مأساة المقاومة

هاني ابو اسد   السفير

 

مأساة أن يكون المرء إلى جانب الطرف الضعيف عسكرياً هي ان كل عمل ممكن، يجلب عواقب كارثية. إذا لم تقاوم يجري اجتثاثك. وإذا قاومت يسحقونك.
بغضّ النظر عما يحدث، يمكن لهذه المعركة أن تكون مهمة بالنسبة الى النوع البشري برمّته. يخشى الجانب القوي اسرائيل ومناصرو التفوق العسكري الى أبعد الحدود من نجاح المقاومة في لبنان. فإذا حصل ذلك، يمكنه أن يؤذن ببداية انهيار وإفلاس الحكم العسكري الذي اعتقد أنه ليس سيئاً للعالم ولا للغرب. وإذا فشل الخيار العسكري، قد تبدأ مفاوضات سلام حقيقية على أساس تساوي حقوق الجانبين. وبدلاً من إنفاق المليارات والمليارات على ترسانتيهما العسكريتين يمكنهما إنفاق نصف هذه القيمة على غايات طيبة ويحصلان في المقابل على ضعف الامن. ويبدو الكلام هذا ساذجاً، لأن جنرالات إسرائيل يضللون شعبهم واولئك الذين يؤمنون بالتفوق العسكري ويرتبطون بمصالح بهذا التفوق يزجّون كل قوتهم في هذه المعركة. وهم مستعدّون لمسح لبنان برمّته بهدف تجنّب الفشل.
لكنني أرى ايضاً أن اللبنانيين والفلسطينيين لا يستسلمون. واذا نجحت المقاومة في البقاء متماسكة، فلعل ذلك يشكل بداية التغيير في مسار العرق البشري. يعتقد البعض أن القضية قضية عربية ببساطة، لكنني اعتقد أن صراع جميع المضطهدين هو على المحك.
وجد الصراع بين القوي والضعيف على امتداد التاريخ، لكن اللحظة الآن حاسمة لم تحلّ في السابق ابداً. والاختلاف هائل في التكنولوجيا والمال والقوة، غير أن مجموعة صغيرة للغاية تقاوم المجموعة الأضخم أبداً. لم يحدث في التاريخ أبداً أن هيمنت قوة واحدة على العالم على هذا النحو ومع ذلك ينجح البشر في المقاومة. هل يستحقّ الأمر تحمّل هذه التضحية والخسائر؟ هذا القرار ليس قرارنا، لأن الآخرين اختاروا الانخراط في المقاومة. الخيار الآخر المتاح الوحيد هو قبول الحكم الظالم للقوي، وهذا بالنسبة لي أسوأ بكثير.
لن يكون نجاح المقاومة تهديداً لوجود الإسرائيليين، على ما يعتقد البعض خاطئاً، بل بالأحرى على وجود الأفكار. لكن القضاء التام على المقاومة سيعني القضاء على الشعبين اللبناني والفلسطيني بأسرهما. ويمكننا جميعاً الاتفاق على استحالة ذلك. ولنجتمع كلنا عوضاً عن ذلك، لمكافحة وجود الافكار القائلة إن قوة الجيش ستحمي الدولة اليهودية، وان إبقاءها دولة يهودية أهم من المساواة مع الفلسطينيين وان الدولة اليهودية مرتبطة ببشدة ببقاء اليهود. التخلص من الافكار قابل للتحقق أكثر بكثير من التخلص من شعب. وطالما بقي الاضطهاد، ستبقى المقاومة. ولن تكون الدولة اليهودية قادرة على تغيير الواقع. أخفقت صيغة الهيمنة حتى في اوقات سابقة عندما لم يكن قد انتشر الوعي بشأن الكرامة على غرار ما هو منتشر اليوم. لكن ميزة التكنولوجيا تسمح اليوم للبعض بالاعتقاد في أن هذه الصيغة قد تفلح. أما أنا فأعتقد أنها ستخفق مجدداً، حتى لو تعتمد ببساطة على نتائج المعركة هذه.
ماذا لو فشلت المقاومة هذه المرة؟ في تلك الحالة ستكون لديّ قصة.
لدينا اسطورتان في تاريخنا بشأن الصراع بين القوي والضعيف. داود وجوليات والنتيجة التي يعرفها الجميع. والرومان والقائد المتمرّد سبارتاكوس. وعندما خسر سبارتاكوس، قبض الرومان عليه وعلى أتباعه وأرادوا أن يذلّوه أمام انصاره، كمثال، لثني التمرد، بعدما كان قد اصبح بطلهم. وعندما سألوا الناس اي من الاسرى هو سبارتاكوس، تقدّم وقال <أنا سبارتاكوس>، ثم تقدّم آخر وقال <أنا سبارتاكوس>، وبعدهما جاء آخر الى أن تقدم كل جنود التمرد مدّعين أن كل واحد منهم سبارتاكوس. وأُجبر الرومان عندها على قتلهم جميعاً، وصار من المستحيل إذلال سبارتاكوس. وبقيت الاسطورة حيّة وتابع الجنس البشري صراعه ضد الاضطهاد.
هناك نتيجتان ممكنتان في المعركة هذه نتيجة داود والآخر لسبارتاكوس. آمل من صميم قلبي أن تكون الانتصار لجوليات، وأن تنتهي مأساة الطرف الضعيف عسكرياً.
(?) مخرج سينمائي من أعماله <الجنة الآن>