حزب البعث في سورية واجهة اعلامية لتبرير اعمال المسؤولين

محي الدين قصار  القدس العربي

 

 


مع اعلان القيادة السورية عودة البعث للواجهة السياسية وتوقعاتنا بالتغييرات الجديدة في سورية يقف البعث من جديد علي مفترق طرق. وكما سبق له الفشل في اختياراته السابقة يتعرض اليوم لاختبار جديد وقد يكون الأخير في تاريخه النضالي ما لم تواجه قواعده الوضع علي حقيقته وتعود لمبادئه الأصيلة. فمنذ أواخر السبعينات شهد الحزب تحولات جذرية في علاقاته مع المجتمع والدولة علي السواء. وبات مصطلح الحزب القائد لا يعبر الا عن واجهة اعلامية لا عمل لها سوي تبرير أعمال مسؤولي السلطة وتمرير مشاريعهم السياسية. ونكاد نجزم آسفين بأن البعث ونضاله العربي والقومي قد اختزل خلال العقود الثلاثة الماضيات الي منظمة ملحقة بوزارة الاعلام السورية. واخوتنا البعثيون من مواقعهم العديدة هم أكثر من يدرك هذه القضية. وكلما تكلمنا عن الحوار الوطني يسارع أبواق السلطة ليعلنوا بأن الحوار يتم في صفوف الحزب القائد . والسؤال الذي علي اخوتنا البعثيين طرحه علي الذات: متي آخر مرة أخذت طروحاتهم أو نقاشاتهم أو قراراتهم علي محمل الجد من قبل السلطة السياسية؟ فمتي طبقت آخر قراراتهم ومتي استشيرت قواعدهم؟ وقد حول الأسد الأب وتلاه الأسد الابن البعث واجهزته وكوادره لأختام طابعة لا عمل لها الا أن تضع بصمة الموافقة علي أي قرار يريده وأي مشروع يبحث له عن شرعية زائفة. ولنا أن نسأل اخوتنا البعثيين فيما اذا أخذت ارادات البعث يوم دُفع بقواتنا المسلحة الي لبنان، أو يوم أعلنت سورية من موقفها من الحرب العراقية الايرانية؟ أم تراهم كانوا موافقين علي تحالف الأسد مع القوات الأمريكية بحجة تحرير الكويت ؟ أم تري أن قواعد الحزب هي التي قررت أن يعاد الرفاق الهاربون من الجحيم الأمريكي في العراق الي جحيمهم أو يسلموا للمحتل وكل هذا تحت شعار مواجهة الهجمة الأمريكية الشرسة . أم علينا ان نتساءل ما الذي حل بفكرة القومية العربية ونحن نري قواتنا تخرج من لبنان الشقيق مكرسة بتصرفات قيادتنا السياسية كل ما يناقض مفاهيم الوحدة والمصير العربي المشترك. وكيف تتفق مبادئ البعث مع كل السياسات التي تلت هذا الخروج من سواء التي تكرس الانشقاقات بين القطرين السوري واللبناني، أو سواء محاولات البلطجة التي يمارسها مع الدول المجاورة الأخري ودول الخليج.
كما دعي البعث لـ يبصم موافقا علي تعيين الابن رئيسا وتحويل الجمهورية الي ما يسميه السوريون جملوكية دعي السنة الماضية يصفق علي قرار اطلاق يد الأسد الصغير. فعاد كل من الرفاق الي بيته بخفي حنين بعد أن فرض الأسد أسماء من يريد من أصحابه وأصحاب أبيه الذين لم يتمكن من استبدالهم. فعاد الرفاق وقد سلموا قيادة البلاد لحفنة من الشباب أقل ما يمكن أن نصفهم بأنهم لم يحضروا ربطة خبز واحدة في حياتهم لبيتهم، ولم يعرفوا مرة في حياتهم قيمة العمل الكريم.
وهكذا عدنا من جديد لسورية تحت حكم مجموعة صغيرة تتوزع الأدوار والمهمات وتحاول أن تجزئ كل القوي الوطنية والاجتماعية آملة أن تجد في تجزئة هذه القوي بصيص نور ببقائها في الحكم. ففرقت بين المعارضين في الداخل والمعارضين في الخارج فأهل الداخل هم من المغرر بهم والضالين، بينما أهل الخارج هم من الخونة والعملاء. كما فرقت بين التيار الاصلاحي داخل الحزب وبين المعارضين داخل الحزب، فاتهمت التيار الاصلاحي داخل الحزب بأنه تيار رومانسي حالم لا يدرك أن هناك فرقا بين المبادئ والتطبيق، أما تهمة التيار المعارض داخل الحزب فجاهزة فهؤلاء من الحرس القديم الذي لا يريد أن يترك الكرسي للشباب الصغار. والأمثلة كثيرة التي تعكس محاولات هذه الحفنة في تجزيء الوطن أكثر من أن تحصي.

