الحاجة إلى ديبلوماسية "هجومية" في حجم "الحرب المفتوحة"

بقلم غسان تويني   النهار

"انها الحرب"!
تطرح حربنا هذه، ككل حرب، سؤالها الأكبر: متى، وكيف تنتهي؟ وهل تنتهي حكماً الى سلام يكون سلاماً، أم الى "وقف اطلاق نار" يكون مرحلة انتقالية الى حرب أخرى هي مجرّد استئنافٍ للحرب السابقة، ولو كانت "حرب آخرين"، او "من اجلهم"... مما يطرح سؤالاً آخر: من هم "الآخرون" في حالنا اللبنانية الخاصة؟ وكيف نحدد، وهل لنا في ذلك مصلحة؟
يكتسب السؤال حجمه المقلق وأبعاده المؤرقة لكون الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله، أعلنها "حرباً مفتوحة" بعدما كان يعلن شروط انتهائها وتالياً شروط السلام! في حين أن رئيس الحكومة اللبنانية، الاستاذ فؤاد السنيورة، أعلن شروطاً أخرى لإنهاء هذه الحرب التي لم يعلنها ولا هو خاضها وحكومته، بل لعله كان ضحيتها الكبرى، نتيجة مسؤوليته السياسية عن الوطن الذي تحوّل مسرح الحرب الجهنمية التي شنتها اسرائيل على شعبه وأرضه ومدائنه، ولا هوادة.

لو كان اليوم يوم تأملٍ وتفكير، وكان ذلك ممكناً على وقع القنابل والصواريخ، وما هو بمثابتها من البيانات والاسئلة والهتافات والبلاغات بلاغات النصر وبيانات التعاسة! - لطرحنا "الاشكالية" الآتية:
ان حروب فلسطين كلها، منذ 1948 ومقدماتها من الاعمال الثورية وما شابهها، وصولاً الى حرب "تبادل الأسرى" في لبنان اليوم، هي حرب واحدة متسلسلة، لأن أهدافها المعلنة والمكتومة، ومن الجانبين بل من كل الأطراف، تخللتها فترات مسالمة لم تتحوّل ولا واحدة منها سلاماً حقيقياً لأن اسرائيل التي نشأت من أولى هذه الحروب التي انتصرت فيها كلها، لم تحسن وربما لم تشأ توظيف "انتصاراتها" بتحويلها "سلاماً عادلاً" يدوم بقيام علاقة مع العدو لا تجعله صديقاً حتماً، بل على الأقل أليفاً ومعايشاً وشريكاً في سلام يمنع قيام حربٍ أخرى من ركام الحرب السابقة، بل من الانتصار الذي انتهت اليه.
فلماذا؟...
وهل محتوم على كل نزاع بين اسرائيل وأي طرف عربي أن يكون "حرباً مفتوحة"، أي لا سلام بعدها، كائناً ما كان حجم الدمار والمآسي؟

هنا، لا بد من هذه الحاشية التاريخية:
لعل أعظم ما كان يتوق اليه العالم الحديث إرثاً للحلم المثالي التاريخي الأسمه "السلم الدائم" هو انشاء مؤسسة دولية تتولى تسوية النزاعات سلمياً وحسم الحروب وترتيب نتائجها، بحيث لا تستمر الحروب تولّد حروباً أخرى الى ما لا نهاية له.
هذه المؤسسة حاول العالم انشاءها إثر الحرب العالمية الأولى (1914 1918)، فقامت ولكنها تفجّرت نتيجة خروج دولٍ كانت الحروب امتداداً عقائدياً لنزعاتها القومية الاستعمارية. مع هذه الاشارة للتذكير، لعلها تجدي، ان حرب 1914 نشأت عما كان يصح وصفه بالعمل "الإرهابي" لو كانت الكلمة آنذاك دارجة عنينا، لمن لم يقرأ، اغتيال وارث عرش الإمبراطورية "النمسوية المجرية" (وهو في زيارة لمدينة ساراييفو) مما اطلق نزاعات قومية انتهت الى الحرب.
وكانت الحرب العالمية الثانية (1939 1945) فتكررت المحاولة الدولية، محصّنة أو هكذا ظنوا بمحتوى عقائدي شعبوي للنظرة الأممية، فضلاً عن ترتيبات وتركيبات، امتداداً لأحدث القوانين الدولية، تؤطّر النزاعات ومحاولات معالجتها في حلول وتسويات منعت انتهاء أعظم مواجهة دولية، "الحرب الباردة"، الى حربٍ "أبوكاليبتية" تدمّر العالم بأسره، نتيجة لوجود السلاح الذري في متناول المتنازعين.
وتمتعت هذه المؤسسة (أي "منظمة الأمم المتحدة") برحابة سياسية وبثقافة سلام جعلتها تحتضن تحوّل الاعداء العقائديين والقوميين حلفاء (المانيا وفرنسا، ثم اليابان وأميركا، وأميركا والروسيا الخ...) وتينع ضمنها اتحادات اقليمية، ترعى تنوعاً سياسياً رائعاً. كل ذلك، اضافة الى تحويل الشرعية الدولية التي غدت رمزها اداة لحل النزاعات وعند الحاجة، وفي أقل الحالات، مظلة لحسم بعض الحروب ومعالجة الأزمات الأممية قبل تحوّلها حروباً... مع هامش لتقبل الفشل ومنعه من ان يتحوّل يأساً من الوصول، ولو بعد حين، الى حل.

