الرأي العام العربي والهم السوري

د. برهان غليون: الإتحاد الإماراتية 5/7/2006


احتلت سوريا منذ عقود طويلة موقعاً متميزاً في الثقافة السياسية العربية. وكان حجم العطف الذي تمتعت به من قبل الرأي العام العربي، من مثقفين ونقابيين ومنظمات مجتمع مدني وقطاعات شعبية عامة، متناسباً مع الدور الذي لعبته، منذ النهضة الفكرية والسياسية في القرن التاسع عشر، في إحياء الروح القومية. وهو الدور الذي جعلها تنفرد، من بين جميع البلاد العربية، بلقب "قلب العروبة النابض"، الذي أطلقه عليها الرئيس الراحل جمال عبدالناصر. وهي بالفعل قلب العروبة النابض. ولا تزال العروبة هي الهوية الحقيقية لسوريا وللسوريين. وقد أخفقت جميع المحاولات التي قام بها المثقفون ولا يزالون لبلورة هوية وطنية متميزة عن الهوية العربية أو مستقلة نسبياً عنها حتى لو كانت بإزائها أو بمواكبتها وليس ضدها.
وبالرغم مما يزيد عن أربعة عقود من سياسات القوة وفرض الرأي، التي جعلت دمشق تدخل مراراً في مواجهات دامية مع العديد من الأطراف العربية، وفي مقدمها حركة المقاومة الفلسطينية، لم يضعف هذا التعاطف مع سوريا عند الرأي العام العربي. وقد زاد هذا العطف بقوة في السنوات الأخيرة، في مواجهة ما تتعرض له سوريا من ضغوط خارجية، أميركية بشكل خاص، وإزاء ما تجبر على تطبيقه من قبل مجلس الأمن من قرارات دولية جائرة، سهلت صدورها بعض الاختيارات السياسية الخاطئة، وسوء التقدير. ولم يوفر الرأي العام العربي المحب لسوريا، والحريص على استقلالها وقوتها، وسيلة للتعبير عن تأييده لها وتمسكه باستقلالها وسيادتها.
وإلى وقت قريب، لم يكن الرأي العام العربي يظهر قلقاً كبيراً على الأوضاع السورية. وكانت ثقة العرب المتضامنين مع سوريا وشعبها قوية بالأسس التي تقوم عليها الوحدة الوطنية، بل بالقيادة السياسية السورية، وبالتالي بقدرة البلاد على تجاوز أزمتها الداخلية المؤقتة، وعلى التصدي للمؤامرات الخارجية. لكن الشكوك التي بدأت ضعيفة أخذت تتنامى في الأشهر الأخيرة، وفي موازاتها النزوع إلى مقارنة الخيار السوري الراهن في ما يتعلق بالانغلاق على المجتمع وإظهار الخوف الشديد منه، بالخيار العراقي السابق على التدخل الأميركي- البريطاني. ومع تعثر عملية الإصلاح، وتراجع السلطة عن العديد من الوعود التي أعطتها، ثم تزايد الحديث في الإعلام العربي والعالمي عن العودة إلى سياسة العصا الأمنية الغليظة التي تعاني منها العديد من الشعوب العربية، بدأت الثقة تترك مكانها للانشغال والقلق والخوف على مستقبل سوريا وشعبها.
ومهما كانت مبرراتها أو الدافع إليها، شكلت حملة الاعتقالات الأخيرة التي طالت منذ الرابع عشر من مايو عشرات المثقفين السوريين، على خلفية توقيعهم على بيان مع زملائهم اللبنانيين يدعو لإصلاح العلاقات السورية- اللبنانية المتأزمة، نقلة نوعية في مشاعر قطاعات واسعة من الرأي العام العربي تجاه النظام السوري، وقدرة القيادة السياسية في هذا البلد على مواجهة التحديات. فلم ألتقِ مثقفاً أو مسؤولاً، عربياً أو أجنبياً واحداً في تنقلاتي الأخيرة، وقد صادف وكانت كثيرة بسبب ندوات متعددة، لم يبادرني بالسؤال: ما الذي يجري في بلادك؟ كيف يحصل هذا وكيف يمكن تفسيره؟
لقد أصبحت سوريا اليوم بالتأكيد أحد الهموم الكبرى التي تشغل الرأي العام العربي، بمثقفيه وكتابه وصحفييه ومحاميه وأطبائه ومهندسيه، وجميع فئات الشعب التي أحبت سوريا ولا تزال ترى فيها، ذخراً للعروبة.
