إنهم يهددون حاضرنا ومستقبلنا

فهمي هويدي   السفير

 

اذا كان الذي جرى مع تلميذة الثانوي آلاء، يعبر عن شيء في السياسة التعليمية بمصر، فعلى أجيالنا ومستقبلنا السلام. أستأذن في استعادة تفاصيل الحكاية، التي أسهبت فيها الصحف المستقلة. فالتلميذة آلاء فرج مجاهد (15 سنة) طالبة بالصف الأول الثانوي بمدرسة شربين (محافظة الدقهلية). واذ ذهبت لتؤدي امتحان <التعبير>، فقد وجدت أن المطلوب منها أن تكتب شيئاً في موضوع <الصحراء وتعميرها، والفرص التي توفرها الدولة للشباب للعمل بها>. كتبت آلاء صفحتين عن جهود الدولة في مجال استصلاح الاراضي وتعميرها، وهي تختم، طالبت الحكومة بتوزيع الاراضي على الشباب للحد من البطالة، بدلا من توزيعها على كبار الملاك. وقالت ان مصر مستهدفة من قبل الدول الغربية التي يهمها إيقاف عملية التنمية والتعمير، واتهمت الولايات المتحدة بالتدخل في شؤون مصر، مضيفة اننا نكره (الرئيس) بوش، لأنه يكره مصر، وطالبته بأن يترك مصر <في حالها>، حتى تستطيع المضي في عملية التنمية وتعمير الصحراء. ومن ثم دعت الرئيس مبارك للتصدي للسياسة الاميركية وللرئيس بوش، وعدم إعطائه الفرصة للتدخل في شؤون مصر.
هذا الكلام الذي يعبر عن نضج في الوعي جدير بالإعجاب، خصوصاً حين يصدر عن تلميذة في الصف الاول الثانوي (واضح أنها قارئة ومتابعة)، أزعج مصحح الورقة وأصابه بالرعب. فسارع إلى إبلاغ رئيس لجنة التصحيح بمضمونه، الذي فوجئ بدوره واستشعر الخوف، ومن ثم وضع مدير المدرسة في الصورة، بعد أن قدم إليه ورقة الطالبة التي هي دليل اقتراف الجريمة. مدير المدرسة آثر السلامة وأحال الامر إلى مدير المنطقة التعليمية، الذي وجد أن الأمر يجب تصعيده إلى المستوى الأعلى، فأوصل الأمر إلى وكيل وزارة التربية والتعليم بمحافظة الدقهلية التي تتبعها المدرسة. واذ اهتزت المديرية كلها على وقع كلمات آلاء، فإن مسؤوليها عالجوا الامر بقرارين، الأول قضى بحجب نتيجة التلميذة، وحرمانها من دخول الدور الثاني، وحرمانها من الالتحاق بالمدرسة في العام الدراسي القادم، عقاباً لها على انها لم تتكلم في السياسة فحسب، وانما ايضا هاجمت الرئيس بوش والسياسة الاميركية.
القرار الثاني تضمن استدعاء آلاء وأبويها، وهما من موظفي الدولة، للتحقيق معهم في الملابسات التي دفعت الابنة إلى <التطرف> على ذلك النحو. وقد استمر التحقيق لمدة ثلاث ساعات، وشارك فيه بطبيعة الحال مسؤولون من جهاز الأمن. وحين لم يثبت أن آلاء عضو في أي شبكة إرهاب عالمية، ولا علاقة لها بتنظيم القاعدة، وتأكد المحققون من أن الاسرة لا تخفي تحت أي سرير ولا في داخل خزانة بالبيت شيئاً من أسلحة الدمار الشامل، عند ذاك سمح للأسرة بالعودة إلى المنزل، وتم الاكتفاء بمعاقبة التلميذة على النحو الذي سبق ذكره.
لم أصدق ما قرأت لأول وهلة، ثم تأكدت لاحقاً من صحة المعلومات الاساسية في القصة، <واتصلت هاتفياً بوزير التربية والتعليم الدكتور يسري الجمل، فوجدته مستنكراً الإجراءات التي اتخذت بحق التلميذة، وقال ان المسؤولين في المدرسة ومديرية التعليم طبقوا حرفياً قراراً وزارياً صادراً في عام 2000 ينزل عقوبة الالغاء والحرمان من الامتحان، بحق أي طالب يخرج في إجابته على أسئلة الامتحان عن <مقتضيات الآداب العامة>. واعتبروا خوض التلميذة في الشأن السياسي والانتقادات التي وجهتها في هذا الخصوص، في سياق كتابة موضوع التعبير، مما يسري عليه القرار الوزاري. واذ اعتبر الوزير أن ذلك القرار مما تجاوزه الزمن، فإنه طلب إلغاء الاجراءات التي اتخذت بحق الطالبة ومن ثم السماح لها بدخول امتحان الدور الثاني الذي كانت قد حرمت منه.
