مشكلة المياه المزمنة بين سوريا وتركيا.. التاريخ قبل الجغرافيا
منطقة الشرق الأوسط ستواجه نقصاً سنوياً في المياه مقداره 100 مليار متر مكعب
سمير شمس : الشرق الأوسط 5/7/2006

كانت احتياجات سورية من مياه الفرات في العام 2000 حوالي 11 مليار متر مكعب، واحتياجات تركيا 15.7 مليار سنوياً، واحتياجات العراق 13 ملياراً، فيكون المجموع 39.7 مليار في حين أن الإيراد السنوي لنهر الفرات لا يتجاوز 27 مليار متر مكعب في السنة، فإن العجز المائي يبلغ حوالي 13 مليار متر مكعب
لا تشكل مشكلة المياه بين سورية وتركيا حالة فريدة أو نادرة مع ما لها من خصوصية. فالأنهار الدولية، تسبب المشاكل في معظم أنحاء العالم لتداخل المصالح، وللحاجة الماسة إليها خصوصاً أن المياه هي بترول القرن الحالي، وأحد المصادر الأساسية والموارد الرئيسية لدول المنبع كما لدول المجرى. وإن المياه وليس النفط، ستكون القضية المهيمنة في الشرق الأوسط بعد العام 2000 وفق مركز الدراسات الاستراتيجية والاقتصادية في واشنطن. وقد أكد مؤتمر اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا بأن منطقة الشرق الأوسط ستواجه نقصاً سنوياً في المياه مقداره 100 مليار متر مكعب. لذلك أصبحت مسألة المياه شائكة تستخدم كسلاح مصلت وتتطلب بالتالي حلولاً دولية.
لكن اختلاف الوضع السوري التركي عن غيره يحتكم إلى التاريخ أكثر من الجغرافية. فحتى مطلع القرن العشرين كانت سورية جزءاً من الدولة العثمانية، ولم تكن هذه القضية مطروحة، لكن نتيجة لسياسة الاتحاديين في سورية، ومن ثم ما آلت إليه الحرب العالمية الأولى من انفصال الولايات العربية، ومنها سورية، عن الدولة العثمانية، إضافة إلى سلخ لواء الإسكندرون السوري، وضمّه إلى تركيا عام 1939، وتناقض المصالح والتحالفات في الفترات اللاحقة أيقظ الأحقاد وشحن المناخ بالبغضاء، وجعل من تقاسم مياه الفرات قضية شائكة في ملف العلاقات التركية ـ السورية.
وما فاقم الأزمة وجعلها أكثر خطورة وتعقيداً، بدء تركيا بمشروعها المائي والتنموي في المناطق التي تسكنها أغلبية كردية، والمسمّى مشروع تطوير جنوب شرق الأناضول (غاب). وهذا المشروع الذي يشمل 21 سداً مائياً إلى جانب 17 محطة كهربائية، أدّى إلى انخفاض التدفق المائي إلى سورية، مما خلق مشكلة حقيقية بين الدولتين رغم توقيعهما على اتفاق دمشق لعام 1987 والذي سمحت تركيا بموجبه بتدفق مائي لسورية يبلغ 500 متر مكعب في الثانية بشكل مؤقت.
وترافقت المشكلة بين البلدين مع نشوء مشكلة تركيا داخلية تمثلت بتمرد كردي كبير بقيادة حزب العمال الكردستاني الانفصالي، وقد اتهمت تركيا سورية بتقديم الدعم لهذا الحزب. فأصبحت أمام العلاقة بين البلدين الجارين ثلاث مشكلات: مشكلة لواء الإسكندرون، والمشكلة الكردية، ومشكلة المياه.
ومع انتهاء تركيا من مشروعها الضخم على نهري الفرات ودجلة، أصبح بإمكانها أن تتحكّم بتدفق مياه الفرات. وامتلكت سلاحاً تستطيع أن تشهره بوجه العراق وسورية إثر كل خلاف في الرأي حول أية مشكلة من المشكلات الثنائية أو الثلاثية.
