المكارثية تعود من جديد إلى أمريكا إحياء القوانين القمعية من بقايا الحرب الباردة

محمود الفيتوري الراية

 

التحقيق مع مفكر يوناني في مطار كيندي وإجباره على العودة إلى بلاده

الرموز اليسارية في العالم ممنوعة من دخول الولايات المتحدة

أثينا - د. محمود الفيتوري:

عادت إلى الحياة من جديد في الولايات المتحدة هذه الأيام، جملة من القوانين القمعية التي تعد من أثقل مخلفات وبقايا الحرب الباردة، والتي كانت قد طبعت فترة طويلة من تاريخ أمريكا الحديث، خاصة تلك القوانين التي كانت تساند منع المفكرين والفنانين من ذوي التوجهات اليسارية، من دخول الولايات المتحدة الأمريكية. حيث تم بعثها اليوم في سياق الحملة الوطنية ضد الإرهاب. وهو الأمر الذي ترى فيه أغلب التحليلات ترجمة واضحة للخوف الذي تعاني منه الولايات المتحدة، ليس من هؤلاء الأشخاص ولكن من قوة الأفكار التي يحملونها.
وتمثل قضية البروفيسور اليوناني يانيس ميليوس الذي أوقف في مطار كينيدي بمدينة نيويورك، وتم التحقيق معه لمدة ساعات طويلة من قِبل الـ (أف.بي.أي) قبل إجباره على العودة إلى بلاده، دون السماح له بدخول الولايات المتحدة الأمريكية، وذلك على الرغم من تأشيرة الدخول الصالحة والقانونية التي كانت على جواز سفره، واحدة من أهم هذه الأحداث الجديدة التي تمت على عتبة قوانين حماية أمريكا من الأفكار اليسارية، والتي تعكس حجم الصلاحيات التي يتمتع بها النظام البوليسي الخاصّ السائد في البلد بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001.

على أن الأسباب ذاتها التي طرحت لتبرير هذا المنع التعسفي لأستاذ جامعي مروق، ورئيس تحرير فصلية فكرية على درجة من الأهمية العالمية وهي مجلة (مواقف)، والذي يتربع على عرش من المؤلفات الفكرية والفلسفية - النظرية، من المشاركة في مؤتمر دعته إليه جامعة نيويورك، التي تنظم للتظاهرة، إنما تشهد بأن هذا الوضع البوليسي المتشدد لا يتوافق بالضرورة مع المجتمع الجامعي الأمريكي، الذي أستمر في دعوة مختلف التيارات الفكرية في العالم للمشاركة في التظاهرات الفكرية التي ينهض لتنظيمها.
حتى أن قضية البروفسور اليوناني قد امتدت لتأخذ صفة سياسية أكبر، عندما أبدى عضوان من الكونجرس الأمريكي هما تشارلز سومير وهيليري كلينتون (زوجة الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون) اهتمامهما بها، وتبنيا عرضها في إطار مجلس الشيوخ الأمريكي،كما تحركت نفس الوقت جملة من التنظيمات المدنية واتحادات الحقوق السياسية والاجتماعية للتنديد بهذا الموقف ومساندة حق البروفسور اليوناني، كما جملة رجال الفكر والثقافة في العالم، للدخول للأراضي الأمريكية والمشاركة في الحوار الذي تطرحة الثقافة الأمريكية مع العالم.

