بالمقلوب: متطرفون عموميون ومعتدلون خواص!

ياسين الحاج صالح: الحياة

 

لا تحوز كلمة اعتدال سمعة حسنة في الثقافة السياسية السورية. التطرف بالمقابل يبدو شيئا مرغوبا، يحيل إلى مدركات إيجابية كالثورية والمبدئية والجذرية.
في السياق الإيديولوجي السياسي التاريخي لتوزيع الدلالات هذا ثلاثة عناصر محدِّدة. أولها، والأكثر مباشرة، أن السياسة الأميركية في زمن الحرب الباردة كانت تطلق لقب المعتدلين على الدول والقوى العربية الموالية للولايات المتحدة، فيما ادخرت نعت المتطرفين لخصومها. يعني ذلك أن معيار الاعتدال والتطرف في السياسات العربية هو الموقف من السياسة الأميركية، ما يعني بدوره أن هذه ليست معتدلة فقط، وإنما هي السياسة العادلة.
أفضت هذه الممارسة الإيديولوجية إلى تشويه سمعة الاعتدال في الثقافة السياسية العربية، والسورية منها بحكم كثافة تأثير العنصر الأميركي عليها.
يتمثل العنصر الثاني في أن النظم الفكرية الموجهة لوعي وتفكير الناشطين السياسيين والثقافيين السوريين هي نظم عقيدية منتجة لنسختها الخاصة من الواقع، المتعارضة لدرجة كبيرة أو أكبر مع صورة الواقع كما قد يدركه تفكير أكثر نقدية. لا ترفض النظم هذه الخضوع للواقع على الصعيد العملي، بل حتى على الصعيد المعرفي، حيث الخضوع للواقع دون قيد أو شرط هو وحده ما قد يثمر معرفة ثورية. وهي كذلك تنحاز للتطرف على حساب الاعتدال بسبب أن مفهومها للواقع مطل على ما ينبغي أن يكون لا على ما هو كائن، ولا حتى على ما هو ممكن. السياسة الصحيحة على أرضية هذا المفهوم هي السياسة الأشد جموحا، السياسة التي لا تعترف بشيء من الواقع القائم؛ وأسوأ سياسة هي تلك التي تعترف به. والواقع، من وجهة نظر نظم الفكر هذه إما أن نخضع له أو نتمرد عليه، لكنه ليس لحظة لا ننطلق من غيرها، ولا نبقى فيها أبدا.
ثالث العناصر الصراع على السلطة وعلى الشرعية. فالطريقة المجربة لنزع الشرعية من خصم، هي المزايدة عليه. ويحيل مفهوم المزايدة إلى رفع الرهان السياسي والإيديولوجي دون مبالاة بمقولات الواقعي والممكن والمعقول، وذلك بهدف إحراج الخصوم وإخراجهم من المنافسة السياسية. هذا يجعل من السياسة أشبه بالقمار، ويفصل تطورها عن تطور العقلانية في المجتمع، بل يضع هذا ضد ذاك. والواقع أنه لا مجال لفهم كثير من المواقف والسياسات السورية، في الزمن البعثي وحتى قبله، دون إرجاعها لهذا الشرط. وفي أوساط المعارضة ذاتها، يغلب أن يكون الدافع وراء رفع الرهان ضد النظام كسب معركة الشرعية ضد معارضين منافسين. وفي الوسط الكردي السوري، يستعان بهذا التكتيك ذاته في سياق التنافس على الشعبية مع تنظيمات كردية أخرى. هذا الشرط المستمر يرفع الطلب على العنف الفظي والخطابي، وله إسهام لا ينكر في إضعاف حركة المعارضة.
وفي الحصيلة أثبت التطرف أنه سلاح فعال للصراع على السلطة وجني المكاسب السياسية والمعنوية. هذا راهن في سورية اليوم، وقد كان راهنا في العهد السابق، وله فضل عميم في تحطيم العقلانية في الحياة السياسية، وفي كوارث هائلة من بينها هزيمة حزيران الخالدة.
ويتصل العنصران الثاني والثالث بروابط وثيقة. فالعقائد لا تهيمن على حياتنا العقلية والثقافية والروحية إلا لأن صراعا عنيفا وغير مكبوح على السلطة يسيطر على حياتنا السياسية. أو بالأحرى إن نجوع التطرف هو ما يدفع الصراع السياسي والإيديولوجي، الصراع على السلطة والشرعية، إلى الرسو على بر العقائد، أي على نظم فكرية قيمية مستقلة إلى حد بعيد عن ممكنات الواقع ودينامياته الذاتية.
لكن ما الذي يجعل التطرف ناجعا؟ لماذا يسهل على المتطرف الديني إخراس المعتدل الديني، ولماذا القومجي هو القومي الأصيل، واليسراوي هو اليساري الحقيقي، والسياسي الجيد هو الغوغائي؟