وقد أفصح الأتراك من أجل استمرار تدفق مياه الفرات إلى سورية عن ثلاثة شروط:
أولاً: إقرار سوري بالتنازل عن لواء الإسكندرون.
ثانياً: عدم السماح للعناصر الكردية ذات الأهداف القومية الكردية بالتحرك وضربها داخل سورية.
ثالثاً: عقد اتفاقية للمياه تشمل مياه نهر العاصي بوصفه نهراً دولياً ينبع من دولة ويمر في دولة ويصب في أخرى.
على الرغم من تفاوت حصة الفرد من الماء بين سورية وتركيا إلاّ أن الدولتين لا تعتبران من دول الندرة المائية، حتى أن تركيا عرضت على إسرائيل في إطار مشروع السلام بيعه 500 مليون متر مكعب من المياه.
لكن نهر الفرات يشكل أهمية قصوى لسورية تفوق أهميته في كل من تركيا والعراق، نظراً لأن الأنهار تشكل عملياً، في سورية، أكثر من 80% من مصادر المياه المتاحة، ومياه الأمطار ضئيلة للغاية ولا تتجاوز 9% من الجريان السطحي نظراً للتبخر الشديد واختلاف معدل الهطول وتوزيعها الجغرافي. ويشكل الفرات 83% من المصادر المائية النهرية السنوية. إضافة إلى أن الأنهار الداخلية السورية ومنها الخابور وبعض الأنهار الرافدة انخفض تدفقها وجفت تماماً في شهري تموز وآب بسبب حفر تركيا للآبار الارتوازية قرب الحدود السورية في تركيا.
يشير المؤلف إلى أن تقاسم مياه نهر الفرات لم تكن أولى المشكلات المائية بين سورية وتركيا، إذ سبق للسلطات التركية أن قامت خلال فترة الاحتلال الفرنسي بعمليتين: الأولى تحويل مجرى نهر القويق تحويلاً كاملاً وهو الذي كان يوفر لمدينة حلب حاجتها من المياه. والثانية تحويل مجرى نهر جغجغ تحويلاً كاملاً وهو الذي كان يروي مدينة القامشلي، كما أن بداية أزمة مياه الفرات كانت بين العراق وسورية قبل أن تتفاقم مع تركيا. فحينما أنشأت سورية سد الثورة على الفرات انخفض تدفق المياه باتجاه العراق بنسبة 25% مما دفع بالحكومة العراقية إلى التهديد بتدمير السد وحشد قواتها على الحدود السورية، وانتهت الأزمة بعد أن وافقت سورية على إطلاق كميات إضافية من سد الثورة بوساطة سعودية.
وفي عام 1980 عملت تركيا على استثمار الفرات للري والطاقة الكهربائية، في مشروع غاب وأدَّى قلق سورية والعراق من ضخامة المشروع التركي إلى تشكيل لجنة عقدت 16 اجتماعاً، لكنها عجزت عن التوصل إلى إتفاقية.
وفي العام 1990 بلغت الأزمة بين سورية وتركيا ذروتها، عندما أقفلت تركيا نهر الفرات بالكامل بحجة ملء سد أتاتورك. وعلى الرغم من أن تركيا إدّعت في حينه أن العملية فنية بحتة وليس لها أي طابع سياسي، إلاّ أن هذا الإجراء جاء كأسلوب ضغط مباشر على كل من العراق وسورية لمنع تواجد الأكراد على أراضيهما، ولمنع تسلل الأكراد المعادين للنظام التركي من خلالهما. وفي الوقت الذي عاد جريان المياه إلى طبيعته أصبحت القضية تطرح كسبب محتمل لحرب مستقبلية، خصوصاً إن هذا القطع أدّى إلى توقف سبع توربينات لانتاج الطاقة الكهربائية من أصل ثمانية، كما أحدث أضراراً في الثروة السمكية.