الرقابة الفكرية.. عند الحدود الأمريكية

غير البروفسور يانيس ميليوس، واجه العديد من المفكرين والفنانين اليونانيين رفض الولايات المتحدة لدخولهم إلى أراضيها ولمدة سنوات عديدة لمجرد أن أسماءهم وجدت على إحدى قوائم (المفكرين غير المرغوب فيهم). من هؤلاء الصحفي اليوناني جورج فوتسيس والصحفي اليوناني خريستوس بابوتساكيس من مجلة (أنديّ) اليونانية.
إلا إن هذا الرفض التعسفي لحق الدخول للأراضي الأمريكية لم يقتصر على الرموز اليسارية اليونانية، بل أنه شمل كافة الجنسيات والاهتمامات الفكرية والفنية ممن أصابهم هذا التعسف، بحيث أسس الأمر لحالات صارخة من المنع لدخول الولايات المتحدة، وصمت نصف قرن من السياسة الأمريكية، والتي دفعت مواطني أمريكا نفسها للقيام بحملة معارضة تحت شعار أوقفوا الرقابة عند الحدود.
ففي عام 1952 تم منع الكندي بيير تريندو من دخول الولايات المتحدة، وذلك لأن اسمه كان موجودا على القائمة السوداء التي وضعتها الإدارة الأمريكية، بعد أن شارك في إحدى المؤتمرات ا

لاقتصادية في موسكو. رغم أن ما سجله عنه الروس أنفسهم في هذه الزيارة بالذات أنه قد رمى تمثال ستالين بكرة من الثلج، وهو الأمر الذي كان قد أغضبهم منه جدا. مع ذلك فإن هذا التعسف الأمريكي ضد الرجل لم يمنع ترشيحه أربعة مرات متتالية لرئاسة وزراء كندا.
وفي نفس العام 1952 أبعدت السياسة الأمريكية الكاتب البريطاني غراهام غرين من البلد،  بتهمة أنه كان عضوا في الحزب الشيوعي وهو في سن التاسعة عشر.وسينتظر حتى عام 1956 ليحصل على تأشيرة دخول مؤقتة، لأن الإدارة الأمريكية اعترفت بأن غراهام غرين كاتب معروف عالميا، وأنه من خلال آرائه الفلسفية التي يعبر عنها في كتاباته يظهر جليا أنه مضاد للشيوعية.
عام 1953 جاء دور الكاتب السويدي يان مردال، ليجد حدود الولايات المتحدة الأمريكية مغلقة أمامه بالرغم كونه سليل اثنين من الحاصلين على جائزة نوبل للسلام.
وقد رفضت الولايات المتحدة لمدة 25 عاما منذ عام 1962 وحتى عام 1986 تأشيرة دخول لغابرييل غرسياس ماركيس، الحائز على جائزة نوبل في الآداب، وكان كل مرة يحتاج فيها السفر إلى أمريكا يضطر للاكتفاء بمستندات خاصة لإذن دخول مؤقت.
كاتب ومؤلف مائة عام من العزلة لم يتم إعلامه على الإطلاق عن السبب الذي كانوا من أجله يرفضون إعطاءه تأشيرة دخول عادية. أما المعلومات غير الرسمية فإنها تُعزي السبب إلى موقف السلطات الأمريكية من أفكاره اليسارية وصداقته للرئيس الكوبي فيديل كاسترو.
وفي عام 1962، رغم الدعوة التي تلقاها الكاتب المكسيكي كارلوس فويندس للتحدث عن مخطط الولايات المتحدة الأمريكية في أمريكا اللاتينية، لم يتمكن من الحصول على تأشيرة دخول لأن وزارة الخارجية الأمريكية كانت تشك في انتمائه الشيوعي.

وقد قامت المنظمة العالمية للكتاب عام 1966 بدعوة الشاعر التشيلي بابلو نيرودا الحاصل على جائزة نوبل للآداب، إلى مدينة نيويورك، غير أن وزارة الخارجية الأمريكية رفضت إعطاءه تأشيرة دخول إلى الولايات المتحدة بسبب علاقته بالحزب الشيوعي التشيلي، ودعت الحاجة في النهاية إلى توسط الكاتب أرثر ميلر الذي كان قد رتب اللقاء لتأمين تأشيرة دخول مؤقتة للشاعر التشيلي حتى لا يُلغى اللقاء.
ولم تتمكن الكاتبة البريطانية دوريس ليسينغ حتى عام 1969، من الحصول على تأشيرة دخول إلى الولايات المتحدة بدعوى انها كانت على علاقة مع عناصر (مخربة)، وذلك لأنها كانت عضوه في المجموعة اليسارية (نادي الكتاب اليساري)، الذين تصفهم الكاتبة دوريس ليسينغ بأنهم: (أناس يقرأون كل شيء وأنهم لا يعتبرون أنه جدير بالاهتمام كل ما يقرأون).

