ســـوريـا أمـــام الـمـنـعـطــف مـن هــنـا إلـى أيـــن؟

 

يـاسـيـن الـحـاج صـالـح

 

كتب هذا المقال تحت تأثير تجربة توقيف قصيرة يوم 8 آذار 2004. لكن لم تمض أيام قليلة حتى وقع حدث قُدِّر له أن يطلق مسلسلا من العنف والتخريب دام أياما. وإذ يبدو اليوم أن الطور الحاد من أزمة 12 آذار قد انتهى على أرجح تقدير، فإن عقابيل الأزمة وأطوارها اللاحقة والحلول السليمة لها ستأخذ وقتا أطول. أبقيتُ الصيغة الأولى للمقال من دون تعديل يُذكر رغم التغير العاصف للحساسيات ودواعي القلق خلال الأيام الأخيرة، ورغم ما سيبدو لكثيرين، ولي أيضا، من تقادم سريع لنبرة النص وتحليله. فإذا كانت بؤرة القلق قبل 12 آذار هي "الفراغ القمعي" غير المعاوض، فإن احتمال "انتفاضة قمعية" منفلتة هو الذي يشغل البال أكثر من غيره بعد 12 آذار. لكني أشعر أن ما يبدو متقادما اليوم لن يلبث أن يبدو أقل تقادما بعد أيام أو أسابيع (وإنما بالأيام والأسابيع يقاس زمن الراهن السوري). أيا يكن، نرجح أن انفجار القامشلي وامتداداته إلى غير منطقة في البلاد قد آذن بانتهاء حال الشلل والجمود التي طبعت السياسة الداخلية السورية منذ ثلاث سنوات. وأمام هذا المنعطف المتوقع والمفاجىء في آن واحد، سمة الحدث التاريخي دائما، لا يبدو أن الخيارات سهلة أمام أي من الفاعلين السوريين، رسميين ومدنيين، عربا وأكرادا. لكن إذا كان من غير الواقعي أن نأمل بحصول الأحسن، فإن من الممكن ومن اللازم أن نعمل على منع وقوع الأسوأ.

 

دمشق...

طوال  الشهور الأخيرة كان في وسع مراقب الشأن الداخلي السوري أن يرصد نسقا ثابتا في تعامل السلطات السورية مع حركات مستقلة أو معارضة تحاول إثبات حضورها علنا في الميدان العام. يسير هذا النسق على الشكل الآتي: اندفاع قوي نحو القمع يتلوه انكفاء سريع و"لفلفة" للمشكلة.

فراغ قمعي؟!

على هذا الغرار تراجعت المحكمة العسكرية في حلب في نهاية الشهر الأول عن قرارها إصدار الأحكام على أظناء قضية الأربعة عشر في حلب (وهم يحاكمون طلقاء) من دون سماع شهود الدفاع أو إتاحة الفرصة للمحامين لتقديم دفوعهم. وكما سرّعت المحكمة فجأة من إجراءاتها وأجرت ثلاث جلسات خلال أسبوع واحد بعدما كان تواتر الجلسات واحدة شهريا تقريبا، فقد انعطفت فجأة وبزاوية حادة لتعود إلى قبول ما رفضته قبلا وإلى تواتر الجلسات السابق. وفي 25 شباط الماضي هوجم طلاب معتصمون في جامعة حلب احتجاجا على المرسوم الرئاسي رقم 6 الذي يلغي التوظيف الآلي للمهندسين في قطاع الدولة. وبعدما ضرب البعثيون في شعبة الحزب في الجامعة  الطلابَ وأهانوهم،  سيق هؤلاء إلى مخفر شرطة قريب حيث أحسنت معاملتهم وأفرج عنهم. ولم يحد التعامل مع اعتصام جرى في دمشق في 8 آذار احتجاجا على استمرار حال الطوارىء عن النسق نفسه. فقد اندفعت الآلة القمعية إلى اعتقال عشرات المعتصمين من دون أن توفر بعض عابري السبيل وديبلوماسياً أجنبياً وصحافيين عرباً وأجانب، وبعد ساعات فقط أفرج عن الجميع من دون اتخاذ أي إجراء ضدهم. وقبل بضعة شهور أوقف كاتب هذه السطور لوقت وجيز لانه كتب مقالا "يهاجم فيه الحكومة القديمة [ ميرو] والجديدة [عطري]" و"ينتهك الخطوط الحمر" وفقا لما قاله ضابط في جهاز الأمن، لكن المشكلة لم تلبث أن طويت مع رغبة صريحة باعتبار "كأن شيئا لم يكن".