عالج الوزير الشق الاجرائي والعاجل في المشكلة. وبقي الشق الآخر، الذي هو كارثي بامتياز، المتمثل في موقف الهرم التعليمي كله، الذي رأيناه في هذه الحالة مرتعشاً ومرعوباً وقمعياً بلا رحمة، حيث لم يحتمل أولئك <المربون> الافاضل من تلميذة عمرها خمسة عشر عاما أن تتكلم في السياسة. فقرروا إنزال أقسى العقوبات بها، الأمر الذي يعكس أحد أوجه التحولات الحاصلة في سلوك الجهاز التعليمي، والبيروقراطي بوجه عام، الذي أصبح يرى في القمع أسلوباً أمثلَ للتعامل مع الجمهور.
لكي ندرك عمق تلك التحولات، بين يدي شهادة تحدث عن علاقة الاساتذة بتلاميذهم قبل أكثر من نصف قرن. فقد تحدث الدكتور سعيد اسماعيل أستاذ أصول التربية البارز بجامعة عين شمس في سيرته التي أصدرها تحت عنوان <هاؤم اقرأوا كتابيه>، عن أستاذ اللغة العربية الذي كان يخيرهم في كل مرة، وهم في السنة الاولى الثانوية، بين كتابة الإنشاء إما في موضوع سياسي عن أحداث الساعة، أو في موضع آخر، وذات مرة طلب الاستاذ من تلاميذه أن يكتب الواحد منهم عن: <نزهة في الحقول، تمتعت فيها بمناظر الطبيعة الخلابة، فتحدث عما شاهدت، وواسِ الفلاح بكلمة رقيقة>.
في موضوع التعبير الذي كتبه التلميذ سعيد اسماعيل يومذاك (15/12/1951) قال ما نصه: أردت أن أروّح عن نفسي من عناء سماع وحشية الانكليز، فقررت ان أقوم برحلة بين الحقول..>. وبعد أن وصف مناظر الطبيعة كتب يقول: ..ثم رأيت بشراً.. يشقون في سبيل الحصول على بضعة قروش بها، بينما هناك رأسماليون يجلسون في بيوتهم ساقاً فوق ساق، والنقود تتكدس عليهم. إن الفلاح يعرف ذلك. ولكن ماذا يفعل؟ انه مكبل بقيود على شكل قوانين من آثار الاحتلال الغاشم. وفي مواساته للفلاحين قال: إنكم تعلمون أنكم في بؤس وضنك شديد، تعلمون كل هذا، ولكن صبراً، فإن فرج الله قريب. لأنه كلما اشتد الظلام قرب النور.
يذكر الدكتور سعيد اسماعيل في سيرته أن كراسة الانشاء حفلت بالشعارات التي كان يسجلها مع موضوعات الانشاء، بعضها كلمات للاستاذ خالد محمد خالد التي يقول فيها: اذا خفنا اليوم أن نصطلي بناء الثورة دفاعاً عن بلادنا، فسنصطلي بها دفاعاً عن أعدائنا. واذا آثرنا الطمأنينة على الحرية، فسنفقد الطمأنينة والحرية و.. الثورة على الطغاة من طاعة الله و.. ان طريق الواجب هو أقصر الطرق إلى المجد، ولكن في مصر يحدث العكس.
قبل 55 عاماً احتفى أستاذ اللغة العربية بتلميذه المنجذب للسياسة والداعي إلى الثورة سعيد اسماعيل، ودأب على منحه أعلى الدرجات في الانشاء. ولا بد لصاحبنا هذا من أن يحمد ربه لأنه لم يكتب هذا الكلام في مدرسة العام .2006
ما
جرى مع التلميذة آلاء، يسلط الضوء على أحد أوجه كارثة التعليم في مصر. وللعلم فإنني ألاحظ أن <وصف الكارثة> أصبح يقترن بأي حديث عن التعليم في بلادنا، وكأنه شيء عادي، تماما كما يرتبط الصيف بالحر والرطوبة. ذلك ان انهيار العملية التعليمية أصبح مسلما به من الكافة. والحل الذي توافق عليه المجتمع حتى الآن هو إجراء هذه العملية خارج مدارس الحكومة، الأمر الذي أرهق الناس وأفسد المدرسين، وحوّل التعليم إلى تلقين لا هدف له سوى رفع العلامات وتحصيل الشهادات، وبغير مبالغة فإن التعليم فقد روحه، وانفصل تماما عن التربية، وتحول في كل مراحله إلى تجارة، نقلت ذات مرة على لسان أحد الخبراء قوله ان أرباحها تفوق بكثير تجارة المخدرات أو السلاح.
يفجع المرء في هذا المشهد مرتين، مرة لأنه حاصل، ومرة ثانية لأن أحداً غير معني به. ولا تفسير عندي لذلك سوى أن العملية التعليمية كالصناعة الثقيلة، يبذل فيها جهد كبير ومال وفير، ولكن حصاده المرتجى لا يظهر في الاجل القريب، الامر الذي لا يطيق له أهل القرار صبراً. وهم الذين يتطلعون الى إنجاز سريع يخطف الابصار ويثير الانتباه، وتهلل له وسائل الاعلام كل حين. ناهيك عن انهم اصلا لا يخضعون للحساب أو المساءلة، ويدركون أن استمرارهم ليس مرتبطاً بما يحققونه من نجاح أو فشل، وانما مرهون بما يحظون به من ثقة ورضى.