عزلة النظام علي المستوي الطائفي:

لقد أدركت هذه القيادة عزلتها عن قواعد الناس واستعملت سلطتها لتسلب الاقتصاد الوطني من كل طاقاته وحولت القطر الي مزرعة لأبناء المخلوف وبضعة من أبناء الأسد. وبعدما مارست تهميش الحزب لعقود طويلة وحاولت استجرار الطائفة العلوية للدفاع عنها ففشلت فشلا ذريعا. تقف هذه الحفنة عارية معزولة داخليا وخارجيا.
فداخليا أدرك أبناؤنا واخوتنا من الطائفة العلوية أن الثوابت الوطنية والقومية التي احترمت في مراحل سابقة وبررت تسلط بعض عناصر الطائفة علي السلطة، لم تعد تحترم من قبل هذه العصابة، فالطائفة العلوية تدرك الفرق الكبير بين تهافتات داخلية علي السلطة قد تنقل السلطة من يدي الدمشقي الي يد الحمصي أو يد العلوي أو غيرهم من التراكيب الاجتماعية الداخلية، وبين الوقوف في مواجهة مع الأمة والتنازل عن ثوابتها القومية والوطنية في سبيل السلطة. فاذا كانت هناك لحظات من التاريخ السوري الحديث استطاع النظام أن يوحد بعض الطائفة في صراع الحفاظ علي السلطة بيده، لكن لم تكن هناك شبهة تلقي علي عاتق الطائفة في هذا الصراع، فقد تمكنت دائما الطائفة من احترام الثوابت الوطنية والقومية وبقي هذا الصراع صراعا علي السلطة لا ينال من هذه الثوابت. أما اليوم فقد تخلت المجموعة الحاكمة عن هذه الثوابت الوطنية والقومية، ولم يبق للنظام سوي مشعل وجبريل يبقيهما وأمثالهما كورقة توت وحيدة تنتظر أن تسقط كما سقط قبلها لواء اسكندرون والرفاق في العراق ومناضلو الأكراد والسلسلة طويلة. فالنظام مستعد للبيع والشراء بكل شيء بغية الحفاظ علي كرسي الحكم، وسيطرة العائلة عليه.
أما الطائفة العلوية فقد أدركت هذه اللعبة وعري النظام منذ فترة، وهي مؤمنة بأن هناك فرقا شاسعا لا تتخطاه بين الصراع علي السلطة داخليا وبين التضحية بالوطن في سبيل السلطة. وقد مارس الأسد طويلا محاولات التخويف والتلويح بالفوضي والحرب الأهلية كلما تكلم عن الفوضي القادمة في حال تهديد كرسيه، وحاول أن يخلق تطابقا زائفا بين مصالحه ومصالح الطائفة. ولكن الطائفة تدرك أن هناك استحالة لاستمرارية الحالة القائمة، وأن تغييرا حتميا قادما، وأن العيش في خيمة وطن ديمقراطي تعددي أشرف وأسمي من العيش تحت رحمة العائلة الحاكمة ونظام أقل ما يقال عنه في الشارع السوري بالعمالة. ومن هذا الادراك العميق لدي الطائفة للثوابت الوطنية نري عزلة النظام، ومن مواقف الطائفة المشرفة نجد أن نسبة المعتقلين السياسيين من أبناء الطائفة في سجون الأسد قديما وحديثا تتجاوز نسبة تعداد الطائفة الي عدد السكان في سورية. والنظام أكثر الناس ادراكا لعزلته حتي داخل الطائفة وخوفه منها. ومن هنا نجد أن مقدار القمع داخل الطائفة يتجاوز في كثير الأحيان القمع خارجها.
