هدى الفلسطينية وعبير العراقية: نماذج لمآسي أمة مستباحة

حسن نافعة

الحياة     - 12/07/06//

على شاطئ غزة كانت الطفلة الفلسطينية ذات السنوات السبع تلهو بعيداً عن عائلتها التي اصطحبتها إلى هناك بحثاً عن قسط من الراحة يعوضها عناء يوم آخر عصيب من أيام الحصار المفروض على الشعب الفلسطيني الأعزل والذي تصر إسرائيل على تجويعه وتركيعه إلى أن يقبل بإملاءاتها تحت تهديد السلاح. لم تكن أحلام الأسرة الفلسطينية البسيطة تتجاوز الأمل في استنشاق قدر من الهواء النقي تستعيض به عن التلوث المنبعث من مدينة مكتظة بالبشر وبركام المنازل المهدمة، والاسترخاء قليلاً في جو من الهدوء بعيداً عن أزيز الطائرات في السماء وهدير المدافع فوق الأرض. لكن لم تكد جفون العائلة المتعبة ترتخي قليلاً حتى دوى انفجار هائل قطع سكون الشاطئ وبدد سكينته. لم يكن باستطاعة طفلتنا الصغيرة اللاهية على الشاطئ بعيداً أن تستوعب ما يجري حولها، لكن الرعب الذي أنزله الانفجار في قلب هدى جعلها تهرول ذاهلة في اتجاه المكان الذي كانت قد تركت فيه والديها وأخواتها قبل دقائق. وحين لم تعثر عينا الطفلة ذات السنوات السبع إلا على أشلاء متناثرة فوق رمال محتقنة بلون الدم كان من الطبيعي أن تنتاب هدى حالة صراخ هستيري استطاعت قناة الجزيرة تسجيلها ونقلها بالصوت والصورة إلى سمع العالم وبصره قبل أن تعود وحيدة إلى منزلها بعدما حرمتها قنابل البحرية الإسرائلية من أعز ما تملك. لم يكن الذهول قد فارق الطفلة الملتاعة بعد، حين راحت في اليوم التالي تحكي بنفسها عبر القناة الفضائية ذاتها حقيقة ما جرى، وربما لا يفارقها إلى الأبد.

قبل ذك بشهور، وبعيداً عن المكان الذي شهد مأساة هدى الفلسطينية، كانت مأساة أفظع تنتظر عبير العراقية في مدينة المحمودية الواقعة على بعد عشرات الأميال جنوب بغداد. لم تكن الفتاة ذات الستة عشر ربيعاً تملك حتى ترف الذهاب إلى الشاطئ مع عائلتها، لكنها كانت تجد نفسها مضطرة للذهاب إلى السوق القريبة من بيتها لقضاء ما تحتاجه عائلتها، ولم يكن بوسعها أن تفعل شيئاً لدفع النظرات الجائعة للجنود الأمبركيين الذين كانت تمر بهم جيئة وعودة عند نقطة التفتيش. وعندما راحت نظرات جنود نقطة التفتيش تتطور إلى محاولات مكشوفة للتحرش والاحتكاك لم تجد الصبية الخجولة بداً من إخبار والدتها التي نصحتها بالاحتجاب في المنزل حرصاً على سلامتها. غير أن احتجاب الفتاة لم يثن هؤلاء الجنود عن محاولة الحصول على مأربهم من الطفلة البريئة التي لا حول لها ولا قوة بأي وسيلة. وبعد أسبوع كامل من التخطيط والرصد والمتابعة اقتحموا منزلها ثم حالوا بينها وبين أسرتها قبل أن يتناوبوا اغتصابها كالوحوش الكاسرة. وفي محاولة منهم لإخفاء معالم جريمتهم البشعة قرروا التخلص بالقتل ليس من الفتاة وحدها بل من كل أفراد أسرتها التي تضم والديها وشقيقتها التي لم يتجاوز عمرها السنوات السبع ثم سكبوا سائلاً قابلاً للاشتعال على أجساد الضحايا وأضرموا النيران في المنزل ليبدو كأنه تعرض لحريق القصف.