وفي عام 1969 دعت جامعة هارفرد الاقتصادي البلجيكي أرنيست مونديل لمطارحة علانية على الهواء مع جون كينيث غالبريت، إلا أن وزارة الخارجية الأمريكية رفضت أن تعطيه تأشيرة دخول لأنه كان ماركسيا ومؤيدا لنظريات الاقتصاد الشيوعي. وهو الأمر الذي دفع الاقتصادي العالمي أرنيست مونديل للجوء إلى القضاء الأمريكي للحصول على ما منعته عنه وزارة الخارجية الأمريكية، بحيث وصلت القضية إلى المحكمة العليا الأمريكية، والتي في عام 1972 رفضت بدورها طلب أرنست مونديل، ولكن القضية أخذت أبعادا إعلامية كبيرة، في نفس الوقت الأقلية في المحكمة العليا قبلت بوجهة نظر مونديل بأن من حق الشعب الأمريكي أن يسمع أية آراء يريد، حتى ولو كان أصحابها أجانب.
البرازيلي أوسكار نيميير وهو أحد أكبر مهندسي القرن العشرين،والذي قام بالمشاركة مع ليّ كوربوزيي بتصميم المبنى المعروف والمشهور لهيئة الأمم المتحدة في مدينة نيويورك، ولكن عندما تم تشييد المبنى واكتملت عملية بنائه عام،1953 لم يتمكن أوسكار نيميير من رؤيته إلا عام 1971. لأنه وحتى هذا التاريخ (1971) لم يتمكن من الحصول على تأشيرة لدخول الولايات المتحدة، لكونه عضوا في الحزب الشيوعي البرازيلي.
كان رأي أوسكار نيمييرحول الأمم المتحدة : بأنها تجمع إنساني من حكومات وأيديولوجيات مختلفة استطاعوا أن يجلسوا كإخوة ليناقشوا مشاكلهم، الأمر الذي سيجلب السلام للإنسانية.
وفي شهر مايو عام 1980 رفضت الخارجية الأمريكية منح المبدع الدرامي الإيطالي داريو فو الحائز على جائزة نوبل، عندما رغب مع رفيقته الممثلة فرانكا رامي كانا في زيارة مدينة نيويورك للمشاركة في مهرجان المسرح الإيطالي الخامس، وزارة الخارجية الأمريكية لم تعطيهما تأشيرة دخول بسبب علاقتهما بـ (النجدة الحمراء) soccoro rosso وهي منظمة يسارية تعمل من أجل تحسين أحوال سجناء الحركة المسلحة في ذلك الوقت.

