الشرق الاوسط... من "الكبير" الى "الجديد"

: كلوفيس مقصود النهار

 

من اجل تغطية غزوها للعراق طرحت الولايات المتحدة مشروع "الشرق الاوسط الكبير"، والآن من اجل ان تشتري مزيدا من الوقت لاسرائيل كي تستكمل استعداداتها لتحقيق غاياتها واهدافها في لبنان تعلن بدون تردد او حياء ان النكبة التي تحل بلبنان، دولة ومؤسسات وبنى تحتية، واثمن من هذا كله بالانسان في لبنان، انما هو "مخاض" لشرق اوسط جديد.

وُضع التخطيط "للكبير" في سافانا جيورجيا على مستوى قمة وتُرسى ركائز "الجديد" في روما الاربعاء المقبل بعد ان توضع "اللمسات" الاخيرة في لقاءات الوزيرة كوندوليزا رايس مع المسؤولين الاسرائيليين. وبالتالي يصل المدعوون الى روما "ليلطفوا" ما امكن، إن امكن، ما ينطوي عليه "الجديد" للشرق الاوسط بغية انهاء هويته العربية ومناعته القومية وحقوقه الانسانية. بمعنى آخر ان يُعرّف "الجديد" بكونه انهاء لحق تقرير المصير وإلحاق ضربات استباقية بإمكانات النهوض والبناء والتنمية والوحدة. بكلام آخر اخراج العرب مجتمعين ومنفردين من التاريخ ومن المستقبل في الوقت نفسه.
هذا هو الحاضر الذي نحن فيه ونجده مختزلا في لبنان الذي يدفع الثمن بأغلى ما عنده والذي تصر الآلة الهمجية الصهيونية على الامعان في الحاق اقصى الاوجاع والاضرار به في محاولات الاذلال، لأن هذه الآلة الاسرائيلية اهلت نفسها لتكون اداة تنفيذ، منذ قيامها، للقضاء على لبنان البديل الحضاري الانساني المستنير من الكيان الصهيوني القائم على عقيدة انطوائية تمارس تمييزا عنصريا دينيا ضد كل من ليس يهوديا، وبالتالي متشابهة للعقيدة التي كان اليهود ضحاياها. اي اللاسامية في اوروبا الشرقية والنازية. التي مارست التمييز العنصري ضدهم. اذاً النموذج اللبناني في التعددية وتجاوز الفروق وتأسيس الدولة على المواطنة كما سعة آفاقه وحداثته وانتشاره المضيء حضاريا يجعل اسرائيل متوجسة من خطر هذا النموذج على كيانها لأن احتمال لبنان العقيدة قد يتحول عدوى لفئات يهودية في العالم نابذة لعقيدة الصهيونية التي تؤيد قطبية اليهودي وغيره، ولأنه ينقذ اليهود من التوتر الذي زرعت بذوره الصهيونية من فكرة أن لا خلاص لهم الا بالتقوقع ورفض الانفتاح، بافتعال الخوف وبالتالي رفض الانتماء.
لذا نجد ان ما حصل، ولا يزال يحصل في لبنان من شراسة غير مسبوقة لا تفهم الا من زاوية خطورة لبنان العقيدة. اقول هذا لأن تلقائية تجاوب الغرب مع ما سمي خطأ بـ"ضرورات الامن الاسرائيلي" ناتجة من ان هذا الغرب لا يريد في الظرف الحالي أن يكون عرضة للابتزاز الصهيوني الذي يجعل من خلال ممارسته للارهاب الفكري من كل نقد او اعتراض ناهيك بمعارضة تعبيرا عن لاسامية كامنة، وبالتالي تكون المقاومة وكل مقاومة لها "ارهاباً".
يضاف الى هذا عنصر الابتزاز الذي تمارسه اسرائيل ضد كل نقد لها، استساغة معظم السياسيين الاميركيين، بخاصة عشية اي انتخابات، التسابق المعيب والمذل لارضاء، بل لاسترضاء اللوبي الاسرائيلي كأن اعطاء اسرائيل موافقات مسبقة على ما قد تطلبه لاحقاً يؤمن لهم "شرعية" موهومة وأي انطباع عن ان احدهم يرغب في مزيد من المعرفة يعتبر دليلا على اهتزاز ولائه "للديموقراطية في الشرق الاوسط" وحتى اذا حصل واعلن اي مسؤول او مسؤول سابق موقفا مغايرا للاعلام السائد تعمل الآلة الاعلامية الصهيونية على تهميشه وتحاول اقصاءه.
نشير الى هذه الظاهرة لأنها تشكل الجو الذي يعمل فيه فريق الرئيس جورج بوش ورايس والسفير جون بولتون في الامم المتحدة، والذي سيميز الكثير من العناصر التي قد يقدمها بعض الاوروبيين لردع تمادي الولايات المتحدة في الاستثمار بقرار العدوان الاسرائيلي على لبنان.
...اما المشاركة العربية في مؤتمر روما الاربعاء المقبل فسوف تكون مثل المشاركة "العربية" في اوسلو وشرم الشيخ في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية! وما افضت اليه هذه المشاركة من تعميق للمحنة الفلسطينية والاستباحة المتواصلة لشعب فلسطين. وكيف يجوز ان يختار الغير من يحضر الحضور فحسب من العرب؟ واذا استدعي بعض العرب او تلقوا دعوة فلماذا يجاوبون من دون ان يكون كل العرب حاضرين؟ او بالاحرى لماذا لا تعقد قمة عربية فورا وتأخذ اجراءات فورية؟ يبدو ان الشعوب تعرف لماذا وتدرك الاسباب، وهذا يجب ان يدفع الدول العربية الذاهبة الى روما الى معرفة ما يراد منها مسبقاً وما تريد هي بدورها من مؤتمر روما. واذا كان صحيحاً ان مؤتمر روما مدعو الى جعل مأساة لبنان وما المماطلة في وقف فوري للنار الا تعميم وتوسيع وترسيخ للمآساة مدخلاً لتنظيم مواجهات اقليمية اوسع وتصفية حسابات عالقة، فعلينا كلبنانيين وعرب ان نصر في المرحلة الراهنة على معالجة تبعات العدوان الاسرائيلي علينا كي نستعيد قدر الامكان ما تبقى لنا من مناعة، وبالتالي نلملم شتاتنا ونستعيد انفاسنا ونعيد النظر في مصيرنا. وبعد التقاط انفاسنا من المجزرة التي اختبرها كل من موقعه، نضع نصب اعيننا الحاجة الملحة الى مراجعة جذرية لبنانياً وفلسطينياً وعربياً لئلا نعود الى الفرقة التي تستنزف فاعليتنا ومصداقيتنا، فيتعمق لدينا الادراك ان شرذمة المواقف تمهد لمزيد من الاستباحة، وفي الحلقات الاضعف أي فلسطين ولبنان، بما يمهد لعملية التمزيق الذي يشكل الهدف الاستراتيجي لاسرائيل.
كان العراق ولا يزال ضحية الشرق الاوسط الكبير... على الاقل ايها العرب لا تسمحوا لروما - المؤتمر بأن تجعل لبنان ضحية الشرق الاوسط الجديد. في نهاية الامر نحن اوطان عربية، ولسنا ولن نكون شرق اوسطيين.
ولبنان، وهو في محنته الراهنة، يبقى لبنان العقيدة... وهو مع فلسطين خميرة عروبة جديدة.

"النهار"