وقد يفيد التنويه هنا علي أن عدد المنتسبين للقوات المسلحة من أبناء الطائفة ليس بالمؤشر الحقيقي لشعبية القيادة في الطائفة. وليس بالدليل علي دعم الطائفة له. ولا يعكس انخراط النظام في دعمه للطائفة ومصالحها، فأبناءنا من الطائفة الذين ينتمون للقوات المسلحة بشكل أو بآخر ما زالت شروطهم المعاشية لم تتحسن. فهؤلاء ما زالوا يعيشون في ضواحي دمشق أوضاعا اقتصادية مشابهة لتلك التي دفعت آباءهم للالتحاق بالقوات المسلحة والرحيل من الريف السوري قبل نصف قرن. وما زالوا يشعرون بالأزمة الاقتصادية ولا يجدون منفذا لهم سوي بالالتحاق بالقوات المسلحة. ومما لا شك فيه أن هناك تحسنا واضحا لكثير من العائلات التي تموضعت مصالحها مع العائلة الحاكمة لعقود طويلة. ولكن ما زال الوضع الاقتصادي للعامة الغالبة من أبناء الطائفة لا يوازي أبسط الطبقات من الطوائف الأخري. وعلي من يشك بهذه القضية أن يتساءل عن المهارات والحرف التي أمنتها الدولة كعملية تأهيل لأبناء هذه الطبقة. فاشتباكات عصابات حي ((86 الشهير مثال واضح علي الأزمة التي يعيشها أبناؤنا من هذه الطائفة. وان كان التطوع بالجيش هو المخرج من قري الساحل قبل أربعين عاما فاليوم يبقي هو المخرج ذاته لأبناء الحي 86 من وضعهم الاقتصادي المأزوم. وهذا الوضع لم يكن نتيجة مؤامرة أمريكية ولا نزعة من نزعات شيراك الشخصية. بل كان سياسة عامدة متعمدة مقصودة لذاتها من قبل الأسدين الأب والأبن. فالهدف الأول وراء هذه الوضعية أن يؤمن النظام مصدرا يزوده باليد العاملة الرخيصة وعناصر الأمن والقوات المسلحة التي يعتقد القائد زيفا ولائها الأعمي له بناء علي ولاءات طائفية محضة. وان أعلن غزالة أنه مستعد للشهادة لان يضحي في سبيل النظام ورجاله ولكنني لا أظن أن أحدا من أبنائنا في الطائفة ممن يلتحقون بالجيش مستعد أن يضحي من أجل حكم العائلة الأسدية.
وعزلة النظام هنا كبيرة وهو في سعي حثيث للالتفاف عليها قدر الامكان فنري أنه خلال الوزارات المتعاقبة يحاول أن يعيد مسرحية أبيه الذي مارسها النظام في مطلع السبعينات في تحالفاته مع البرجوازية المدنية. ومن هنا نري أنه خلال الوزارات المتعاقبة يحاول أن يوكل ادارة الوزارات التقنية لأبناء العائلات المدنية الكبري فنجد الكثير من أسماء هذه العائلات تستعمل كوزراء تكنوقراطيين لا يملكون أي وزن سياسي حقيقي بل هم أقرب للمدراء منهم للوزراء. فيجعل منهم واجهة يحاول من خلالهم أن يخلق لنفسه طبقة مزيفة تعتقد بأن مصالحها مرتبطة باستمرارية نظامه. ويوهم النفس بشعبية زائفة.