في عام 1982 تم تنظيم لقاء عالمي من قِبل هيئة الأمم المتحدة من أجل نزع التسلح النووي، وقد رفضت الخارجية الأمريكية إعطاء تأشيرة دخول لمئات من دعاة السلام من جميع أنحاء العالم، من بين هؤلاء 300 ياباني أعضاء في حركة تزنسويكو اليابانية والتي اتهمتها الحكومة الأمريكية بأن لها علاقات مع الاتحاد السوفيتي. رئيس المجموعة الراهب البوذي غيوتسو ساتو نفى هذه التهمة وأكد على أن هدفه كان أن يطلب من الأمم المتحدة المنع الكامل والشامل للأسلحة النووية.
في نفس العام 1982 ألغت وزارة الخارجية الأمريكية تأشيرة الأوروغواني أنخيل راما الأستاذ في جامعة ميريلاند، والذي أجبر، إذا ما أراد أن يجدد أقامته، على أن يقسم أمام القانون بأنه لم يكن عضوا في الحزب الشيوعي.
وفي عام 1983 قامت مجموعات أمريكية من دعاة السلام في مدينة بوسطن بدعوة الإيطالي نينو باتسي، النائب البرلماني والرئيس السابق لحلف شمال الأطلنطي (الناتو) وعضو مجلس الشيوخ، لإلقاء محاضرة أمام جمهورها الواسع. إلا أن الخارجية الأمريكية رفضت منحه تأشيرة دخول لأنه كان عضوا في مجلس السلام العالمي والذي تعتبره السياسة الأمريكية منظمة تعمل كواجهة للشيوعيين. أما دوافع الرفض الحقيقية كما ترى أغلب التحليلات هو أن باتسي وقف موقفا مضادا وعلنيا لموقف حكومة الرئيس ريجان في موضوع التسلح النووي، وضد المشروع المثير للجدل مشروع (حرب النجوم).
وكانت أرملة الرئيس التشيلي سلفادور أليندي، قد طلبت عام 1983 تأشيرة سياحية لتتمكن من الاستجابة لعدة دعوات وجهتها لها جامعات أمريكية. في الرسالة التي أعلنوا لها فيها عن رفضهم لدخولها إلى الولايات المتحدة،شرحت لها السلطات الأمريكية أن وجودها في أمريكا سيكون مضرا بمصلحة أمريكا.
السيدة أورتينسيا أليندي صرحت بأنه، إذا سمحوا لها بالتحدث في الولايات المتحدة الأمريكية فإنها كانت ستدين الدعم الذي قدمه الرئيس ريجان لنظام بينوشت الديكتاتوري في تشيلي.
في عام 1984 تمت دعوة ماريتسا رويس إلى الولايات المتحدة الأمريكية لتسلم جائزة حقوق الإنسان روبرت كينيدي لنشاطها في قيادة الـ comadres في السلفادور، وهو تنظيم أمهات المواطنين الذين اختفوا بفعل عمليات بوليسية من قبل النظام الديكتاتوري في السلفادور. على أن الحكومة الأمريكية رفضت منحها تأشيرة دخول بدعوى أن الـــ comadres كانوا على علاقة مع الثوار. السيدة رويس رفضت هذه الادعاءات وأكدت على أنها تملك أدلة إدانة لدعم حكومة ريجان للحكومة الديكتاتورية.

