مكاشفة في واقع الصراع العربي الإسرائيلي

نسيم ضاهر  السفير

 

بعد مضي حوالى ستة عقود على ما اصطلحنا على تسميته بالنكبة في فلسطين، حان وقت التدقيق في ما آل إليه الصراع العربي / الإسرائيلي. وأسارع إلى القول ان ملامسة هذا الموضوع بلغة الحاضر سوف لن تسلم من طعنات حراس الهيكل الساهرين على صنمية شعارية ترفض المكاشفة وتصر على إغراق كل مقاربة في دائرة الرومانسية البكائية. هذا إذا لم تشحذ السيوف القاطعة وتمارس الإرهاب المعنوي الفكري بغية ترحيل المسائل الشائكة امتطاء صهوة الشعبوية طمساً للوقائع وتسفيهاً للموضوعية العقلانية.
كما ألفت إلى أن المراد في الأساس إنما يعنى بمستقبل الجانب العسكري الصدامي من الصراع حصراً، أي انه لا يسقط بتاتاً سائر أوجه الصراع ويؤكد على سكناها في الوجدان العربي بمعزل عن احتمالات التسوية (أو عدمها) وأشكالها ونصابها. بهذا المعنى، ما من حاجة لدي بتلاوة فعل إيمان بحق العرب التاريخي في الأرض، والقناعة الكاملة بأن المعاهدات المعقودة أو التي قد تقطع بصفة حقوقية دولتية، غير قادرة ولا مؤهَّلة لإخضاع ضمير الشعوب ومزاجها العام أو سلبها الحق في معتقد الظلامة التاريخية الكبرى التي لحقت بالشعب الفلسطيني وفرقت أوصاله على أرضه وفي الشتات.
إن ظلم التاريخ الاستعماري من القباحة بشواهده المعمورة، تستوي القضية الفلسطينية منه في أبشع الصور النابية المتمثلة باقتلاع غير مسبوق لشعب مسالم من دياره وإبعاده قسراً عن معظمها، وما رافقها من إحلال <مهاجرين> توسلوا الاستيطان سبيلاً إلى الهوية على حساب أصحاب الأرض الشرعيين. فتأريخ المآسي، الماضية والحاضرة، يحفل بنماذج التنكيل والاحتواء العنصري وإعمال الآلة العسكرية في جسد الطرف الضعيف المنهك الذي لم تشفع به ثوراته وانتفاضاته المتكررة في الوصول إلى بر الأمان، ناهيك عن انتزاع حقوقه الإنسانية الأساسية في العيش بكرامة ضمن دولته المستقلة.
لكن الخروج من نفق الظلمة دونه المتاح والمتوافر من وسائل جهزت وإمكانيات راكمها الصمود وصقلها الإعداد المادي والتقني الدؤوب. على هذا الصعيد، لا يفيد في الأمر تعظيم القدرات الذاتية واستحضار عوامل عجائبية تقلب موازين القوى إرادياً، أو تزدري بتفوق إسرائيل في الميدان العسكري وفي إدارة العمليات خلال الحروب الماضية، وجاهزيتها واحترافها وتمتعها بدعم دولي يتيح لها الإمداد النوعي السريع. فثمة حسابات تفرض منطقها في المواجهة التقليدية، تعزز رجحان كفة إسرائيل المؤيدة بما أفضت إليه تجارب الحروب الماضية. أضف أن معاهدتي سلام أخرجتا مصر والأردن تباعاً من دول الطوق وحصرتا النزاع بالجهة الشمالية لإشعار آخر، وفي المدى المرئي على الأقل. أما سوريا، التي ما يزال جولانها محتلاً، فهي ملتزمة اتفاقية فصل القوات الموقعة اثر حرب تشرين عام ,73 ولم يشهد قاطعها أي مناوشات تخرق الهدوء المستمر على طرفي الخطوط أو تحريك وتمركز قوات مخالف، بشهادة الأمم المتحدة.
لهذه الاعتبارات قرر القادة العرب المجتمعون في قمة بيروت تأييد الجهود السلمية، وانحازوا إلى مفهوم السلام العادل والشامل متبنين استراتيجية السلام والمفاوضات سبيلاً إليها.