لم يبق سوي الحزب لزجه في وجه المدفع:

واليوم يهيئ النظام نفسه لموجات متعاقبة من المحاسبة عن جرائمه الدولية واستحقاقات داخلية واقليمية قد تجعل منه حالة مكررة لما حصل للقادة الصرب ومسؤولياتهم امام المحاكم الدولية. وتحضيرا لهذا اليوم يحاول النظام أن يجد عمقا يدافع عنه. فبعد فشله بتوظيف الطائفة وادراكه محدودية قدرات أبناء العائلة والمغتنين عن طريقه وعلي أكتاف الشعب السوري؛ ومعرفته التامة بلامبالاة الشارع السوري بحكمه أو الدفاع عنه يتجه اليوم ليعيد حزب البعث العربي الاشتراكي للواجهة بعد عقود طويلة من التهميش. هذا يذكرني بمطلع الثمانينات عندما حول النظام كل بعثي الي مخبر وطالبه بحمل السلاح دفاعا عن حكمه.
ولكن المشكلة اليوم أن استجابة البعث لطلباته ستكون بمثابة من يقفز علي زورق غارق عوضا عن الهرب منه. فكما ارتكب البعث في العراق خطأ قاتلا عندما فشل في التمييز بين صدام حسين كنظام والحزب كقوة فاعلة في المجتمع سيرتكب البعث اليوم خطأ سيتحمل مسؤوليته التاريخية ان سمح لذاته بأن يتحول من جديد لهيكل مدافع عن النظام مقابل فتات تحصل عليها بعض قيادات البعث. فالبعث اليوم يملك الكثير من الأوراق التي يمكنه أن يؤثر فيها علي القرار السياسي والشعبي. وحري بأبنائه أن يكونوا طليعة التغيير. ان مفهوم الحزب القائد الزائف سيتحول الي حقيقة ناصعة البياض اذا وضع موضع التنفيذ لا لتبرير استمرار الغلط بل لاستلام زمام عملية التغيير نفسها. وكوادر البعث يتحملون المسؤولية الأكبر لقدراتهم التنظيمية ولموقعهم من القرار السياسي. وسيكون أقل كلفة تميزهم بقرارهم وتبنيهم التغيير عوضا عن الغرق مع مركبة النظام الغارقة.
ان الجرائم التي يرتكبها النظام اليوم والتي سيحاسب عليها داخليا وخارجيا لم تعد قابلة للطي والنسيان فلن تزيد شعبنا الا رغبة بالقصاص ولن يتمكن النظام الدولي الحقوقي المدني من التغاضي عنها كما فعل في الثمانينات. والتلويح بالحصانة الديبلوماسية أو بالسيادة الوطنية بكل شاردة وواردة أمر أكل الزمان عليه وشرب، فلاحصانة الديبلوماسية حمت بينوشه ديكتاتور تشيلي العتيد ولا السيادة الوطنية منعت القيادات الصربية من طائلة عقاب المجتمع الدولي. كما أن صم الآذان عن نداءات المصالحة الوطنية التي يمارسها النظام كانت اقصر السبل لتكريس عزلته. فلن تبقي أيادي القوي الوطنية التي رفضها سواء من بقايا ربيع دمشق أو من موقعي اعلان دمشق أو غيرهما ممدودة له الي الأبد. واليوم وقد أودع معظم هؤلاء السجن فمن أين له أن يجد التواصل ووحدة الصف الداخلية يوم يحتاجهما للدفاع عن كرسيه؟
ان البعث يملك الكثير من الأوراق وكثير من هذه الأوراق تتفق بشكل كبير مع مبادئه ومرتكزاته الأساسية. فلا بد لقواعده من وقفة مشرفة مما يجري حولهم. فتدهور الحالة الاقتصادية لطبقاتنا الكادحة وترهل المؤسسات التي ينبغي أن تكون المدافع الأول عن هذه الطبقات مثل نقابات العمال ونقابات الفلاحين وغيرهما من مؤسسات المفترض انتماؤها للمجتمع المدني يبقي الشغل الشاغل لكوادر الحزب. فالبعث لم يتمكن حتي اليوم من تقديم نموذج حقيقي لهذه القوي الشعبية يحتذي، ولم يدع هذه القوي تتخذ زمام الأمور وتدافع عن مصالحها بذاتها. والسؤال يبقي مطروحا فيما اذا كان البعث قادرا علي ريادة التغيير أم أنه سيتحول من جديد الي ختم تصديق للحكم. لقد رأينا الاسلاميين في السجن ورأينا العلويين والشيوعيين، فهل لنا أن نري البعثيين يعلنون فكرهم ومواقفهم الي جانب الشعب وفي مواجهة النظام؟ أم أن البعث مات تحت حكم الأسد وأولاده كما ماتت فكرة الوحدة في لبنان تحت وطأة الظلم والنهب والقتل والارهاب الذي مارسه النظام في لبناننا الشقيق.
أما وان يستجيب البعث لأوامر الأسد ويعود كما عاد في الثمانينات ليتحول لمجرد حام للسلطان ومصفقا له في كل شاردة وواردة فانه سيكون بمثابة سقوط آخر قلاع الفكر القومي والعربي فسيكون ذلك تأكيدا جديدا عن عجزه الداخلي. ان هذه الخيارات المطروحة تتمثل بخيارين لا ثالث لهما. فعلي البعث اليوم أن يختار بين الشعب وثلة الحكم العائلية المتسلطة علي مقادير البلاد.
فاذا كان شاعر دمشق الكبير يقول
يصلب الأنبياء من أجل رأي
فلماذا لا يصلب الشعراء
فهل لي أن أقول
يثور الناس من أجل رأي
فمتي تثورون يالرفاق؟
فهل لكم يا رفاق أن تبدأوا بالتوقيع علي اعلان دمشق وذلك أضعف الايمان؟

ہ اقتصادي وأكاديمي من سورية
kaarm@yahoo.com