العنصرية الجديدة الصاعدة

السيد يسين   النهار

الحقيقة ان للعنصرية اصولاً قديمة. ويمكن القول ان العنصرية كظاهرة تشير الى مختلف الأنساق العقيدية التي تزعم ان بني الانسان يمكن تصنيفهم مجموعات على اساس السمات الفيزيائية، وان هذه السمات هي التي تحدد قدرات أي مجموعة على الانجاز الفردي والثقافي. على سبيل المثال كان هناك مبدأ مسيطر في الولايات المتحدة في المرحلة التاريخية التي ساد فيه التمييز ضد المواطنين الاميركيين السود مبناه ان الانسان الابيض اذكى بالطبيعة من الانسان الاسود!
ولم تكن هذه المعتقدات تشيع فقط بين العامة، أو تبني الحكومة الاميركية على اساسها سياساتها في التمييز العنصري، بل ان العلم الاجتماعي ذاته ممثلاً في علم النفس حاول جاهداً من خلال تطبيق اختبارات الذكاء على مجموعات من البيض والسود اثبات صحة هذا المبدأ العنصري البغيض.
وكلمة العنصرية ذاتها ظهرت في الثلاثينات في اللغتين الانكليزية والفرنسية. وقد أدى التوسع في استخدامها الى بلورة مشاعر العداء ضد بعض الجماعات والأفراد على اساس اختلاف القدرات بين البشر طبقاً لاصولهم العرقية. ووصل التمييز العنصري الى مداه في بعض البلاد حيث وضع البشر حسب اصولهم العرقية على مقياس واعطى لكل عرق موقع معين.
ولعل هذه الممارسات التي شاعت في المانيا النازية تعد نموذجاً لهذه الممارسات العنصرية الفجة.
وبناء على هذه المفاهيم العنصرية اقيمت انظمة للقمع المنهجي المنظم ضد بعض الجماعات العرقية، ربما كان أشهرها اليهود في المانيا النازية، والسود في جنوب افريقيا في ظل نظام الابارتايد".
واذا كانت الخطابات العنصرية سادت في اوروبا منذ القرون الوسطى وأخذت شكل الصراع بين الأجناس، الا ان التحولات الكبرى في مفهوم العنصرية وممارساتها تمت إبان المرحلة الامبريالية الاوروبية. وذلك لأن اوروبا الاستعمارية كانت في حاجة الى غطاء أخلاقي يخفي عورات بشاعة استعمار الشعوب في آسيا وافريقيا، وما دار في الممارسة من مذابح بشرية وحروب إبادة صريحة، لذلك صيغت نظريات عن "عبء الرجل الابيض" وتعنى المسؤولية الواقعة على عاتق الانسان الابيض لتمدين الشعوب "البربرية".
وقد شهد القرن التاسع عشر - على الصعيد الفكري - محاولات شهيرة للتنظير للعنصرية وإثبات شرعيتها. ولعل كتاب آرثر جوبينو "مقال في عدم المساواة بين الأجناس البشرية" الذي صدر عام 1855 يعد نموذجاً لهذا الاتجاه. بل أن كلينغ الشاعر الانكليزي المعروف اشتهر بقصيدته التي يقول في أولها "الشرق هو الشرق والغرب هو الغرب ولن يلتقيا، وهو نفسه الذي نظم قصيدة عام 1899 بعنوان "عبء الرجل الابيض". وهكذا وضع الشاعر نفسه في خدمة الامبراطورية البريطانية الاستعمارية!
غير ان الكتّاب الغربيين لم يعدموا من بينهم من هاجموا العنصرية ولعل من أبرزهم الروائي الانكليزي الشهير جوزف كونراد الذي نشر روايته المعروفة"قلب الظلام" عام 1899 منتقداً فيها الاستعمار البلجيكي للكونغو والتي صدرت في السنة نفسها التي نشر فيها كلينغ قصيدته.
غير ان الزمان دار دورته، وانتهت الحقبة الاستعمارية واستقلت غالبية البلاد في العالم الثالث في الخمسينات. وهكذا اختفت العنصرية القديمة ما عدا في بعض الجيوب القليلة، ومن أبرزها جنوب افريقيا التي استطاع شعبها الأسود بقيادة الزعيم التاريخي نلسون مانديلا ان يحطم نظام "الأبارتيد" العنصري.