لم يعرف العالم بمأساة عبير العراقية من خلال القنوات الفضائية العربية التي لم يكن بمقدور كاميراتها أن تصل إلى هناك لتسجل تفاصيلها بالصوت والصورة مثلما فعلت مع مأساة هدى الفلسطينية، بل من خلال الإعلام الأميركي نفسه، وبعد شهور من الجريمة التي جرت وقائعها يوم 3 آذار (مارس) الماضي. فصحيفة الـ واشنطن بوست هي التي كشفت الأسبوع الماضي فقط وللمرة الأولى عن وقوع الجريمة التي بدأت تتكشف تفاصيلها البشعة تباعاً، بعد وشاية من زملاء للمجرمين أنفسهم. ولم يتحرك القضاء العسكري الأميركي لمحاكمة المتهمين إلا بعد أن تحولت الجريمة إلى فضيحة سياسية وإعلامية كبرى.

كان من الممكن التعامل مع مأساة من النوع الذي تعرضت له الطفلة الفلسطينية هدى غالية أو الصبية العراقية عبير قاسم الجبالي باعتبارها حوادث فردية. فمن الوارد سقوط قنبلة بطريق الخطأ فوق أسرة تستجم على شاطئ في زمن الحرب، مثلما حدث لأسرة هدى، ومن الوارد أن يرتكب جندي مختل عقلياً جريمة اغتصاب وقتل في دولة محتلة أو غير محتلة، مثلما حدث لأسرة عبير. غير أن السياق العام لما يجري من وقائع وحقائق على الأرض يجعلنا أكثر ميلاً للاعتقاد بأن ما جرى لعبير في العراق ولهدى في فلسطين هو أفراز طبيعي لسياسة منهجية تستهدف تخويف الشعبين العراقي والفلسطيني كوسيلة لتركيعهما وإجبارهما على الاستسلام لواقع الاحتلال والقبول به. والدلائل أكثر من أن تحصى أو تعد.

ففي العراق يمارس جيش الاحتلال الأميركي، والذي فوجئ بحجم المقاومة العراقية وبقدرتها على الصمود والاستمرار، سياسة العقاب الجماعي لسكان المناطق التي ترفع لواء المقاومة أو تساعد المقاومين، بما في ذلك سياسة التدمير الكامل للبنى التحتية. وما جرى للفلوجة وغيرها من مدن عراقية كثيرة يقطع بذلك. بل إن ما وقع في مدينة الحديثة في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) من العام الماضي، والذي بدأ يأخذ أخيراً طعم فضيحة كبرى جديدة، يعكس منهج سياسة دولة غرست في الوحل بأكثر مما يعكس مزاج مقاتلين أفراد أو جماعات أصيبوا بنوبة هيجان عصبية. فما إن رأى أفراد إحدى مفارز الجيش واحداً من زملائهم يسقط صريعاً بلغم أرضي زرعته المقاومة حتى راحوا يطلقون النيران في كل اتجاه على المدنيين العزل ويحصدوا أرواح أربع وعشرين شخصاً معظمهم من الأطفال والنساء والشيوخ. وعلينا أن نتوقع تكرار هذا النوع من الجرائم التي لن تنتهي إلا بانتهاء الاحتلال الأميركي للعراق. ومع ذلك واهمٌ كل من يعتقد أن الاحتلال الأميركي سيخرج إلا إذا أجبر على ذلك. ففي تقديري أن الإدارة الأميركية الحالية ستظل تمسك بالبقاء هناك من أجل النفط وأشياء أخرى، حتى لو كان الثمن هو حرب أهلية شاملة وتقسيم للعراق.