يبدو لنا أن المبعث الأساسي للتطرف في السياسة والثقافة العربية المعاصرة أننا نعيش بالفعل في ظل أوضاع متطرفة جدا، ما يغري دوما بمقاومتها بالقوة ويثير الرغبة في تدميرها.
وأول منابع التطرف أن القوى السياسية التي تتحكم بشروط حياتنا المعاصرة قوى موغلة في التطرف والتعصب: إسرائيل، الولايات المتحدة، ونظم الحكم.
تطرف أميركا وإسرائيل نابع من ميل طبيعي لكل سياسة مبنية على مفهوم المصلحة الوطنية (أو القومية) إلى التطرف، يعززه قوتهما وضعف الدول العربية. تطرف نظم الحكم العربية (بما فيها التي ترفع راية الاعتدال في مجال العلاقات الدولية) متولد عن تطلب السلطة المطلقة، وما يقتضيه ذلك من إحاطتها بشرعية مطلقة ترفعها فوق المساءلة. وتميل السلطات المطلقة دوما إلى نمط من الشرعية العقيدية (ضدا على الشرعية التعاقدية)، تتيح لها تسييج ذاتها بالتخوين الوطني أو التكفير الديني.
نريد القول إن التخوين والتكفير نتاجان لنظام سلطة معين وليس لعقيدة وطنية أو دينية. بعبارة أوضح، لا التخوين ينبع من الوطنية بحد ذاتها ولا التكفير ينبع من إسلام متماثل دوما مع ذاته. الواقع أنه تجري عملية إعادة هيكلتهما من أجل تلبية الحاجة إلى مفعولهما المشرع للسلطة والمحرم للاعتراض عليها. فالسلطة هذه ليست وطنية أو إسلامية، شرعية تاليا، إلا لأنها تقوم بتصنيع الوطنية والإسلام المناسبين، أي الشرعية اللازمة. وبإمساكها السلطة والشرعية معا، تغدو الدولة مضخة للتطرف والتعصب.
ويلقى هذا الشرط تعزيزا من خضوع نظمنا لموازين القوى على المستوى الدولي. فعجزها عن مقاومة الخارج هو دافعها الأقوى لمنع مجتمعاتها من مقاومتها. وستحاول هذه الدول المنقوصة السيادة والشرعية الحقيقية أن تنتحل شرعية مطلقة، وتنتقص انتقاصا مطلقا من سيادة مواطنيها على حياتهم وتفكيرهم واختياراتهم. كل هذه عمليات عنف وتزوير و.. تطرف.
نريد أن الدولة هي المتطرف الأول في بلادنا، وأنها قدوة في التطرف لا في الاعتدال. وسيعني ذلك بداهة أن مجتمعاتنا تفتقر إلى مقر للاعتدال والتوازن. وستميل مقاومة الرعايا لهذا التطرف المستولي على الشرعية والسلطة معا إلى اتخاذ شكل عقيدي، أي متطرف. وسيجنح الصراع السياسي إلى الظهور بمظهر صراع على الدين والقيم والمبادئ والأخلاق.
بالتفاعل مع هذا الشرط السياسي وإلى جانبه، ينبع التطرف من شكل علاقتنا بالحداثة. فنحن، عرباً وسوريين، لا ننتج شروط حياتنا المادية، ولا نتحكم بالقوى المشكلة لحياتنا السياسية (الدولة المحلية، والقوى الدولية المسيطرة)، ولا نكاد نستوعب أو نغطي نظريا وقيميا هذه الشروط المنفلتة. الاعتدال متعذر إنسانيا في مثل هذه الظروف، والممكن منه سيء السمعة. فالاعتدال المشرف هو اعتدال القادرين.
جملة الشروط المذكورة تضع العدل نقيضا للاعتدال، وتقيم تحالفا منكرا بين العدل والتطرف، وبين الاعتدال والأوضاع الجائرة غير المتوازنة. يضاف إلى ذلك كله أنه ليس لدينا تراث اعتدالي حديث يستند إليه. تراثنا القديم وقراءاته المتاحة قلما تزكي تفكيرا وسياسات معتدلة.
ختاما والأهم، ينبغي أن تكون الدولة معتدلة كي يستطيع الأفراد أن يكونوا مختلفين، إن لم نقل متطرفين. وأن تكون غير عقيدية (أو عقائدية باللغة البعثية) وغير جمالية كي يعتقد الأفراد بما يشاؤون، وكي يتفننوا في رسم حيواتهم. اعتدال الدولة هو المزاج الصحي والسليم للنمو الاقتصادي والحيوية الثقافية والاستقرار السياسي، فيما اعتدال الأفراد بلادة وقبح. تطرف الدولة، بالمقابل، يقتل إبداعية الأفراد والخواص، وينزع في كل الأمثلة التي تخطر ببالنا إلى فرض التماثل والإمعية عليهم.
شخصياً، أريد الدولة معتدلة كي أتطرف.