وفي العام 1995 عقدت الحكومة التركية إتفاقاً مع مجموعة شركات أوروبية و44 مصرفاً لتمويل سد بيرجيك على نهر الفرات، فتحرك مجلس الجامعة العربية، واستضافت سورية في العام 1997 الندوة البرلمانية العربية الخامسة المخصصة لدراسة المياه العربية، وقد أكد البرلمانيون العرب تضامنهم مع سورية، إلاّ أن تركيا اتبعت تهديداتها بخفض كمية المياه ودفع مياه ملوثة إلى الأراضي السورية.
من الملاحظ أنه يسيطر على الدول المتشاطئة على الفرات جنون المشاريع التنموية في مجال المياه على حساب حقوق واحتياجات تلك الدول، كذلك على حساب نوعية المياه، واستنفاد المياه الجوفية أكثر مما يجب.
إن احتياجات سورية من مياه الفرات في العام 2000 كان 11 مليار متر مكعب، واحتياجات تركيا 15.7 مليار سنوياً، واحتياجات العراق 13 ملياراً، فيكون المجموع 39.7 مليار في حين أن الإيراد السنوي لنهر الفرات لا يتجاوز 27 مليار متر مكعب في السنة، وبذلك يبلغ العجز المائي حوالي 13 مليار متر مكعب. فمن من الدول ستتنازل عن آلاف الهكتارات وتحويلها إلى أراض غير صالحة للزراعة، علماً أن مشكلة تقاسم المياه أصبحت أكثر صعوبة نتيجة التحالفات الإقليمية إذ لم يعد يكفي لحل المسألة رضا الدولتين وحدهما بل يستلزم رضا حلفائهما أيضاً؟
يلحظ المؤلف أن رفض تركيا التوقيع على الإتفاقية الدولية الجديدة حول قانون الاستخدامات غير الملاحية للمجاري المائية الدولية، رغم اعتمادها من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة، يشير إلى أنها لن تقبل بحل مشكلة الفرات طبقاً للاتفاقات والقوانين الناظمة للأنهار الدولية، وأن هذه المشكلة لن تحل إلا عبر قرار سياسي وعلى أعلى مستوى، لأن المياه عند الأتراك، حسب تعبير قمران إينان المسؤول عن مشروع تطوير جنوب الأناضول (غاب) ثروة نادرة جداً في بلدان الشرق الأوسط الخمسة عشر. وعندما يحاول الأتراك إحصاء مصادر قوتهم في عالم يلاقي فيه فائضهم من اليد العاملة صدّاً من قبل أوروبا، وتتقلص أهميتهم الاستراتيجية في حلف شمال الأطلسي مع تفكك المحور الشرقي، وتهدد وحدة أراضيهم المشكلة الكردية في جنوب شرق الأناضول، وتصبح الولايات المتحدة على حدودهم مباشرة في العراق. عند ذلك يجدوا قوتهم في المياه، ويجدوا في مشروع (غاب) دعماً كبيراً لمركز تركيا السياسي. وخطوة مهمة جداً على طريق تركيا القوية والقادرة على احتلال مكانها بين مصاف الدول العشر المتقدمة في العالم.
لا يمكن النظر إلى مستقبل العلاقات السورية ـ التركية، على الرغم من الهدنة التي فرضتها الظروف القائمة، بما فيها مشكلة المياه، خارج إطار الأبعاد الإقليمية والدولية المستجدة. فالتحرك التركي باتجاه الشرق الأوسط، ولعبة تقاسم المياه، تتحكم به معادلات دولية، والنظام العالمي الجديد، وتؤثر فيه عملية توزيع الأدوار في ظل هذا النظام. فهل تؤخذ بالاعتبار الاتفاقات الدولية التي تقوم على مبدأ التقاسم المنصف، المقيد بمبدأ عدم التسبب في ضرر جسيم، واعتماد التشاور والتنسيق بين الدول المتشاطئة، أم تظل مشكلة تقاسم المياه خاضعة لإرادة الأقوى؟