وفي عام1985 رفضت السلطات الأمريكية دخول الكاتب الكندي فارلي مووات إلى الولايات المتحدة، والذي كان في نيته أن يقدم كتابه حول أبادة الأحياء البحرية في شمال الأطلسي (بحر المجزرة)، في مدينة لوس أنحلوس الأمريكية، وذلك دون أن يبينوا له السبب.
وقد تبين بعد ذلك أن أسمه كان موجودا مع 3000 اسم لكنديين أخرين موجودين في القائمة السوداء لـ INS أي.إن.أس INS = Immigration and Naturalization Service الأمر الذي أقام الدنيا ولم يقعدها في حينها مما أضطر الحكومة الأمريكية على منحه تأشيرة دخول ولكن الكاتب رفضها، وطلب أن يسلمها له الرئيس الأمريكي ريجان شخصيا.
في عام 1986 تم القبض على الأستاذ تسيخيرو ياتاني، أستاذ علم النفس بجامعة ألفريد ستيت، على الحدود الأمريكية وهو في طريق عودته من هولندا إلى الولايات المتحدة، وتم توقيفه لمدة 44 يوما دون أي تفسير، ولمجرد أن أسمه كان في (القائمة السوداء). والأستاذ ياتاني كان مقيما أقامة دائمة في الولايات المتحدة منذ عام 1977، وبالرغم من طلباته المتكررة ولجوئه إلى قانون حرية المعلومات Freedom of information Act إلا أنه لم يستلم أبدا أي تفسير رسمي لهذا الاعتقال التعسفي. وهو اليوم يعتقد، ومحاميه أيضا أن تصرف السلطات الأمريكية يرجع إلى مشاركته في اعتراضاته على الحرب في فيتنام عندما كان طالبا في اليابان.
الصحفية الكولمبية باتريشيا لارا كانت مدعوة من قِبل جامعة كولمبيا عام 1986، وبمجرد وصولها إلى مطار كينيدي تم التحقيق معها من قِبل ضباط الـ (أي. إن. إس) لأنهم وجدوا اسمها في (القائمة السوداء). بعد ذلك صرحت باتريشيا لارا بأنهم سألوها إذا كانت قد كتبت ضد حكومة الولايات المتحدة الأمريكية. وزارة الخارجية الأمريكية أصرت على أنه تم منعها من الدخول باعتبارها مشتبهاً بها في القيام بنشاط شيوعي وتخريبي أو ارهابي.
عام 1990، تم توقيف النقابي الكندي جيم هانتر رئيس الاتحاد العالمي لعمال النقل، الذي كان قد سافر للمشاركة في لقاء نقابي بفلوريدا، بتهمة أنه كان في سن العشرين عضوا في الاتحاد الوطني لاتحاد الشبيبة العمالية. وقد علق جيم هانتر على منعه من الدخول بقوله : إن بلد الحرية لا تسمح بالدخول لشخص كان قبل 35 عاما يلعب البيسبول مع الشيوعيين.
وفي عام 2002 تم توقيف الكندي جون كلارك، منظم التحالف ضد الفقر في أندريو، الذي كان متوجها للمشاركة بأحد المؤتمرات بجامعة ميتشجان، وسألوه في المطار إذا كان مضادا لأيديولوجية الولايات المتحدة.
عميل الـ (أف.بي.أي) الذي كان يحقق معه أثناء توقيفه اتهمه بأنه كان يعرف أين يختفي أسامة بن لادن. بعد 5 ساعات من التحقيق تم أعادته إلى بلاده.
كما رفضت السلطات الأمريكية عام 2002، تأشيرة الدخول لتوكيو سيهوالي، وسيدني موفامادي عضوا الكونجرس الوطني الأفريقي، بدعوى وجود أحكام سابقة صدرت بحقهما في جنوب أفريقيا، الأمر الذي لم يكن غريبا لأن كلاهما كانا من النشطاء السياسيين، وكان قد تم محاكمتهما لنشاطهما السياسي ضد نظام التمييز العنصري (الأبارتهايد) في جنوب أفريقيا.
ممثلة السفارة الأمريكية في بروتوريا، فرتجينيا فاريس : صرحت بأنه حتى يتم استثناء المنع من دخول أمريكا لأولئك الذين تمت بحقهم صدور أحكام بسبب نضالهم ضد نظام التمييز العنصري في جنوب أفريقيا، سيحتاجون إلى قانون جديد يوافق عليه الكونجرس الأمريكي.
نيلسون مانديلا نفسه، أبلغ عام 2003 بأن أسمه لم يسحب من قائمة الغير مرغوب فيهم إلا منذ 10 سنوات فقط.