أوَثمة حاجة الى أن نفصح، عند هذا الحد، فنقول إن القضية الكبرى التي استعصت معالجتها على الأمم المتحدة هي ما صار يسمى "قضية الشرق الأوسط"، والأحرى، في هذا المقام بالذات، ان نقول انها مجموعة صراعات محورها والمسبب "افتعال" الدولة العبرية، اسرائيل، وبقرار من المنظمة الدولية اياها.... ثم، بما لا نظير له في المفارقات، تزامن تقسيم فلسطين مع قبول تقسيم "القارة الهندية" فتنشأ منها أول دولة "اسلامية"، باكستان، التي، من حيث لم تشأ، أسست لشرعية قيام حركات تهدف الى جعل الاسلام دين دولة في العالم الحديث، بعدما كان أتاتورك وثورته في الامبراطورية العثمانية عند هزيمتها قد أطلق الاسلام السياسي على طريق العلمانية باعلان انتهاء زمن "الخلافة".
وتلتقي، في آخر الحروب التي يعيشها لبنان، حصيلة المفارقتين: امبريالية الدولة العبرية واصولية الدولة الاسلامية.
تلك هي جذور "الحرب المفتوحة" التي أعلنها الأمين العام لـ"حزب الله"... والتي، إن لم نفقه ابعادها واسرار توجهاتها، سيبقى الشرق الأوسط، ولبنان محوره، "قضية مفتوحة" حتى تتبدل التوجهات العقائدية وينفصل النفط عن اسباب الحروب!...

الى أين من ذلك كله، في صدد حرب لبنان الحالية؟
الى ضرورة التسليم، منطقياً، ببعض القواعد التي يمليها التاريخ المعاصر، اهمها ان لا مصلحة لأحد في الدعوة الى "حرب مفتوحة"، وخصوصاً اذا كانت ستستظل هذه الحرب نزعات دينية تحرّك أعماق النفس الانسانية والجماهيرية فتذوب عندها المصالح السياسية والاعتبارات القانونية.
من هنا هذا الاقتراح المتكامل لعله يساعد، اذا انطلقنا به في دبلوماسية هجومية غير متسربلة بالحذر والخوف، بل شجاعة خلاقة يساعدنا، بل يقودنا الى إقفال ابواب "الحرب المفتوحة" وأبواب "الجحيم" التي انفتحت منها:
لا مخرج للبنان، ومن ورائه العالم العربي برمته إلاّ بتبني الدعوة التي طرحها الأمين العام للجامعة العربية، في ما قد يصبح أعظم وقفة له ولو مرتجلة: دعوة مجلس الأمن، باسم الدول العربية مجتمعة، الى عقد جلسة استثنائية على أرفع مستوى "سيادي" ممكن، نودعه خلالها "السلام" كقضية، بل وديعة صار حلها علينا مستحيلاً، في ظل الوضع القائم والتصرّفات الحاضرة التي هي بمثابة تكليف لاسرائيل، واقعياً إن لم يكن رسمياً، بتصفية أوضاع فلسطين ولبنان و... استطراداً كل الشرق الأوسط، وصولاً ربما الى ايران "النووية".
تتبنى الجامعة العربية رسمياً القرارات التي أعلنها الرئيس اللبناني فؤاد السنيورة وتنقلها هي الى مجلس الأمن، مرفقة بمشروع السلام العربي الذي أقرّ في قمة بيروت (قمة 2002)، مع طلب تحويل ذلك كله قراراً يفرضه مجلس الامن، والدول الكبرى من ضمنه، على اسرائيل، بموجب الفصل السابع من الميثاق.
وبديهي اننا ما كنا لنقترح ذلك لولا اليقين العام ان قضية الشرق الاوسط ما كانت لتتعقد وتستعصي لولا تداخل حروبها ونزاعاتها، من فلسطين الى ايران، مروراً بالعراق وسوريا طبعا، نتيجة "حروب الآخرين" الكبار والاصغر منهم قليلا، التي اتخذت منطقة الشرق الاوسط مسرحا لها.
يلتزم لبنان بموجب القرار ذاته بسط سيادته على كامل أراضيه، على ان تساعده على ذلك، في الجنوب، القوة الدولية بموجب القرار 425 الذي نص حرفياً على ذلك عند إقراره في آذار 1978. وتعطى قوة الأمم المتحدة، للقيام بهذه المهمة، صلاحية استعمال سلاحها دفاعياً في وجه اسرائيل (الطامحة الى العودة الى نظرية "الحزام الأمني" داخل الاراضي اللبنانية) اذا أصرّت هذه على منع انتشار الجيش اللبناني الذي يكون إذذاك في رعاية دولية مهّد لها مؤتمر بطرسبرج عندما قررت الدول الثماني المبادرة الى دعوة مجلس الأمن لارسال قوة طوارئ للمراقبة. ونذكّر هنا بان ثمة قرارات سابقة من مجلس الأمن طالبت بذلك، ولم تنفذ، منذ العام 1980.
ترفق الجامعة العربية، باسم دولها كلها، رفع القضية الى مجلس الأمن، باشارة صارخة الى انها، اذا لم يقر المجلس مشروع السلام، فهي ستجد نفسها مضطرة الى اللجوء الى حرب اقتصادية تدافع بها عن حقوقها بل سلامتها ووجودها. وطليعة هذه الحرب، البديلة من حروبها العسكرية مع اسرائيل، المكلفة الى حد الاستحالة، قد تكون، مثلاً، قراراً بسيطاً (ثمة سابقة له في السبعينات من القرن العشرين كانت في غاية الفاعلية) باطلاق اسعار النفط و"تغيير قواعد اللعبة الاقتصادية"، في وجه تهويل اسرائيل بتغيير قواعد اللعبة السياسية والعسكرية !

غسان تويني