كنت كذلك بين موقوفي يوم 8 آذار. وبينما كان بعضنا يتصلون من هواتفهم الخليوية بفضائيات وصحف واصدقاء ناقلين أخبار توقيفهم، كان الشعور الذي تملكني أثناء ساعات التوقيف الأربع هو القلق، القلق من ضعف السلطات لا من قوتها. إنه كذلك قلق من أن التوقيف ليس توقيفا، من إمعان الأسماء في الانفصال عن المسمّيات، من حال اللانظام أو الفوضى المادية والدلالية "المؤذنة بخراب العمران". وبينما قد تكون قوة الحاكمين، غير المقيدة بخاصة، خطرا على المحكومين، فإن ضعفهم غير المعاوض خطر على الكيان السياسي برمته قبل أن يكون خطرا على الحاكمين أنفسهم. ولا يمكن حتى المعارض الذي خبر القوة القمعية العمياء أن لا يخشى تراجع "وازع السلطان" من دون حلول "وازع القرآن" أو ما يعادله محله. ويكون الضعف القمعي أسوأ، بعد، حين يكون عنصرا في ضعف عام متعدد المستويات، أشبه ما يكون بالشلل. والأخطر أن يكون ثمة نظام قمعي وعاجز عن القمع في آن واحد. فحين يكون بنيان السلطة وركائز الاستقرار الداخلي مؤسسة على القمع، وتكون القبضة القمعية واهنة في الوقت نفسه، فإن هذه إجازة أكيدة للفوضى. وإذا كان من المبكر القول إن القمعية، التي كانت الركن الركين لقوة النظام هنا، قد تحولت عبئاً ثقيلاً عليه، فإن القول إننا سائرون بخط مستقيم نحو تحولها مصدر ضعف مناسباً وفي وقته.

يمكن القول أيضا إننا إزاء حال من الفراغ القمعي. وليس ثمة ما يشير إلى أن هذا الفراغ المتولد عن العجز مرشح للامتلاء بسلطة قضائية مهابة أو نظم قانونية فعالة أو حوار سياسي نشط بين الفاعلين السياسيين والاجتماعيين السوريين. والمشكلة أن الأسباب نفسها التي أفضت إلى حال الضعف والفراغ، أعني مزيج الضغط الخارجي والعجز عن معالجة المشكلات الداخلية، تستوجب القدرة والحكمة. ولعله لم يمر على سوريا، منذ عقود، ظرف تحتاج فيه إلى كل قوتها وكل وحدتها أكثر من الظرف الحالي; ولعله منذ عقود، في المقابل، لم تظهر سوريا الرسمية درجة من شلل الإرادة وبلبلة الإدراك أكثر من هذا الظرف. كل ذلك خطير ومشؤوم.

لا ترتد قوة أي نظام إلى قدرته على القمع بالطبع، لكن عجز أي نظام عن القمع مؤشر أكيد الى ضعفه. فالقمع وظيفة أساسية من وظائف الدولة وجهاز أساسي من أجهزتها. وتبديداً لأي سوء فهم محتمل فإننا لا نعني أن النظام لا يملك القوة المادية على الضرب والإكراه وتحطيم أي قوة داخلية قد تتحداه; ما نعنيه بالأحرى هو انخذال إرادة القمع والتحطيم تحت وطأة انكشاف القمعية السورية، بل الهزيمة الأخلاقية لنظام الحزب الواحد على العموم. وقد تفاعلت هذه الهزيمة مع كل من صعود المطالب الديموقراطية المحلية خلال بضع السنوات الأخيرة، والضغط الأميركي المباشر بعد احتلال العراق وما واكبه وتلاه من نشر السجل الشنيع للبعثية العراقية وتعميمه، ومع فشل السلطات السورية في توسيع قاعدة ارتكازها الاجتماعية، لتقود إلى انثلام السلاح القمعي السوري.

