"المقاومة" وإعادة تكوين لبنان

بقلم غسان تويني   النهار

في الزمن الذي يكثر فيه الحديث عن شرق أوسط جديد، مكبَّر حيناً وموسَّع أحياناً، تحضرنا هذه العبارات ختم بها سماحة العلامة الأكبر، السيد محمد حسين فضل الله، خطبته الأسبوعية يوم الجمعة الماضي. قال: "... إننا نتوجه الى الشعب اللبناني الثاكل الجريح الصابر الصامد أن ينطلق في ساحة الوحدة الوطنية ولا يسقط أمام هذا التحدي الاسرائيلي الاميركي لأنه الشعب الذي عاش تاريخه في مواقع العزة والكرامة، وعليه أن يتضامن في عملية تكافل اجتماعي يدعم بعضه بعضاً ويحمي بعضه بعضاً (...)".
ولكن... ولكن... هل من سميع؟ وهل من مجيب؟
نعم!... ولا نخالنا نمعن في التفاؤل طلباً للخير، فنجده.

نعم، يا سماحة السيّد العلامة الأكبر: الشعب اللبناني، شعب المواطن العادي البسيط، غير المتفلسف ولا المتفذلك، انطلق ولا حساب في عملية "التكافل الاجتماعي، ودعم بعضه بعضاً، وحمى بعضه بعضاً" كما طلبت سماحتك وتمنيت...
كان ذلك في احتضان "المنكوبين والمهجّرين والنازحين" (الذين تحدثت عنهم بلهجة دراماتيكية تذهب بندائك الى القلوب التي لم تيبّسها أصوات القنابل ولا مناظر النيران والتخريب البربري).
نعم، كل أبواب الجحيم الاسرائيلي التي انفتحت لم تخطف قلوب الناس، ولا عطّلت غريزتهم الانسانية الطيبة، ولا هي قهرت عقولهم الرسولية بالطبيعة. فجاء "التضامن" وكأنه صلاة، واستحال الغضب ثورة حق بدل أن يستولد خوفاً من هنا أو شماتة من هناك!!!
بل أكثر... ونستعير مرة أخرى عباراتك، يا سماحة سيّد بلاغة النفس، لنقول:
"الشعب اللبناني الثاكل الجريح الصابر الصامد انطلق في ساحة الوحدة الوطنية (...) بعيداً من زوايا الحاضر المختنقة في ظلام الحزبية والطائفية وبقية العصبيات".
ها هي الأديرة والكنائس والجوامع والمدارس ثم البيوت المتواضعة في كل دسكرة ومكان تتحول منازل للتائهين، وكأنّ أهلها يرددون قول السيد المسيح: "(...) لأني جعت فأطعمتموني، وعطشت فسقيتموني، وكنت غريباً فأويتموني وعرياناً فكسوتموني (...)".
بل أكثر، وأكثر:
ها هم مشردو دير ياسين والناصرة والقدس وبيت لحم يستضيفون في مخيماتهم ديار الذل التي كانت قد صارت الى حين منازل البؤس، ثم الثورة نعم يستضيفون في مخيماتهم اللبنانيين الذين نأبى أن يصيروا جيلاً آخر من الفلسطينيين، يدفعهم انتشارهم الى فدائية يائسة أو "إرهاب" هدّام.