أما في فلسطين فتبدو سياسة إسرائيل المنهجية التي تستهدف إخافة الشعب الفلسطيني, تمهيداً لتركيعه وإجباره على الاستسلام للشروط الإسرائيلية، أكثر وضوحاً. ولا يمكن فهم مأساة هدى إلا في سياق الرؤية الشاملة لما يجري لبقية الأطفال الفلسطينيين. فطبقاً للمصادر الإسرائيلية نفسها وصل عدد ضحايا العنف الإسرائيلي من الأطفال الفلسطينيين منذ اندلاع انتفاضة الأقصى في 28 أيلول (سبتمبر) عام 2000 وحتى 21 حزيران (يونيو) الماضي، 755 قتيلاً و355 معتقلاً. ومن الصعب جداً أن نصدق أن هذا العدد الضخم من الأطفال القتلى سقطوا في حوادث فردية أو بطريق الخطأ. وحتى إذا صدقنا أن كل هؤلاء سقطوا بطريق الخطأ فماذا عن الأطفال المعتقلين في السجون الإسرائيلية؟ هل أخذوا إلى هذه السجون بطريق الخطأ؟ طبعاً لا. فقد بات من الواضح لكل ذي ضمير حي أن إسرائيل، بقتلها واعتقالها لهؤلاء الأطفال، إنما تمارس سياسة منهجية تستهدف الضغط على الأباء والأمهات وابتزازهم لتثبيط همم شعب يطالب بحريته واستقلاله، والانتقام ممن يصر منهم على الاستمرار في مطالبه مهما بلغت التضحيات.

كانت إسرائيل تحاول أن توهمنا بأن مشكلتها ليست مع المقاومة المشروعة للاحتلال، وأنها على استعداد لأن تتفهم منطق هذه المقاومة حتى وإن لم تتفق معها بل وأن تتعامل معها وفقاً لما تقضي به الأعراف والقوانين الدولية، لأن مشكلتها مع الإرهابيين الذين يفجرون أنفسهم في الحافلات وفي المقاهي والمطاعم والأندية. غير ان العملية العسكرية الأخيرة، والتي تبنتها ثلاث فصائل للمقاومة وأسر فيها جندي إسرائيلي، جاءت لتكشف زيف هذا المنطق وخداعه. فعلى رغم أن الهجوم الذي قامت به الفصائل الفلسطينية استهدف ثكنة عسكرية وجنوداً يغيرون عليهم كل يوم بدباباتهم وطائراتهم ويقتلونهم، إلا أن إسرائيل ردت بضرب محطات الكهرباء والماء وشنت غارات بالطائرات قتل فيها، حتى كتابة هذه السطور، ستون شخصاً معظمهم من المدنيين وجرح المئات. ورغم أن الأسير جندي نظامي في الجيش الإسرائيلي ردت إسرائيل باختطاف وزراء من السلطة الفلسطينية المنتخبة ديموقراطياً. في سياق كهذا لم يعد بمقدور أي شخص بقيت لديه ذرّة من ضمير سوى الاعتراف بأن إسرائيل استخدمت الجندي الأسير كذريعة، مثلما استخدمت ذرائع كثيرة من قبل، لتنفيذ مخطط مرسوم سلفاً. وسواء قدم الفلسطينيون لاسرائيل ما تحتاجه من ذرائع أم لم يقدموا فستمضي قدماً في تنفيذ مخططها الرامي لاستكمال مشروعها الصهيوني على الأرض من دون أن تلوي على شيء.

