حرب لبنان بين الشاشات: مسلسلات خليجو/مكسيكية ونفير رياضي عام!

حكم البابا  القدس العربي

 

 


مزاجي عكر، وأعاني تشوشاً في تحديد موقف من الحرب التي يخوضها العدو الاسرائيلي كلها علي أرض لبنان، في حين يخوض حزب الله أغلبها في قناة المنار، أشاهد علي كل الشاشات العربية حجم الهمجية الاسرائيلية، ولاأستطيع أن أكون في صف حزب الله، فأنا لا أؤمن بمبدأ ليس حباً بعلي ولكن كرهاً بمعاوية، ويمكنني الجزم بأني لست العربي الوحيد الذي شعر بالتشويش، ولم يستطع إلغاء عقله لصالح عاطفته، ولا أظن أن حرباً أو مواجهة عسكرية حدثت بين أي طرف عربي واسرائيل، أحدثت لغطاًً وخلافاً وانقساماً بين العرب، ولم تحظ باجماع كامل لمواقفهم ـ المعلنة علي الأقل ـ في الوقوف إلي جانب الطرف العربي، كما أحدثته الحرب الاسرائيلية الدائرة الآن في الأراضي اللبنانية، وليس أمامي سوي اتخاذ واحد من موقفين تجاه الحرب، فإما أن أحذو حذو محطة الـ
LBCI في تعاملها مع الحدث الهمجي الذي رغم أنه يجري علي بعد عدة أمتار من مبناها، إلاّ أنها فضلت أن تعرض علي شاشاتها بعضاً من نماذج المصائب الدرامية العربية، عوضاً عن عرض المصيبة اللبنانية الحيّة التي تبثها باقي المحطات التلفزيونية اللبنانية علي الهواء مباشرة، ربما علي مبدأ أن من يري مصيبة غيره تهون عليه مصيبته، فبينما كانت الطائرات الاسرائيلية تقصف مطار بيروت، رأت الـ LBCI أن تعرض مسلسلاً من بطولة الفنان المصري محمود ياسين، يفضل مشاهده أن يكون في العراء وعلي أحد مدرجات المطار، وفي مرمي الطيران الاسرائيلي علي أن يكون مستلقياً علي أريكته وفي مرمي محمود ياسين.
وعندما كانت الزوارق الاسرائيلية تطلق قذائفها علي الضاحية الجنوبية، وجدت الـ
LBCI أنه الوقت الأنسب لعرض مسلسل للفنانة يسرا، والذي يتمني مشاهده أن يكون خلال زمن عرض المسلسل، ليس فقط في الضاحية الجنوبية، وإنما تحديداً في المربع الأمني التابع لحزب الله فيها.
وفي الوقت الذي كانت فيه اسرائيل تدمر الموانئ اللبنانية البحرية، اختارت الـ
LBCI مسلسلاً مكسيكياً مدبلجاً للعرض علي شاشتها، يدفع متابعه للتفكير بأن يصعد إلي رأس منارة بيروت في مواجهة القصف الاسرائيلي كاشفاً صدره، زاعقاً بالبوارج الاسرائيلية: أنا من حزب الله، أنا مقاوم، فذلك أهون عليه من مواجهة غلاظة الحبكة والأداء المكسيكيين، الممزوجين بحوار بالفصحي اللبنانية.
أما عندما انهمكت الطائرات الاسرائيلية بتدمير الجسور وقطع الطرق البرية التي تربط لبنان بما حوله، فقد قررت الـ
LBCI علي مشاهديها مسلسلاً خليجياً، يدفعهم بدون أن يأخذوا وقتاً في التفكير لمغادرة بيوتهم والركض في الشوارع، وكل منهم يصرخ للطائرات الاسرائيلية مشيراً إلي نفسه: أنا جسر، أنا نفق، أنا شارع!
أما الموقف الثاني الذي كان أمامي خيار اتخاذه في حال لم يرقني خيار الـ
LBCI، فهو السير علي هدي الفضائية السورية التي تبحث عادةً عن مأتم لتلطم فيه، والتي للمرة الأولي منذ انشائها لم تسأل في تعليقاتها السياسية سؤالها الشهير: ولماذا في هذا التوقيت بالذات؟ بل عمدت فوراً إلي إخراج سلاحها الاستراتيجي كله من الأغاني الحماسية والوطنية، لتجسد ليس بالكلمة وحدها، بل وباللحن والغناء مبدأ وحدة المسارين، وأعلنت حالة الاستنفار والتأهب القصويين بين صفوف مذيعيها، الذين بذلوا ما في وسعهم لاظهار ملكاتهم الجهادية التلفزيونية، في تطعيم التغطية المباشرة للحرب بحماسة التعليق الرياضي لمباراة بكرة القدم أحد طرفيها يشجعه المذيع، وأعلنت النفير العام للمحللين السياسيين والاستراتيجيين، المختصين في تفسير الآية القرآنية الكريمة إذهب أنت وربك فقاتلا إنّا هاهنا قاعدون ، واستدعت حتي الاحتياط من أرباعهم وأثلاثهم وأخماسهم، بحيث يظن المشاهد وهو يري تأتأتهم وفأفأتهم ولجلجتهم أن ما تعرضه الفضائية السورية تصفيات بين متسابقين في برنامج طريق النجوم لاكتشاف المواهب، لا نشرة أخبار أو برنامجاً سياسياً، أو تغطية حية لحرب مدمرة.