العنصرية الجديدة

غير انه سرعان ما ظهرت في عصر العولمة على وجه الخصوص العنصرية من جديد، وإن كان ذلك بملامح وسمات جديدة. وهي إن احتفظت بجوهر العنصرية القديم إلا أن تجلياتها اختلفت في ضوء التحولات الجسيمة التي لحقت بينية المجتمع العالمي.
ويقرر مدير معهد العلاقات سينافاناندان ان العنصرية الجديدة "ليست موجهة فقط ضد البشر ذوي البشرة السوداء القادمين من الأقاليم الاستعمارية القديمة، ولكنها ضد الفئات الجديدة من النازحين من بلادهم والذين حرموا من ممتلكاتهم أو اقتلعوا من جذورهم. هؤلاء الذين يطرقون ابواب أوروبا التي ساهمت بسياساتها في اقتلاع جذورهم.
والعنصرية الجديدة ليست موجهة ضد غير البيض بل إنها موجهة أيضا ضد البيض الفقراء، وهي لذلك تتجاوز وصف انها تنطوي بالضرورة على كراهية الاجانب
Xenophobia ومع ذلك فهي ما زالت تحتفظ بروح العنصرية الأصلية التي تميز بين البشر حسب أعراقهم او أصولهم الاجتماعية.
وتؤكد الباحثة ليز فيكيت في محاولة منها لتأصيل ظاهرة العنصرية الجديدة ان ترد المسألة الى أصولها الحديثة حين راى الغرب ان حضارته ونظامه الاقتصادي باتا مهددين من العالم الشيوعي. والشيوعية - كما نعرف جميعاً - كانت العدو الايديولوجي الاول للولايات المتحدة، كما كان شيوعيو شرق أوروبا الجيران الأعداء من وجهة نظر غرب اوروبا.
ولكن اليوم يمكن القول إن التهديد الذي يمثله قرابة 125 مليوناً من البشر يعيشون بصورة موقتة او بشكل دائم خارج حدود بلادهم هو الذي حل محل الخطر الشيوعي القديم في نظر البلاد الاوروبية، والولايات المتحدة والتي تكافح بصورة يائسة ضد الهجرة غير الشرعية التي تتسرب اليها في موجات متدفقة.
وهكذا يمكن القول إنه في عالم ما بعد الحرب الباردة لم تعد الايديولوجيا هي العدو ولكن الفقر!
لقد تحركت مؤسسات الامن الغربية والهيئات المعولمة العابرة للقارات، والحكومات المختلفة ضد حركات الهجرة الآتية من الأقطار التي تتسم بكثافة سكانية عالية طاردة، او من الدول التي لا يسود فيها الأمن الاقتصادي. وهكذا برز خطاب مضاد للهجرة، وساد في الثقافة الشعبية وفي الاعلام وبين النخب السياسية. وهذا الخطاب يركز على عدم شرعية الهجرة، ويستند في ذلك الى اهمية الحفاظ على الأمن الاقتصادي والهوية الوطنية، مما مهد الأساس لظهور العنصرية الجديدة. وتحاول الدول الاوروبية تحت تأثير نظرية داروين في التطور، صياغة داروينية اجتماعية جديدة، مستندة في ذلك الى مبدأ من مبادىء نظرية التطور هو "البقاء للأصلح" لتشييد نظرية جديدة لإدارة ظاهرة الهجرة.
وتقوم هذه النظرية على حقائق سكانية عدة تم رصدها في العقود الخيرة، وأهمها ان المجتمعات الاوروبية تحت عوامل نقص معدلات الانجاب تتجه لتصبح "مجتمعات عجوز" تفتقر بشدة الى قوة عمل الشباب. ولذلك فهي مضطرة الى استيراد العمالة من الخارج، ولكن أهم شيء هو التركيز على "العمالة الماهرة". غير انه ترافق هذه السياسة محاولات تشريعية اوروبية لتقييد حقوق اللجوء السياسي التي نصت عليها معاهدة عام 1951 التي صاغتها الأمم المتحدة لتحديد وضع اللاجئين.
وتفسير ذلك ان "الهجرة المدارة "عولمياً" ليست مجرد سياسة لاستيراد العمالة الماهرة فقط، وعلى أساس انتقائي، ولكنها محاولة لصد الآثار السلبية لتفكك العالم الشيوعي ودوله، وللتفاعل مع حقائق العولمة الاقتصادية التي تتمثل في فتح الاسواق ومجالات التجارة الدولية بلا حدود. وهكذا برزت تناقصات العولمة التي شعاراتها تدفق السلع والخدمات والاموال والبشر بغير حدود ولا قيود، مع محاولات اعتقال البشر داخل حدود بلادهم، وعدم السماح بالهجرة بلا قيود.
وهكذا برزت العنصرية الجديدة وأصبحت أحد معوقات حوار الثقافات!

(القاهرة)

السيد يسين (باحث مصري)