هل يعبر واقع الخيارات الرسمية العربية عن المزاج الشعبي العام؟ من المشكوك به أن تتلقف الجماهير تراجعاً عن اللاءات الثلاث، ولد بالمحصلة من رحم الهزائم العسكرية وتعاظم التفاوت في القدرات الكلاسيكية. مع ذلك يبقى أن الطرح العربي الرسمي استبطن تغييراً ملموساً في مقاربة الصراع، احتوى، بما لا يقبل الجدال، معالم تكيف مع المناخ الدولي، وقراءة جديدة بمضامين تنحو باتجاه التسوية على قاعدة إنقاذية تحد من النزف والخسارة، وتحض على القبول (غير المضمون) بتنازلات تاريخية جسيمة رسمها مسار الصراع وانتفاء القدرة على الحسم بالوسائل المسلحة، وما هو أفقع، عنيت انكماش رقعة المواجهة وتضاؤل الأمل بتبدل ميزان القوى من منظور عربي محض.
خفضت الدول العربية سقف طروحاتها. بذلك رضخت <طوعا> وسلَّمت بآثار الهزيمة دون إعلان. بل إنها زيَّنت موقفها باشتراط انسحاب إسرائيل الكامل من الأراضي المحتلة عام 67 وإقامة دولة فلسطينية مستقلة، وتطبيق القرارات الدولية ذات الصلة. فتحت الباب للمفاوضات، وهي عليمة بأن التفاوض، في نهاية الأمر، قد يستدعي تنازلات إضافية أبقتها طي الكتمان. هنا تجدر المصارحة بأن القبول بمبدأ التفاوض حمَّال أوجه، لا ينفيها التوكيد على الحقوق المشروعة من جانب واحد (واستدرار العطف الدولي)، لأن الوصول إلى الحل النهائي المنشود، ولو برزمة واحدة متبادلة، يمر من الوجهة العملية، بتدرج الخطوات وصياغة الضمانات واستنباط مخرج أو مخارج لقضية عودة اللاجئين الشائكة (إلى ديارهم الأصلية)، وخصوصاً استيعاب أمر واقع في محيط القدس ثمناً لتفكيك مستوطنات في عمق الضفة الغربية، وجميعها علقم بغيض يقاربه شرب السم الزعاف. ولقد أعطت المفاوضات السورية / الإسرائيلية السابقة، المتوقفة حالياً، نموذجاً صارخاً على تعنت إسرائيل وتشبثها بأمتار معدودة على الضفة الشرقية من بحيرة طبريَّا، مما أفشل المفاوضات برمتها تحت الرعاية الأميركية المباشرة.
انضمت منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية المنبثقة عنها إلى مقررات القمة العربية المنعقدة في بيروت، ووقفت سوريا منها موقف القابل الممتعض. والحال أن جذوة مناهضة المقررات لم تنطفئ، إذ وجدت سنداً لها في منظمات الرفض الفلسطينية، وتنظيمات شعبية يؤازها الإعلام في غير بلد عربي، بما يشمل مصر والأردن صاحبتي معاهدتي السلام مع إسرائيل. ولئن أجبرت المقاومة إسرائيل على الانسحاب من جنوب لبنان، وفازت حماس لاحقاً في الانتخابات التشريعية، حظي الرفض الراديكالي برافدين أساسيين، حزب الله وحماس، مؤيدين من الثورة الإسلامية في إيران، وانتقلت المناهضة إلى حيِّز متقدم خوَّلها المجاهرة باستراتيجية بديلة، هي، في الجوهر، عودة لمفهوم الحرب الشعبية، المتكئة على حليفين متكافلين، إيران المدد من بعيد الجغرافيا وقرب مدى الصواريخ (والقدرة النووية قيد البناء) وسوريا المتاخمة المحصنة بخطاب قومي متشدد يستنفر <أوراقه> الإقليمية دون المساس بمصلحة الدولة في انتهاج الممانعة على إيقاع مضبوط قوامه هدنة فعلية على الأرض وتمسك بخيار السلام في المحافل والعلاقات الدولية. كذلك، ورغم دخان القنابل الصوتية، حافظ حزب الله على براغماتية عالية في المناوشة الموزونة منذ عام ,2000 فيما تبحث حماس من موقعها الملتحم بالسلطة عن صيغة تزاوج العنفوان المقاوم والشعارات المؤسسية مع مسؤولية الحكم وأعبائه في ظل الاحتلال.
مجدداً، وبتجرد كلي، يبدو للمتابع أن واقع الصراع العربي/ الإسرائيلي على غير الصورة المحفورة في الأذهان الساعية إلى تأبيده وإظهار اشتعاله المستمر. والحقيقة أن العنصر الساخن فيه، مرده البطش الإسرائيلي والحملات التأديبية المتلاحقة التي يشنها الاحتلال في الأرض المحتلة بحق الفلسطينيين العاجزين، لتاريخه، عن صوغ موقف موحَّد يسمح بالتخفيف من وطأة القمع الإسرائيلي أو تجنب مفاعيله ويفتح كوة في جدار مفاوضات مؤجلة كثرت عناوين طريقها، والتهمتها نيرات الحوامات والدبابات الإسرائيلية تكراراً بذريعة أمنية وجدارية استيطانية من هنا، ونوازع طيش وتفريط ومزايدة فئوية تجاهلت الأفخاخ الإسرائيلية المنصوبة، ووقعت أحياناً في شراكها، من هناك.