جوهر المشكلة أن إسرائيل لا تنظر للفلسطينيين باعتبارهم شعباً له حقوق، وإنما باعتبارهم مجرد قنبلة ديموغرافية يتعين نزع فتيلها. فلو كانت إسرائيل تعترف حقاً بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني لآمنت بأن الحل الوحيد للنزاع يكمن في اقتسام فلسطين التاريخية بين شعبين لكل منهما نفس الحقوق والواجبات، ولسعت من أجل وضع هذا الحل موضع التطبيق. غير أن إسرائيل لا تعترف بأي حقوق تاريخية للشعب الفلسطيني على أرض فلسطين التي تعتبرها أرضاً موعودة لشعب واحد مختار هو الشعب اليهودي الذي ما زال أغلبه يعيش في الشتات. كل ما يعنيها هو إزالة الخطر الديموغرافي الذي يشكله وجود شعب فلسطيني بوضع من بقي منه داخل معازل يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي. ولا بأس من وجود صلة سياسة وقانونية ما بين هذه المعازل وإطلاق اسم الدولة عليها كي يصبح بوسع إسرائيل أن تدعي أمام العالم, خصوصاً أمام الإدارة الأميركية، أنها لم تتخل عن خارطة الطريق، وأنها تعمل جاهدة لترجمة رؤية بوش إلى حل يقوم على الدولتين وبذل كل ما تستطيع لوضع هذا الحل موضع التنفيذ!

الشعوب العربية باتت على يقين من وجود صلة عضوية بين ما يجري في فلسطين وما يجري في العراق، كما باتت تدرك تمام الإدراك أن صرخات هدى الفلسطينية وعبير العراقية ليست سوى تنويعات مختلفة الجرس لأنين أمة بأسرها تصر الولايات المتحدة وإسرائيل على استباحة عرضها والنيل من شرفها تحت دعوى مكافحة الإرهاب. والمشكلة لا تكمن في الإدارة الأميركية أو في حكومة إسرائيل اليمينيتين المتطرفتين، لأن لهما دوافع يمكن فهمها حتى وإن لم نقبل بمشروعيتها. فإذا كان بوسعنا أن نفهم أن الإدارة الأميركية تريد الاستحواذ على نفط العراق الوفير وأن ضعف هذا البلد العربي أغرى بالطمع في سرقة الكنز، وأن الحكومة الإسرائيلية تريد تصفية القضية الفلسطينية بطريقتها دعما للمشروع الصهيوني وحماية لمستقبله. لكن كيف يمكن لنا أن نفهم تخاذل النظم العربية إلى هذا الحد؟ وهل بوسع أي منها أن يضمن الحفاظ على مصالحه إذا قدر للمشروع الأميركي في العراق وللمشروع الإسرائيلي في فلسطين أن ينجحا؟

قد يقول قائل أنه يصعب تصور أن تكون النظم العربية الحالية، بما فيها النظم الأكثر تحالفاً مع الولايات المتحدة والأكثر تطبيعاً للعلاقات مع إسرائيل، ترغب حقاً في إنجاح المشروعين الأميركي والإسرائيلي في المنطقة. لكن العجز عن مقاومة أي منهما، بل العجز حتى عن الاعتراض العلني على السياسات الأميركية والإسرائيلية في المنطقة، يضع هذه الأنظمة في موضع التواطؤ الكامل مع تلك السياسات. فليس بمقدور اي وطني في العالم العربي أن يصدق أن الدول العربية، خصوصاً تلك التي امتلأت خزائنها عن آخرها بعوائد النفط المرتفع الثمن، تعجز عن دفع الحصار المفروض على الشعب الفلسطيني ولا تجرؤ حتى على المطالبة العلنية بوضع جدول زمني للانسحاب الأميركي من العراق. لقد أصبح في يقين الشعوب العربية على الأرجح أن نظمها غير راغبة لا في دفع الحصار عن الشعب الفلسطيني ولا في انسحاب القوات الأميركية من العراق, وذلك لسبب بسيط وهو أنها تحولت، مكرهة أو مخيرة، إلى أدوات في يد الولايات المتحدة وإسرائيل.

لم يبق سوى الأمل في أن تساعد صرخات هدى الفلسطينية وعبير العراقية في إسقاط ما تبقى من أقنعة تحاول السياسات الأميركية والإسرائيلية والعربية أن تتخفى وراءها. فقد بات واضحاً أنها جميعاً متورطة ومتواطئة في مؤامرة اغتصاب أمة تبدو في حالة بحث عمن يدافع عن شرفها المنتهك.

كاتب وأكاديمي مصري.