وفي عام 2003 منع الأستاذ الجامعي كارلوس ألسوغاراي تريتو من زيارة الولايات المتحدة الأمريكية ومن المشاركة في مؤتمر اتحاد الدراسات الأمريكية اللاتينية. وكان المسؤولون الدبلوماسيون الأمريكيون في هافانا سألوه عندما تقدم بطلب الحصول على التأشيرة، إذا كان قد وقع على إدانة الحرب في أفغانستان، عندما كان رده بالإيجاب، أخبروه بأنه لا يمكنه الحصول على تأشيرة دخول إلى الولايات المتحدة الأمريكية.
الدكتور طارق رمضان وقبل أن يبدأ عمله بالتدريس في جامعة نوتردام عام 2004، علم بأن تأشيرة أقامته قد تم إلغاؤها، ممثل عن وزارة الأمن الداخلي، أصر على أن الدكتور رمضان يصنف على أنه من الأجانب الذين يستعملون مواقعهم البارزة في بلد ما لأجل أن يدعموا أو أن يكلفوا بنشاط إرهابي. مجلة تايم (دعته بالمفكر الإسلامي بين المهاجرين المسلمين من الجيل الثاني والثالث في أوروبا). الدكتور طارق رمضان ليس فقط أنه حدد موقفه من أي نشاط إرهابي ولكن أيضا يشارك في مجموعة خاصّة شكلتها الحكومة البريطانية لمحاربة التطرف والإرهاب.
في أكتوبر عام 2004 كان مقررا أن يشارك 61 كوبيا في مؤتمر اتحاد الدراسات الأمريكية اللاتينية. أسبوعين قبل موعد بدء المؤتمر، الأساتذة الجامعيون بُلغوا بأنهم لن يُمنحوا تأشيرة دخول إلى أمريكا، وأن هذا الإجراء وسيلة ضغط للإسراع بالتغييرات الديموقراطية التي تقوم حكومة الرئيس بوش بدعمها والدفع بها لأجل كوبا (حسب رأي الإدارة الأمريكية).
الأستاذة الجامعية النيكاراغوانية دورا ماريا تيليز أجبرت على ترك عملها في جامعة هارفرد الأمريكية عندما رفضت الحكومة الأمريكية منحها تأشيرة عام 2005 بسبب مشاركتها في ثورة الساندينيستا عام 1979.
جون كوتسوورث مدير مركز روكفيلر للدراسات الأمريكية اللاتينية في جامعة هارفارد الأمريكية أشار إلى أنه بناء على القوانين التي تضعها الحكومة الأمريكية لإعطاء تأشيرات دخول إلى الولايات المتحدة فإنهم سوف لن يسمحوا حتى بدخول جورج واشنطن.
في مارس عام 2005 السلطات الأمريكية لم تسمح للمحامي البوليفي فيرناندو رودريغز بالدخول إلى الولايات المتحدة، حيث تمت دعوته للتحدث حول ممارسات الاستغلال والقمع التي يتعرض لها السكان الأصليون في بلاده بوليفيا من قِبل شركات البترول الكبرى. تأشيرته تنتهي في عام 2014 ولكن ضباط وزارة الأمن الداخلي الأمريكية قاموا بإلغائها، قائلين بأن له اتصالات مع قرويين أرهابيين.

