عن حقوق المرأة الفرد

  هاني فحص   السفير

 

 

عندما نزلت الآية الكريمة في أوائل سورة النساء <ولا تعطوا السفهاء أموالكم> لغط المسلمون في المدينة بأن المقصود بالسفهاء هو النساء حصرا استنادا الى السياق، وهو ليس حجة إلا لدى القليل من المفسرين والفقهاء، الى ذلك فإن هذا الفهم يتنافى مع المعروف من تحديد او تعريف السفه والسفيه وما يترتب على السفه من أحكام حجر وغيره، من دون أدنى تفريق بين الذكر والأنثى إلا في ما يخص كلا منهما وفي أضيق الحدود.. وبعدما لهج المسلمون والمسلمات بذلك في المدينة ذهبت إحداهن وكانت ذات قلح ومنطق وتدعى سوداء وقالت لرسول الله <ص> يا رسول الله هل قلت فينا خيرا مرة؟ وفي لحظة من لحظات حوارهما قطّب <ص> جبينه وقال: ألا يكفي احداكن انها اذا حملت كانت كالمرابط في سبيل الله؟ فإذا وضعت كانت كالمتشحط بدمه في سبيل الله (اي الشهيد) فإذا سهرت او أرضعت كان لها بكل رضعة او سهرة كعتق رقبة من ولد ابراهيم؟ على ان لا تكفرن العشير (العشير هو الزوج وتكفيره من قبل الزوجة هو تعييره او المن عليه من قبيل: لولاي ما فعلت كذا ولولا فضلي عليك لما كنت ما كنت الخ)... والتقطت المرأة النبيهة والمتحررة في حوارها مع الرسول الذي يريدها حرة ويرفعها الى مستوى مكافئ في الحوار. التقطت مدلول الكلام العميق وعلو المكانة التي وضعت فيها من لدن ربها تعالى الذي خلقها وخلق لها دورها المميز... دور حمل الحياة واحتضانها، بمعادلها من الجهاد والحرية والشهادة، فردت ممازحة: <يا رسول الله ما أعلاه فضلا لولا هذا الشرط>... والقرآن الذي يخاطب البشر قائلا: <ومن آياته ان خلق لكم من انفسكم أزواجا لتسكنوا اليها وجعل بينكم مودة ورحمة> لا يمكن ان يخل تشريعيا بوضع تكويني يشكفه ويكاشفنا به ويرتب عليه ما يقتضيه من عدالة او مساواة مشروطة بالعدل. وإذا ما كانت املاءات الذكورة المتوترة والجامحة تجعل ذكرا ما يقرأ الآية قراءة ذكورية اعتمادا على ذكورية الضمير، فهذا ذنب اللغة العربية التي أتتنا محملة ببعض محمولاتها الجاهلية الصعبة ولم يكن من الممكن للنظم القرآني ان يجتثها بسرعة لأنه خاطب الناس بالمتعارف من أساليب تعاملهم، ومن هنا جاءت حجية ظواهر القرآن.. فجاء الضمير ذكوريا <لكم من أنفسكم> ولكن لا بد من الالتفات الى ان المخاطب هم الناس والناس ذكور وإناث، أما ذكورية الضمير فهي متأتية من اللغة المتعارفة التي تقول بوجوب او جواز التغليب، تغليب ضمير الذكورة على ضمير الأنوثة، اذا ما اجتمعا وكانت صيغة التفريق بينهما مدعاة لتراجع نسبة الفصاحة في النظم، ولكن في الآية محمولا لغويا عربيا ايجابيا وجميلا من شأنه ان يحكم على هذا الالتباس وهو تعبير الزوج الذي يستوي فيه المذكر والمؤنث لا للتغليب بل بسبب معناه الأصلي وهو المثل.. اي أن الرجل والمرأة مثلان، الرجل مثل المرأة والمرأة مثل الرجل، ذلك وهما اثنان متمايزان ولكن مساحة التماثل هي الأوسع وهي التي تترتب عليها الأحكام العامة كما تترتب الأحكام الخاصة على مساحة التمايز من دون ان تكون امتيازا او تمييزا... ان الرسول <ص> يقلب معادلتنا <حسن الخلق من الإيمان> فيقول: <الإيمان من حسن الخلق> والمرأة هي علامة الأخلاق في حياتنا، تقاس اخلاقنا بمقدار ما تكون فينا المرأة راعية مرعية بالحب والقانون والحرية، هي علامة اخلاقية لا بالمعنى التبسيطي للاخلاق، بل بمعناها العلمي الذي يتعدى التأدب الظاهري مع المرأة، وتأدبها إذعانا عن ضعف او استضعاف، ويتعدى مسألة ما تظهره المرأة ثم تتمرد عليه احيانا، من رضا بكونها أسيرة وحيدة للمفاهيم الأخلاقية وللأصيل منها والمفتعل معا، بينما الرجل خارج الرقابة والمساءلة، وهي، هي المرأة، أولى لأنها الحيز الأمثل للتكوين النفسي والجمالي المعادل لجمالية الكون، وحساسية موقعها ليست قيدا عليها إلا بما هو السوار قيد على المعصم، يزيده ويزداد به جمالا وألقا؟ ولولا مساحة الحرية للمعصم في القيد لأصبح مقيدا اي مانعا ومعيقا... إذاً فحساسية المرأة أساسا حساسية جمالية، لأنها مكون ومكان تكوين جمالي يحتضن الحياة ويزدهر به وحوله ومن أجله الشعر والفن ويستمد الايمان نكهة نوعية مميزة... من هنا اكتمال دين الرجل بالزواج، ولا يكمل الحر الا الحر، ولا يكتمل بالحر إلا الحر، وإذاً فالمتحصل لدينا مقامان: مقام الرجل ومقام المرأة، وهي ثنائية جدلية، والجدل لا يقوم إلا على التكافؤ وإلا أدى الى الغلبة التي تعني الالغاء... بل هناك تشارط، اي ان كلاً من الرجل والمرأة شرط للآخر، وجودا وحيوية ووعيا ودورا، ووظيفة تتعدد وتختلف في مكان لتتكامل دائما وتقوم بعبء الخلافة عن الله في الارض، التي أرساها الله سبحانه وتعالى منذ البدء، من دون تفريق بين ذكر وأنثى في منطوق آية الاستخلاف، ما يعني ان لا فروق تكوينية في علم الله الا في حدود ما تقتضيه الحياة من تنوعات او خصوصيات تقع موقع الضرورة للحياة وديناميتها. والخلاصة ان فردية المرأة هي نصاب تام لدورها وحقوقها التي هي استحقاقها، اي انها تمنع من اعتبار المرأة ملحقا بنصاب الرجل، وهذا مثبت في الشرع الاسلامي من خلال التوكيد المتكرر على احترام ارادتها في كل ما يعود إليها وما يدفع الى بطلان اي إجبار او إكراه لها.
وآيات المساواة في القرآن الكريم من شأنها ان تكون حاكمة على آيات التمييز او كاشفة عن المراد الواقعي منها وإلا إذا أصر القارئون بعين واحدة للقرآن على الخلل المنهجي في جعل الجزئيات في مقابل الكليات او حاكمة عليها،.. كما ان ثنائية المرأة والرجل مساواتية، في الدنيا والآخرة، لأن الله في منطوق القرآن لا يضيع عمل عامل منا من ذكر او أنثى، وإلا كان ذلك خلاف عدل الله. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.. وهذه المساواتية شأن اي علاقة بين طرفين مجتمعين في فضاء تكويني رحب وواحد، ويقتضي النظر، اليهما بمنظور توحيدي جامع، وعلى أساس الفضاء الجامع والمشترك تصبح المشاركة ضرورة، وفي كل شيء، من دون اغفال او اقصاء للخصائص التي هي الضامن الوحيد لنصاب الوحدة والمشاركة واشتراط المساواة بالعدل. والحمل والوضع والارضاع وامتدادتها الأمومية في حالة المرأة،.. ومن هنا تصبح الديموقراطية كشرط للتنمية ولا تقوم إلا على الشراكة المعرفية والعملية، تصبح صيغة جامعة للشريكين اللذين من دون اي منهما تصبح عملية التنمية عرضة للاعاقة، وتصبح الحرية شرطا نوعيا لهذه المشاركة، لأن عملية التنمية الناجعة والعادلة هي سلسلة ابداعات، والمذعن لا يبدع والمستبعد لا يبدع، والمجتمع لا يبرع بنصفه من الرجال او بالمبدعين من هذا النصف فقط، من دون نصفه الآخر او المبدعات من هذا النصف، وهن في التاريخ والواقع اكثر لأنهن ان فاتهن ان يبدعن في المعرفة أبدعن في الحياة خصوبة وإخصابا لأسباب الحياة وشروطها ومعناها.. اما العبودية لله فالمفترض ان تكون مصدر إبداع بقدر ما تفضي ولا بد ان تفضي الى الحرية التي هي أمانة الله على عواتقنا منذ ان اختارنا لخلافته على أساس الارادة والاختيار الحر حتى لو أخطأنا، بدلا من الملائكة أهل الطواعية التامة ولكن على أساس الضرورة لا الحرية ما يعني ان الابداع مستحيل في حال الملائكة.. أما في حالنا كأهل ارادة فإن الابداع يتحقق في حركتنا بين الخطأ والصواب النسبيين.