عن الأمن المطلق والمقاومة المطلقة وزيغ الحداثة

ياسين الحاج صالح

الحياة     - 09/07/06//

يتخطى الفتك الإسرائيلي بغزة إنقاذ حياة جندي وتفكيك حكومة حماس إلى فرض عقيدة الأمن المطلق الإسرائيلي في وجه أي تجاسر على تحدّيها أو مساس محتمل بفاعليتها الردعية. تضمر العقيدة هذه أن تهديد حياة أي إسرائيلي هو تهديد لقضية إسرائيل وكيانها ذاته. فإذا سكتت عليه أو تهاونت في ردها انفتحت ثغرة في أمنها تطل على تهديد الإسرائيليين جميعا. لذلك لا معنى للكلام على عنف مفرط أو غير متناسب هنا، وهو سقف المآخذ الغربية على العنف الإسرائيلي. فمقياس العنف من وجهة النظر الإسرائيلية هو مقياس عقيدة الأمن المطلق، وليس حجم تهديدات محتملة تتعرض لها دولة اليهود. وعلى هذا المقياس، كل عنف تمارسه إسرائيل مقصر عن تحقيق هذا الهدف، كما أن قوة أي زلزال مقصرة عن بلوغ سقف مقياس رختر. وعلى أرضية العقيدة هذه، نكون اقرب على الصواب إن قلنا إنه ليس ثمة عنف متناسب مع التهديد الفلسطيني، أو أن العنف الأمثل هو العنف الأقصى، الساحق الماحق، الذي يتعدى ردع العدو وشل إرادته إلى تحطيم كيانه. والحال إن هذه هي الثغرة الكبرى في مذهب الأمن الإسرائيلي التي لا يبدو أن حيازة السلاح النووي، ولا فرط التسلح التقليدي، ولا العمق الاستراتيجي الأميركي، ولا النزع المطلق لأمن الفلسطينيين، قادر على سدها.ويكشف اعتبار أية مقاومة فلسطينية خطرا جوهريا ووجوديا كم أن عقيدة الأمن الإسرائيلية متصلبة ومتطرفة وغير واقعية ونازعة للاستقرار، ومن ورائها كم أن إسرائيل دولة شاذة وغير طبيعية. أصل مشكلة إسرائيل في مفهومها لأمنها، أكثر مما هو في تحدي الفلسطينيين له. وسيكون من المشروع، تاليا، أن نتساءل إن كان يمكن تحقيق الأمن بوسائل أمنية، أي ما إذا كان يتعين بالأحرى التفكير في مفهوم جديد للأمن، لا تكون القوة العسكرية غير بعد واحد له. وحتى لو لم نذهب إلى ما يقوله إسلاميون من أن الأمن المطلق يأتي من الإيمان بالله وحده، وانه لا يتوفر حقيقة إلا في الجنة، فإن عقيدة الأمن المطلق (التي تؤمن بها كذلك أنظمة عربية حيال محكوميها، والولايات المتحدة حيال العالم) تحتاج إلى إصلاح مزدوج: إدراجها في ترتيبات جماعية ومتعددة الأطراف من جهة، ونقد أسسها الفلسفية والسياسية باتجاه إحياء قيم المساواة والعدالة والحس الأخلاقي، وتكوّن ضمير عالمي حي حولها من جهة ثانية.

على المستوى الأول ربما يسهم في إخراج عقيدة الأمن المطلق من مأزقها التوجه نحو أمن نسبي وجماعي في الشرق الأوسط وفي العالم، وفي كل من الدول العربية كذلك. في الشرط الراهن يقتضي أمن أحد الأطراف نزع أمن طرف آخر: فلا أمن إسرائيل دون انكشاف أمني تام للفلسطينيين، ولا أمن لنظم حكم عربية إلا بحرمان مواطنيها من كل أمن، ولا أمن للولايات المتحدة دون منع أية دولة أو تحالف دولي من التفكير بالمنافسة على مستوى القوى العسكرية. التفكير في أمن متعدد الأطراف، يكون أمن كل دولة أو كتلة دولية شرطا لأمن غيرها، هو الأفق الذي يتعين التوجه نحوه إن شئنا تجنب فوضى عالمية. قد يبدو هذا طوبويا، لكن لا يبدو أن ثمة بديلا عن الطوبوية غير حرب طائفية عالمية لا تنتهي.

في مواجهة الأمن المطلق الإسرائيلي طور الفلسطينيون المقاومة المطلقة، عقيدة وممارسة (العمليات الاستشهادية ونظريتها)، تلك التي تسمى في إسرائيل والغرب بالإرهاب. من شأن ترتيبات أمن جماعي تقوم على أساس من العدالة والكرم أن تضيق بالحركة ذاتها فجوة الأمن بين إسرائيل والشعب الواقع تحت احتلالها، وأن تحد في الوقت نفسه من جنوح الفلسطينيين نحو المقاومة المطلقة. نصادف هنا تجليا مختلفا لما تعرفه الدراسات الأمنية بمعضلة الأمن: حيازة طرف لميزة أمنية يثير لدي طرف أو أطراف أخرى شعورا بالتهديد، فتحاول تحقيق ميزة لنفسها، وهكذا. تعذر الحصول على ميزة موازنة، وهو الحال في الشرق الأوسط، يدفع إلى التماس أمن غير متناظر: الإرهاب أو أسلحة الدمار الشامل. فإن تعذر ذلك أيضا، وهو متعذر في الطور الراهن من دورة حياة النظام الشرق أوسطي، انهار الطرف المعني وانتشرت الفوضى من حوله. ولا تلبث مفاعيل الفوضى وجهود درئها أن تَحتّ ميزة الخصم الأصلية وتبطلها.

