد بدأ تحالف بين شعبي فلسطين ولبنان مؤيدا برجل الشارع العربي من الرباط الي الخليج وبين ايران وسورية، واحتل حسن نصر الله بقي ام استشهد، انتصر أو هزم مكان عبد الناصر كزعيم للمنطقة وليس للعرب فقط .
* أن أسلوب المقاومة الشعبية التي تقوم قواتها ومليشياتها بالتصدي للمشروع الصهيوني الغربي، هو أنجح الوسائل لتوجيه ضربات عربية قاصمة لهذا المشروع دونما حاجة لتورط الدول العربية في مواجهة تخشاها.
* أن حزب الله قد أوقع باسرائيل هزائم عسكرية مهينة لم تتذوقها من حروب الأنظمة العربية وجيوشها من قبل، وأهمها هو توصله الي ضرب اسرائيل في مقتل ألا وهو ايقاع ضربات موجعة بالمثلث السكاني والصناعي الاسرائيلي الذي ظل آمنا منذ قيام الدولة العبرية عام 1946، وأحدث خوفا وهلعا لدي السكان لم يسبق لهما مثيل مما يهز الثقة في نظرية التفوق الاسرائيلي.
* برز في المنطقة تحالف جديد يتكون من منظمات المقاومة في فلسطين ولبنان مدعوما من سورية وايران اكتسب تأييدا واسعا في الشارع العربي من المحيط الي الخليج اختفت فيه التحيزات الطائفية تماما، فهتف الناس في مصر وغيرها من الدول لزعماء هذا التحالف الجديد.
* اثبت تاريخ الصراع أن اسرائيل تتلقي دائما الضربات الموجعة من منظمات المقاومة، فكانت خسائرها جسيمة من مجموعات المقاومة التي قادها البطل أحمد عبد العزيز أقسي مما أوقعه بها الجيش المصري، وتوالت خسائرها الجسيمة رغم القهر وعدم تناسب القوي علي يد منظمات المقاومة الفلسطينية وها هو حزب الله يكمل المعادلة مما يبعد النظام الرسمي العربي تماما عن اي اسهام من هذا القبيل.
ہ كاتب من مصر