لذلك من غير المحتمل أن يستطيع النظام تنشيط وظيفته القمعية الشرعية إلا بقدر ما تكون هذه بندا في خطة إصلاحية متكاملة تنفتح على شرعية جديدة: شرعية ما بعد نظام الحزب الواحد. إن العجز عن القمع اليوم عنصر في عجز أشمل، وهو بمعنى ما ثمن العجز عن الإصلاح.

تجديد القمعية السورية

أصل الضعف السوري الراهن هو تثبت نخبة السلطة على مفهوم القوة/ القمع (بالتوازي مع غياب مفهوم الدولة في وعيها) الذي أثبت نجوعه المحلي والإقليمي منذ النصف الثاني من السبعينات وصولا إلى نهاية القرن العشرين. ما يغفله هذا التصور هو الشروط الدولية والإقليمية التي حفّت بسياسة القوة السورية الناجحة: الحرب الباردة، التقاطع السوري الأميركي حول لبنان، المشاركة في الحرب الدولية ضد العراق ثم في مؤتمر مدريد في تسعينات القرن المنقضي. وفي المجمل ساعدت هذه الشروط في وضع المجتمع السوري بين قوسين، واختزاله إلى مجرد ركيزة لسياسة قوة محولة أو غير ذاتية.

بعدما كانت هذه السياسة سيئة من وجهة نظر المصالح الوطنية السورية، أضحت اليوم غير ممكنة: لم يعد ثمة تحويلات قوة، وتقاطع الأمس تحول، بعد 11 أيلول ثم بعد 9 نيسان 2003، تعارضاً يتحكم الطرف الأميركي وحده بقرار التصعيد أو التهدئة فيه، وتوقيتهما.

بعد تبدل بيئة القوة الدولية والإقليمية دخلت صيغة القوة/ القمع طور أفولها، وأخذ ينقلب عليها الذين أتاحوا بقاءها في الماضي، سواء الخارجيين الذين قدّموا الغطاء لها أو منحوا تحويلات قوة مباشرة، أو بعض الداخليين الذين راكموا الثروات في ظلها وأضحوا يريدون تحديثها لأسباب اقتصادية واستثمارية. ويعني هذا الشرط أن الوظيفة القمعية باتت تحتاج إلى تأسيس جديد، سياسي ومعنوي وجهازي، كي تستعيد فاعليتها واعتبارها. فمهما بدا وقع ذلك غريبا على أسماعنا الديموقراطية فإن ما تمس الحاجة إليه في سوريا هو تجديد الوظيفة القمعية الضروري وليس إلغاءها الضار والمستحيل. ذلك أن نظاما قمعيا عاجزاً عن القمع قد يكون أسوأ وأخطر من نظام قمعي نشط. ثم إننا نميل إلى أن الحاجة إلى القمع ستزيد في الفترة المقبلة بالتناسب مع دخول البلاد في مرحلة انتقالية جديدة غير واضحة الملامح. لقد انتهى القمع القديم العدواني، غير العاقل، المضاد للقانون والسياسة والمنفصل عن العدالة، عند تقاطع نضوب تحويلات القوة المغذية له مع انكشافه الأخلاقي. وإن لم تنفتح النهاية على نوع من القمع العاقل، المتجرد، المحكوم بالقانون، فإن السبيل الآخر هو الفوضى، أي تناثر العنف في المجتمع وخصخصته.