عقلية الحرب الباردة
خلال سنوات الحرب الباردة، قامت حكومة الولايات المتحدة الأمريكية باستغلال وإساءة استعمال قوانين الهجرة بهدف إبعاد فنانين ومفكرين بارزين عن أراضيها، رغم أن إي من هؤلاء لم يكن يشكل خطرا على الأمن القومي لأمريكا، مع ذلك تم عزلهم وإبعادهم وذلك ببساطة لأن حكومة الولايات المتحدة الأمريكية أرادت أن تمنع مواطنيها وسكان البلاد من اللقاء بهؤلاء وسماع أفكارهم. بهذه الكلمات وصف اتحاد الحريات المدنية الأمريكي، أحد أهم المنظمات للدفاع عن الحقوق في أمريكا American Civil Liberties Union ما يجري من أمر في هذا الشأن. مؤكدا بأن النظام الأمريكي استمر لعشرات السنين يمنع المئات من المفكرين والفنانين من الدخول للأراضي الأمريكية، لمجرد أنهم كانوا قد عبّروا، في وقت ما، عن آراء وأفكار، التي لم تعجب الإدارة الأمريكية.
والذي تحققت منه المنظمة،  وتأكد لها كما تأكد لأغلبية الحركة الديموقراطية في الولايات المتحدة الأمريكية، أنه بعد حملة الرئيس بوش ضد إمبراطوريات الشر كما يدعوها، عاد لتفعيل هذا الإجراء الذي كانت قد خفت وطأته خلال التسعينيات، والذي تعتبره جميع المنظمات الإنسانية والديموقراطية أمرا خطيرا جدا، بحيث سعت لتنظيم حملة واسعة وكبيرة لإلغائه ووقف العمل به.
ولفهم ما يجري في أمريكا اليوم، والذي تصفه التحليلات بأنه حالة تصعيد حقيقي للمكارثية، تستند إلى القانون المعروف (قانون) Patriot Act  الذي يعود بعقلية العزّل الإيديولوجي من جديد. نحتاج لمعاودة سريعة لتطورات هذا المفهوم منذ بدايته في الخمسينات، عندما عرض قانون ماكاران - وولتير عام 1952 للتصديق، والذي قرر بأغلبية كبيرة في مجلس النواب، ثم في مجلس الشيوخ، رغم معارضة الرئيس الأمريكي هاري ترومان، والذي اعتبر أن هذا القانون يفرض مراقبة على الفكر بما لا يجعله لا ديموقراطي ولا أمريكي بحسب تعبيره.
هذا القانون فرض العزلة والإبعاد على جميع الأجانب الذين يدعمون ويناصرون الاقتصاديات والنظريات الحكومية والدولية للشيوعية العالمية وجميع من كانوا أعضاء في أو كانت لهم علاقات بمنظمات تساند هذه النظريات.
أول شرخ واجه هذا القانون كان عام 1972، عندما توجه الاقتصادي البلجيكي المشهور إلى القضاء الأمريكي ورفع دعوى ضد قرار حكومة الرئيس نيكسون التي ألغت تأشيرة أقامته التي كان قد حصل عليها، واستمرت في عهد الرئيس كينيدي وعهد الرئيس جونسون. هذه القضية وصلت إلى المحكمة العليا الأمريكية، حيث كان القرار فيها لصالح الحكومة الأمريكية، ولكن الحدث كان قد بلور بوضوح وجهة نظر جديدة قادتها أقلية مهمة في هيئة المحكمة والتي ساندت فكرة أن الرعايا الأجانب لا تحميهم الحقوق الدستورية لحرية الكلمة، ولكن المواطنين الأمريكيين يملكون حق سماعهم.
وقد أتهم القاضي ويليام دغلاس ساعتها وزير العدل الأمريكي بأنه : يعمل على عزل وأبعاد كل من يملكون أفكارا لا يقبلها هو نفسه، وأشار إلى أن : مراقبة الفكر ليست من اختصاص أي مؤسسة حكومية.
أما القاضيين مارشال - و- برينان فقد عبرا بدورهما حول : أن الحكومة الأمريكية لا تملك أي سبب قانوني بأن تقف حائلاً أمام تنقل الآراء والأفكار، وبالتأكيد لا يمكنها أن تختار حسب رغبتها ومصالحها ما هي الأفكار التي تسمح لها بالدخول إلى الولايات المتحدة الأمريكية.
مع ذلك كان قرار المحكمة العليا الأمريكية قد ذهب باتجاه السماح للسلطات الأمريكية بأن تستمر في إضافة أسماء أخرى إلى (القائمة السوداء)، من المواطنين الأجانب ممن يجب عزلهم وإبعادهم بسبب أفكارهم التي يؤمنون ويجاهرون بها. بحيث بلغ عدد الأسماء التي تشتمل عليها هذه القائمة خلال منتصف الثمانينات إلى 250.000 اسم،  وفق ما رصده الخبير أرثور هيلتون.
في نهاية عام 1980 وعندما صار (الخطر الأحمر) ينحل ويضمحل، انعكس هذا على موضوع عزل وإقصاء الأجانب، بحيث استطاع العديد من الأساتذة الجامعيين والسياسيين والفنانين، ممن كانت أسماؤهم واردة في القائمة السوداء، الحصول على تأشيرة دخول مؤقتة،عندما قرر الكونجرس الأمريكي توقيف وتأجيل العمل بهذا القانون عام 1987، ليتم إلغاؤه في النهاية عام 1990.
ولكن وللأسف، لن تمض أسابيع قليلة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001،حتى تم من جديد إحياء وبعث هذا القانون الضيق الأفق والجائر، كما تصفه المنظمات الإنسانية، والذي صار الآن يحمل اسم Patriot Act.