على المستوى الثاني بات من الحيوي التشجع على نقد العنصرية الإسرائيلية التي تظهر الحداثة الغربية جبنا متزايدا حيالها. ليست كل إشارة إلى عنصرية إسرائيل الأمنية والسياسية والعسكرية تعبيرا عن نزعة لا سامية خفية، ولا هي تبشير بهولوكوست جديد. هذا سخيف ولا أخلاقي. بل هو إرهاب فكري سفيه. النقد هذا مطالب بإرساء فاعليته على تنشيط وإحياء قيم المساواة والحرية والعدالة الجوهرية التي دشنها عصر التنوير، والتي تخنقها اليوم الطائفية والعنصرية في كل مكان، في الغرب أكثر من غيره. إن منح إسرائيل استثناء لا يؤذي الفلسطينيين والعرب وحدهم، وإنما هو يقوض أية قاعدة أخلاقية وفلسفية وللدفاع عن قيم المساواة والعدالة والسلم في العالم كله. في المقابل، يؤمل من يقظة فكرية وأخلاقية عالمية أن تسهم في حصار النزعات العنصرية والامبريالية الآخذة في الازدهار في عالمنا، والتي تنذر بجيل جديد من الكوارث.

مثل ذلك ينطبق على الحضارة الغربية التي تظهر نزوعا طائفيا وعنفيا يزداد فظاظة وإثارة للفوضى في العالم. ومثله ينطبق على عنصرية السلطة في دول عربية عديدة، أعني في إضفاء القداسة على الحكام ورفعهم فوق مرتبة رعاياهم البشرية، وفي ما أظهره غير نظام عربي من استعداده لقتل المئات والألوف من الرعايا التعساء إن مثلوا تهديدا لحياة الزعيم (قضية الدجيل التي يحاكم عليها صدام مثال). فالإفلاس الأخلاقي للنظم العربية، وليس ضعفها العسكري، هو الذي يجعلها عاجزة عن إغاثة الفلسطينيين الذي يتعرضون لمحرقة سياسية منهجية. وينبغي القول إن العنصرية في الحالات الثلاث، الغربية والإسرائيلية والعربية، تنبثق من الفارق النوعي في القوة والأمن، وليس من قيم ثقافية أصلية، وإن استصلحت لنفسها ركائز فكرية وثقافية ودينية وحضارية، قديمة أو حديثة. ينبغي القول ايضا إن في البلاد العربية نقدا طائفيا وفيرا ومقاومات طائفية وفيرة لطائفية الأقوياء، وأن هذا لا يحكم على النقد والمقاومات العربية بالعقم فقط، بل يترك للطائفية الغربية والإسرائيلية أن تثابر على انتحال موقع الكونية الرحب وقيمها المحررة.

ومن باب تجنب الطائفية، يتعين أن ندرك أن عقيدة الأمن الإسرائيلية ليست إلا الإغراء الأقصى لمفهوم الأمن السائد عالميا، المتمركز حول القوة ومراكمتها إلى ما لا نهاية. وهذا بدوره يتأسس على مفهوم اللامتناهي السيّء، إن استعرنا فكرة هيغل العميقة. اللامتناهي السيّء يرتكز على الإضافة والتكرار، على تكديس وحدات القوة أو الثروة أو المتعة... إلى ما لا نهاية. وهو الركيزة الروحية للحداثة الصناعية التوسعية، الرأسمالية، التي يتملكها وسواس قهري يدفعها وراء ما هو أكثر أقوى أو أعلى أو أكبر أو أصغر... حسب سلالم الظواهر المعنية (سجل غينيس للأرقام القياسية هو الكتاب المقدّس للحداثة هذه أو كتاب أسرارها). اللامتناهي الجيد، في المقابل، هو ما يحدد ذاته بذاته، الفاعلية الإنسانية الحرة والواعية بذاتها.

إصلاح مفهوم الأمن يوجب نقدا متكررا لحداثة اللامتناهي السيّء التي تعد بمزيد من الكوارث البيئية والمشكلات الأمنية وبمستقبل من الفوضى العالمية. من شأن النقد هذا أن يسهم في تحرير عقولنا من عبودية الأمن المطلق الموسوس بأكثر عدد من الطائرات وأحدثها وأقواها، ومن الصورايخ والدبابات، ومن القنابل النووية (السلاح المطلق) إلخ. ومن وراء نقد حداثة اللامتناهي السيّء، وسعيها وراء الأمن المطلق، يتعين كذلك نقد مفهوم السيادة المطلقة للدولة، التي لا تعدو كونها تناسخا علمانيا لله. فإذا التقى المفهوم هذا مع ذاكرة تاريخية أخذت تتكون في عصر القوميات الأوروبي ونضجت على حرارة المحرقة تكون السم القاتل الذي اسمه اسرائيل.