الديموقراطيون السوريون مطالبون بإدراك أن الخيار الأرجح أمامنا ليس وجود القمع أو زواله بل احتكار القمع أو تفشيه. وفي حين قد يتعارض القمع المحتكر مع الشرعية، فإن القمع المتفشي على شكل عنف منتشر لا يمكن أن يكون شرعيا بالضرورة. ولا نظن أحدا يجادل في الظروف الحالية في احتمال أن يكون العنف المنتشر تغييريا وموقتا ومؤسسا لشرعية جديدة، بينما من الوارد جدا أن يكون تدميريا ومديدا وعدميا. وليس من المستبعد أن ينتحل تفشي العنف قناعا إنقاذيا لأول وهلة ليبدو ردا على العجز القمعي ومنعا للأمور من الانفلات، لكنه قد لا يفضي في شروط الضعف العام الحالية إلا إلى حريق عام منتشر. هذه احتمالات واردة، وقد يفيد أن نعتبرها مسلّمات ينطلق منها العمل السياسي المعارض والرسمي، بينما يضر بالتأكيد ان نتجاهلها.       

على أن السؤال الصحيح، في الواقع، ليس ما إذا كانت القمعية السورية بحاجة إلى مراجعة وإصلاح، بل ما إذا كان من الممكن إصلاحها بمعزل عن عملية إصلاحية كبرى تعيد تأسيس السلطة والحياة السياسية السورية على قواعد دستورية وتمثيلية جديدة. ونميل إلى أن ضيق الوقت المتاح أمام جميع الفاعلين السياسيين المحليين الضعفاء يرجح إصلاحات إسعافية وجزئية، ويمنح دورا حاسماً للمسؤولين المباشرين وميزاتهم الشخصية، ويتطلب غير قليل من التوفيق والحظ.

الشلل المقعد

المشكلة البنيوية الأخطر سورياً هي تماهي السلطة والدولة، مما يرهن مصير الثانية بتقلبات حظوظ الأولى، ومما يجعل التغيير السياسي الحيوي محفوفا بأخطار تداعي النظام العام. وفي منعرج الضعف العام الذي قاد إليه الجوار الأميركي الضاغط والعجز عن استنفار الحيوية الداخلية (بسبب حال الطوارئ المديدة وليس رغما عنها) اضحى مسار التماهي المذكور انحداريا بصورة مقلقة.  لم يتفرع هذا المسار من مجرد تمكن الأميركيين من احتلال العراق بسهولة وإسقاط نظام صدام البعثي، وبالتالي تحطيم أسطورة نظام الحزب الواحد، القائد، الصامد; لقد نشأ بالأحرى من التفاعل السلبي للنظام مع سقوط نظيره العراقي وإيهام النفس بأن أسطورته هو لم تمس. فبعد قرابة عام من سقوط نظام بغداد لا يبدو أن نخبة السلطة السورية قد حاولت، أو حتى فكرت، في تطوير استراتيجيا وطنية سورية للتعامل مع واقع جديد يطرح تحديات استراتيجية وسياسية وإيديولوجية واقتصادية، أو في توسيع القاعدة الاجتماعية السياسية لتحمل أعباء هذه المرحلة الحرجة وأخطارها فعلا. ويفسر تقرير صدر أخيرا عن "المجموعة الدولية لمقاربة الأزمات" بعنوان "سوريا في ظل بشار" هذا الشلل بخشية النخبة من أن أي تعديل على بنية النظام قد يفضي إلى تقويضه كله. وإذا صح أنها تصدر عن مخاوف كهذه فإن نخبة السلطة تكون قد حشرت نفسها في وضع مستحيل: لا تستطيع أن تتقدم ولا أن تتراجع، أو تتقدم فترا لتتراجع عنه بعد قليل. وهذا وضع بالغ الخطورة وهو، وليس محاولة الإصلاح، الذي قد يتسبب في انهيار عام.

إنقاذ وطني!

تعاني سوريا حالة ضعف عامة تتعدى نظامها السياسي لتشمل مجتمعها المدني وقواها السياسية ونخبها المثقفة. إن انغلاق النظام السياسي طوال أربعة عقود والافتقار إلى آليات تصحيح وتجديد ذاتية هو السبب الأهم في الضعف العام الذي أخذ يرتد في السنوات الأخيرة على النظام نفسه. مضى وقت كان يمكن ان نجد نظاما أقوى من بلده. اليوم، وبعد التحول الامبراطوري للولايات المتحدة صار من الوارد جدا أن نجد، في "الشرق الأوسط" على الخصوص، نظما أضعف من بلدانها. وفي كل الأحوال باتت قوة النظم وضعفها تابعة لموقعها في النظام الامبراطوري للشرق الأوسط. ففرص اللاتكيف الإيجابي في ظل الامبراطورية محدودة ومرهونة بمستوى التماسك الداخلي واتساع قاعدة ارتكاز النظم السياسية. سوريا في موقع قلق ضمن الترتيب الامبراطوري الجديد. وفي بنيانها الحالي لا تستطيع الرد على ما يطرحه من تحديات، بل إن افتقار هذا البنيان للمرونة في سياق تغيرات كبيرة وعاصفة، ينعكس تراكما للضعف.