لا تفسير للذي يحدث أعمق من خاتمة مقال السيد هاني فحص ("النهار"، السبت 22 تموز) بعنوان "الدولة والمقاوِمة في لبنان"، وفيه تحليل لاحتمالات النصر على اسرائيل ومترتبات الهزيمة، لا سمح الله! يقول:
"ختاما، إن لم يكن النصر على اسرائيل ضربة قاضية عليها، فإن النقاط المتحققة للمقاومة بإمكانها أن تقضي على المشروع الاسرائيلي بإعادة انتاج لبنان الرسالة".
... ومنا، ختاماً، هذه الملاحظات الاستخلاصية من وحي مقال العلامة السيد هاني:
1 بلغة المبارزات الرياضية التي استعارها سماحته، لا نخال "حزب الله" دخل المعركة بنيّة، أو الطموح الى "ضربة قاضية" على اسرائيل، بدليل ان السيد حسن نصرالله، في إعلان اختطاف (لماذا لم يقل" اعتقال"؟) الجنديين الاسرائيليين أبدى كذلك استعداده للدخول في مفاوضات إنما "غير مباشرة" حول مبادلتهما بإطلاق الاسرى اللبنانيين والفلسطينيين. اذاً: "النصر على اسرائيل" حتماً سيكون "بالنقاط"، وسيكون "نصراً للأمة جمعاء"، اذا اقتنع السيد حسن (وهو زاهٍ بكونه يرث في آن واحد زعامة ياسر عرفات الثورية ودور عبد الناصر في إلزام "الأمة جمعاء" بما يرد في خطابه، لمجرد أنه ألقاه على الترانزيستورات، من المحيط الى الخليج...) بأنّ عليه في الدور المستقبلي أن يكون شريكاً في إعادة ابتكار الميثاق الوطني"، ليس أكثر، "يستريح في حضن الدولة"، "يوظف النصر في إعادة بناء الدولة" (والكلام من مقال السيد هاني) بدل أن يندرج كلامه في مدرسة "لا يعلو صوت فوق صوت المعركة"... نعود الى عهد "النكسات"!
وأملنا ان يتقبّل السيد حسن نصرالله هذه النظرة، لأن "لبنان الرسالة" ليس وطناً مجمّداً، بل وطن تعيد صناعته، وأحياناً اختراعه، كل سنة بل كل يوم، العائلات الروحية المتعددة، المتفاعلة باستمرار في حوارية ديمقراطية، تبعا للتحديات ولمتغيرات الزمان الذي نبقى في السباق معه، أو نزول.
2 ثم أملنا، استطراداً، ألا يستمر السيد حسن في "احتكار الله"، فلا يكون للّه الواحد الصمد الأحد محازبون او متعبّدون في سائر "العائلات الروحية"، وكأن هؤلاء محكوم عليهم أن يصبحوا أحزاب الشياطين، معاذ الله عزّ وجلّ!
ويندرج هذا المنطق في الدعوة التي طالما كررناها الى تعميق الحياة الروحية داخل "الطوائف"، وأن تنطلق هذه في نهضاتها وتطلعاتها من جوهر الدين، لا من قشوره ولا من "عصبياته" القبلية والحزبية الغريبة عن الايمان والناقضة أحياناُ كثيرة للعبادة والتعبد، ولمحبة الانسان للانسان الآخر.
ولا حاجة بنا أن نكرر، في هذا المقام بالذات، أن علينا أن نطلق "الميثاق الوطني" (كما طاف به "الطائف"، من قبل) كان ان تكون جماعاتنا الدينية المتعددة موحدة، كما أكد ذلك إعلان جبران تويني في "القَسَم" الذي استشهد من أجله، وربما بسببه!!!
وقد برهن الشعب اللبناني، الشعب المؤمن، أنه لا يميّز ولم يميّز في احتضان بعضه البعض عند الفاجعة، فكيف لو كان قد دُعي الى مثل ذلك الاتحاد في المعركة؟
3 "المشروع الاسرائيلي" الذي بدأنا ننتصر عليه مع "حرب المقاومة" على دولة العدو هو بالذات أن نتفرّق، "فتزول دولة لبنان" (كما تخوّف أحد الدبلوماسيين)، أو على الأقل يزول اللبنان الذي قال عنه السيد محمد حسين فضل الله انه "في موقعه ودوره وخبرته الاقتصادية سيبقى النقيض لاسرائيل التي تريد أن تأخذ دوره في المنطقة سياسياً واقتصاديا"... وكان يمكن أن نقول بالأحرى ثقافياً واعلامياً كذلك، لأن في كيانه الثقافي الحضاري تجسيداً خلاقاً للحرية التي نمارسها ولحقوق الانسان التي نؤمن بها، وقد ساهمنا في وضعها شرعةً للأمم والعالمين.

ختاماً، ختاماً... "تنتصر المقاومة للأمة جمعاء" اذا منعت تحوّلها، ولو من حيث لا تشاء، مقاومةً للدولة بدل أن تكون المدماك الأقوى، بل حجر الأساس في بناء ما كان يسمّيه سماحة الامام موسى الصدر "المجتمع المقاوِم" أي في حالنا الحاضرة "الدولة المقاومة".
و"السلام على من اتبع الهدى" !

غسان تويني