وقد أرسل لي زميل عربي يقول بالإنجليزية: "زرت دمشق مؤخراً وعرفت بالضبط عمَّ تتكلمون". وفي اعتقادي أن أفضل وصف للديناميكية التي تتحكم بالمجتمع جاء على يد باحث غربي زار البلاد وتحدث مع السكان وراقبهم وهم يلهثون وراء لقمة العيش، مع تراجع قوتهم الشرائية وغلاء الأسعار من دون ضابط. فقد لاحظ أن الناس يعيشون كالأشباح، يعتقدون أنهم أحياء، ولكنهم ليسوا كذلك في الواقع. وآخر همهم العمل مع آخرين في فريق واحد لتحسين شروط عيشهم وعيش أقرانهم. والملاحظة الثانية التي أشار إليها الباحث الغربي، هي "الاختلاف الكبير في منظومات القيم التي يتعامل بها الشعب اليوم، بالمقارنة مع قيم الخمسينيات والستينيات. كانت القيم الماضية تشجع على التفكير بالذات وبالناس الآخرين أيضاً، وبالتالي بالمجتمع ككل. وهو ما كان يعبر عن نفسه عبر الإيديولوجيات والشعارات الاجتماعية الرائجة. أما اليوم فجميع القيم الشائعة مرتبطة بالمصالح الخاصة فحسب. وبإمكانك أن ترى قصراً منيفاً يتجاوز سعره 20 مليون ليرة لا يضير أصحابه أن يكون محاطاً بأكوام من الزبالة. ومع أن هالة كربون الأوكسيد التي تغطي مدينة دمشق كافية لتقصير عمر أشرس الحيوانات للنصف، فليس هناك من يتحدث عن مسؤولية الحكومة وعن واجبها في إيجاد الحلول لحماية المواطنين. ومن الواضح أن نسبة السكان الذين يعيشون ويعملون ويمارسون نشاطات ربحية خارج القانون كبيرة جداً. وكلمة العدالة ليست من المفردات التي يمكن أن نجدها في قاموس هؤلاء. فبالنسبة لهم القوة وحدها هي القانون".
الذي دعاني إلى استعادة هذه الرسالة وترجمتها هو حملة الاعتقالات الجماعية الأخيرة التي طالت مثقفين سوريين، وتلك التي أعقبتها بصرف سبعة عشر آخرين منهم من وظائفهم، بسبب توقيعهم على إعلان دمشق- بيروت نفسه. فهي تذكرنا بأصل المشكلة. فليس لما تعيشه سوريا وشعبها، حسب ما وصفته الرسالة، سبب أكبر من مصادرة حريات الأفراد، وفي مقدمها حرية الرأي والتعبير، وفرض الوصاية الدائمة على العقل، التي تعني تجريم النقد والمساءلة، وفرض الإذعان والاستسلام على شعب بأكمله، وتسليمه وموارده مقيد اليدين والقدمين لمشيئة أصحاب المصالح والامتيازات. فلا ترتبط هذه الاعتقالات والانتهاكات الصارخة لحق الأفراد بأي خطر يتهدد النظام من قريب أو بعيد، وإنما جاءت على سبيل المبالغة في الاحتياط وقتل أي بصيص أمل يمكن لفكر المثقفين الحر أن يبعثه في شعب حوَّله الاعتساف الطويل والعنف إلى رميم.
ليس من المستغرب والحالة هذه، أن تحدث المعاملة المهينة للعقل وللمثقفين والناشطين المدنيين هزة كبيرة في وعي جميع أولئك العرب والأجانب الذين كانوا يتعاطفون مع سوريا وأحياناً مع النظام السوري ذاته، وأن توجه ضربة قاضية إلى أسطورة النظام الإصلاحي، وما رافقها من شعارات التحديث والتطوير والانفتاح الاقتصادي، وتمحو آثار مئات القوانين التي أصدرها العهد الجديد. فبسببها أصبحت سوريا تبدو نشازاً في كل محيطها وعالمها، وكأنها الدولة الوحيدة التي تصر على أن تبقى طائشة ومتمردة على شعبها ومجتمعها.