إذا صح هذا التحليل فإنه يقتضي أن يفكر الفاعلون العامون، معارضين وغير معارضين، في التحول نحو منطق الإنقاذ الوطني. العمل المطلوب من المعارضة بمختلف مكوناتها وتياراتها أكبر بكثير من مواجهة السلطة، وأهم بكثير من مسألة السلطة أصلا; إنه بالأحرى مواجهة الرأي العام بخطورة الأوضاع في البلاد وحولها، وبضرورة الخروج من هذا المأزق بأعلى درجة من التماسك الوطني وبأقل قدر من الخسائر.  

لتقاسم أعباء التعامل مع مرحلة الهجوم الأميركي، سوريا محتاجة إلى طي صفحة نظام الحزب الواحد وبناء تحالف وطني عريض. الفشل في ذلك يهدد وحدة البلاد ويهدر عقودا واجيالا إضافية.

استطراد حول أزمة 12 آذار

بصرف النظر عن أي تحليل لأسباب أزمة 12 آذار، وأي تقويم لأداء الأطراف المختلفين أثناءها، وأي احتمالات مستقبلية لتفاعلها، وأية عقابيل ستخلفها، فإن ما لا جدال فيه أنها ذات بعد سيادي يمس كيان البلاد ووحدتها، ولا يقتصر على اعتراضات مشروعة أو مشروعة جدا على حرمانات سياسية متنوعة. ولذلك بالذات قد تكون الأزمة منطلقا لتدشين "انتفاضة قمعية" تفك طوق الحصار الأخلاقي عن نظام الحزب الواحد، وتمكنه من الانتقال إلى مواقع الهجوم ومحاصرة المطالب الديموقراطية والتغييرية بذريعة انها تعرّض استقرار البلاد ووحدتها للخطر. وأهم من ذلك أن الأزمة قد تكون فرصة لتجديد القمعية السورية على أسس شرعية من دون أن تكون عنصرا في عملية إصلاحية سياسية ومعنوية وجهازية وفقا لما تصور النص فوق، بل ومع اتخاذها منطلقا لدفن أي بقية باقية من نيات إصلاحية. في تاريخ سوريا الحديث في مجمله قامت الأخطار السيادية بمد حبل الخلاص لنخبة القرار من تحمل مسؤولية أخطائها السياسية، وأزمة 12 آذار قد لا تشذ عن هذا الدور "الإنقاذي" لصيغة القوة/ القمع، وقد تخدم كجرعة مقوية لتجديد شباب حال الطوارئ المكتهلة.

لكن إن كتب لانتفاضة قمعية غير مقيدة أن تهبّ في وجه ما تعرض له نظام الحزب الواحد من انكشاف أخلاقي خلال العام الأخير فستحمل من الأخطار ما يفوق أخطار الأزمة التي ولدت منها. ذلك أن القمع لا يمكن أن يكون سوى علاج إسعافي في أحسن الأحوال. إنه وسيلة لإلحاق الهزيمة بخصم لا لتحقيق النصر الذي لا يمكن إلا أن يكون سياسيا.

في المقابل يمكن أزمة 12 آذار أن تكون منطلقا لانتفاضة إصلاحية يكون تجديد  القمعية السورية وإصلاحها عنصرا فيها، والتصدي للمشكلات الحقوقية والسياسية والثقافية الكامنة خلف تفجر الأزمة عنصرا آخر، وإعادة بناء الوطنية السورية على أسس دستورية وتمثيلية جديدة إطارها العام.