إن تعداد المظالم والسكن في ماضي المأساة ينفع حتماً للذكرى ويحمل على عدم النسيان. لكنه يشكو من نقص فادح في الكفاية حيال المهام الحاضرة، وصناعة رؤية مستقبلية متماسكة. وإذ يؤخذ على الإرجاعيين حرفيتهم المطلقة وقراءتهم الجامدة للمتحولات، السلبية منها بالأخص، يردّون بتفانيهم وصدقية التزامهم واستعدادهم للتضحية، أي انهم يقيمون حسنات سلوكهم وقناعتهم مقام الحجة على صحة التقدير.
إلى ذلك، فإنهم يتغاضون عن أسباب توسلهم رافعة دينية صرفة بما يتخطى المشهد الوطني، أدَّت إلى احتجاب العامل التحرري التاريخي، وإسباغ طابع أصولي على مسرى الكفاح، له معاييره ومقاييسه ومواصفاته الجهادية.
أوقعت منظومة الفكر الجهادي نفسها في أسر مانوية مطلقة، دليلها الحلال والحرام، بخلاف حليفها السوري. كبَّلت يديها بأصفاد عقيدية مرجعية شديدة الوطأة على حركتها، قطعت طريق العودة عن الخطأ والمراجعة النقدية. واستطراداً جعلت الخيار الوحيد قدراً والعمليات الانتحارية (الاستشهادية) قدوة ونبراساً، تبحث عن أبطال بمعزل عن النتائج البعيدة المدى ذات المحمول الكارثي. لذلك، شق الإيغال دربه وقاد إلى استنتاجات مسبقة في الواقع، استولدها الإصرار على مسلك الأسلوب الواحد الوحيد وأبلسة من يحيد عن منطق صراع الوجود المؤبد.
لقد دفع المواطن العربي، والفلسطيني بخاصة، أثماناً باهظة مكلفة ودماء، نتيجة التعنُّت الشعبوي وسوء التقدير والقرارات المرتجلة. دار التاريخ دورته على مر العقود، فيما استنجد طرف عربي، عند كل منعطف، بتأويلات مستحدثة جذابة في مظهرها وحميتها، بدءًا بالثأر وصولاً إلى الاستشهاد، مروراً بالقاهر والنشامى والفتوة وتشرين المجيد، وما زالت إسرائيل توزع رسائلها النارية تخرق طائراتها الأجواء وتحلِّق فوق القصور الشامخة.
مرَّت عقود، والشعب الفلسطيني المثخن ينادي الأشقاء برفع يد الوصاية على آلامه وتمكينه من استدلال الطريق ورسم سياساته المستقلة وفق مراده وظروفه. فلا هو بمتسول، ولا هو بقاصر ينقصه التصميم وتعوزه الإرادة والرجال.
ولقد أنزلت العنتريات الكلامية أشد المصاب به وبجسده وكيانه، وأرهقت المستحضرات <النضالية> ديمومة كفاحه، تمننه بجبهة عريضة ساكنة، وتحثه على بذل المزيد من التضحيات مجاناً كرمى لشبق السلطة لدى ناصحيه، وإنفاذاً لرؤى أسطورية صنعها المأزوم تلوَّنت عبر الأيام ولم تتبدل.
ولأنَّ فلسطين، قضية العرب المركزية، تمر بأصعب وأحلك مراحلها، وتنوء تحت سوط المحتل، جاز لمحبيها الصادقين رفع الصوت أمام المكابرين القصوويين، والمطالبة بنزع الأقنعة والكف عن التلويح بحبال من الرمال مغلفة بورق الاستراتيجية. الشفافية تبدأ بتنقيح قاموس الكلمات من رطانة تخدِّر الضحية المتألمة وتضحك منزلها، ومن مفردات مدرسة محاكم التفتيش الشعارية. والصدقية المفقودة تعالج بادئاً بتقديم ما آل إليه الصراع العربي الإسرائيلي والاعتراف بحقائقه ومعرفة فرسانه الأوفياء لمبدأ الدولة الفلسطينية وسبيلها، العاملين على انتزاعها من براثن الاحتلال. وغير ذلك، مجرد ضجيج وقحط مموَّه، وسراب في أفضل الأحوال.
(?) كاتب لبناني