بين خيار الـ
LBCI الصامت المتجاهل، وخيار الفضائية السورية المنفعل الحماسي بشكل لايتجاوز باب الاستديو التلفزيوني، كان علي أن أحدد موقفاً، وإذا كنت لا أختلف ـ كغيري من العرب ـ مع حزب الله في اعتبار اسرائيل عدوة، وأن أي سلام معها هو في جوهره مثل زواج المتعة المؤقت، ليس له من هدف إلا إضفاء واجهة شرعية لفعل الدعارة، فإني ـ ككثيرين من العرب ـ أختلف معه في أن يجعل التعريف الأهم للمواطن اللبناني هو مشروع شهيد يمشي علي قدمين، وأن يحوله إلي مسيح رغماً عنه، وأن تكون أربعينية أو سنوية الوفاة هي المناسبات الأكثر تذكراً لدي الأسر اللبنانية بدلاً من أعياد الميلاد، وأن يكون المحصول القومي للعرب هو الشهداء بدلاً من القمح أو القطن.
وأختلف معه ـ ككثيرين من العرب أيضاً ـ في تحويل لبنان كله إلي جبال تورا بورا، فما يجري اليوم في لبنان هو إعادة تمثيل لأحداث 11 أيلول (سبتمبر) بشكل مصغر، بطريقة مشابهة لعمليات تمصير الأفلام الأمريكية، فيحل الجنديين الاسرائيلين في الصورة مكان برجي مبني التجارة العالمي في الأصل، ويأخذ أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله، دور الشيخ أسامة بن لادن في اختفائه واستخدامه للرسائل الصوتية كوسيلة وحيدة لمخاطبة العرب والمسلمين، ولايقل الاسرائيلي وحشية عن الأمريكي في النسختين الأفغانية واللبنانية، وتكاد تكون حالة انقسام الشارع العربي والاسلامي في تأييد أو رفض فعل الانتحار للأصل والصورة متطابقة.
وأختلف مع حزب الله ـ ككثيرين من العرب أيضاً ـ في إضافة هزيمة جديدة للعرب، فما يحدث في لبنان هو تكرار لهزيمة العرب الكبري في العراق، وتذكرني حالة النفخ الاسرائيلية والعربية بقدرات حزب الله الاستثنائية، بمئات المحللين الاستراتيجيين الذين غزوا الشاشات العربية ليهولوا بقدرات العراق العسكرية، من الحديث عن ترسانة سلاحه التي انتظرها العرب طويلاً ولم تظهر، وصولاً إلي تقييم قدرات جيشه كرابع قوة في العالم، وتعيدني صورة صواريخ حزب الله علي نهاريا وطبريا وحيفا وأنا أشاهد السعادة الغامرة لاطلاقها في القنوات التلفزيونية، إلي صورة صواريخ صدام حسين التي كنا نجلس أمام التلفزيون بانتظار وصولها إلي اسرائيل في حرب الخليج الأولي، ولا أستطيع منع نفسي من المقارنة بين الحفاوة التي استقبل بها ضرب حزب الله للبارجة الاسرائيلية، وبين التهليل الذي لقيه اصطياد الفلاح العراقي منقاش طائرة الأباتشي الأمريكية ببندقية صيد، وإذا كان صدام حسين قد راهن في حربه علي الشارعين العربي والاسلامي، وتمني في أعماق نفسه أن تقوم الجيوش العربية بفتح جبهات أخري للتخفيف عنه، ولم يحظ بأكثر مما عرضته التلفزيونات من تظاهرات كانت أكبرها ـ للأسف ـ في الغرب وليس في ديار العروبة والاسلام، وعدد من الأعلام الأمريكية التي تشتعل أمام عدسات الكاميرات، وبعض الأغاني الحماسية في المحطات التلفزيونية، وهذا بالضبط أكثر ما يستطيع أن يقدمه الشارعان العربي والاسلامي أو الحلفاء لحزب الله، الذي راهن عليهم السيد حسن نصر الله في رسالته الصوتية التي بثتها المحطات التلفزيونية.
أكثر ما أخشاه هو أن تتكرر النكتة الروسية التي شاعت أثناء الحصار الاسرائيلي لبيروت، مع استبدال اسم الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات بالسيد حسن نصر الله، حين سئل طالب سوفييتي في الامتحان عن ستالين، فأجاب أنه بطل قومي للشعب السوفييتي استدرج الألمان حتي حدود لينينغراد ليحاصروها، وانتظر هطول الثلج فحاربهم وهزمهم، وكان السؤال التالي الذي وجه له عن ياسر عرفات، فأجاب بأنه بطل قومي للشعب الفلسطيني، استدرج الاسرائيليين حتي حدود بيروت ليحاصروها، ولايزال ينتظر الثلج!
كاتب من سورية
hakambaba@hotmail.com