الوجه الكارثي الذي تكشف في قصه تلميذة مدرسة شربين يتمثل في مدى الحضور الأمني في العملية التعليمية. فقد رأينا بوضوح التدهور في إمكانيات المدارس وانحطاط رواتب المدرسين، وشيوع الدروس الخصوصية، وغير ذلك من صور التلاعب والفساد التي أصبحت بمثابة <عاهات> في مختلف أجهزة الحكم المحلي. لكننا لم نر الضغوط والتعليمات التي حولت أغلب المدرسين الى مرشدين أمنيين، وحوّلت التلميذ إلى آلة تخزين معلومات، وحرمت عليه أن يمد بصره خارج الكتاب، وسدت عليه أية منافذ تمكنه من التفكير في حاضر بلده ومستقبلها. وهي سياسة من شأنها محو الشخصية الوطنية للطالب، ومن ثم تخريج جيل من الرعايا الذين يساقون، لا المواطنين الذين يشاركون.
أرجح أن يكون قد أريد بهذه السياسة محاصرة أفكار التطرف والارهاب، وقطع الطريق على تسريبها في أوساط الاجيال الجديدة. واذا صح ذلك فإنه لن يختلف عن حالة الدبة التي أرادت أن تهش الذباب عن وجه صاحبها فألقت عليها حجراً هشم رأسه. ذلك أنه بدلا من تحصين تلك الاجيال بالوعي الطارد لأفكار التطرف، فإن السياسة التعليمية لجأت إلى إخصاء التلاميذ فكرياً ومحو شخصيتهم، ليصبحوا لقمة سائغة للتطرف بعد ذلك.
على زماننا كنا نتداول نكتة تقول ان أميركياً قال لواحد من المصريين انهم في بلادهم يتمتعون بحرية تمكن أي واحد منهم من أن يقف من أي ميدان عام، ويهتف ضد الرئيس الاميركي. فاستخف المصري بكلامه، وقال انكم لن تستطيعوا أن تتفوقوا علينا في ذلك، لأنه بوسع أي مصري أن يذهب ايضا الى ميدان التحرير، في قلب القاهرة، ويوجه أقسى الهتافات وأقذع الشتائم ضد الرئيس الاميركي.
لن يستطيع الجيل الجديد أن يردد النكتة الآن، لأن منطق الجهاز التعليمي في محافظة الدقهلية اعتبر التنديد بالرئيس بوش جريمة يجب أن يعاقب مرتكبها. وهو موقف كاشف لحقيقة ضياع <البوصلة> الهادية للمجتمع، الأمر الذي أوقع كثيرين في حيرة شديدة، حتى لم يعودوا يعرفون حدود الخطأ والصواب، ولا العدو من الصديق. واذا جاز لنا أن نتصارح أكثر في هذه النقطة، فربما جاز لنا أن نقول بأن تلك البلبلة من نتاج مرحلة اللا مشروع التي نمر بها، والتي التبست في ظلها أمور كثيرة في الأذهان على نحو احتمل الشيء ونقيضه. واذ حدث ذلك بالنسبة للموقف من الرئيس بوش والسياسة الاميركية، فإنه ينسحب ايضا على الموقف من اسرائيل والمقاومة والجهاد واحتلال العراق ومن الانتماء العربي والاسلامي، وغير ذلك من العناوين الرئيسية المرتبطة بأشواق وهوية المواطن العربي.
اذا ذهبنا إلى أبعد وأعمق في تحليل ما جرى، فسوف نكتشف أن الامر لا يقف فقط عند حدود غياب الرؤية الاستراتيجية لإطار وحدود المصالح العليا للمجتمع، وانما هو دال أيضا على عدم وجود إدراك كاف للعلاقة الوثيقة بين التربية والأمن القومي. ورغم أنني لا أعرف ما هي الجهة أو الجهات المعنية بتربية الاجيال الجديدة، إلا أنني أزعم أن ثمة اتفاقاً على أن وزارة <التربية> لم تعد لها علاقة بهذه العملية. وأذهب إلى أن جانباً كبيراً مما يجري في المدارس الحكومية يسهم في إفساد المعلمين وتشويه مدارك الطلاب.
أدري أن التربية ليست مهمة وزارة التعليم وحدها، وإن لتنشئة الأسرة دوراً جوهرياً فيها، لكننا لا ينبغي أن نقلل من خطورة التعليم في ذلك المجال، باعتبار ان المدارس تتولى تشكيل إدراك الناشئة منذ نعومة أظفارها، وطيلة ال15 عاما الأولى من عمرها على الاقل، فضلا عن أن مؤسسات التعليم هى المعنية بتأهيل الافراد لتلبية احتياجات المجتمع، وهي الفريضة التي غابت مع تحول تلك المؤسسات إلى مشروعات تجارية صرفة.
ان تخريج جيل باهت الشخصية، يؤسس مجتمعاً عليلاً فاقد القدرة على العطاء، فضلا عن الابتكار والابداع. وهذه الاعاقة لا تهدد أمنه القومي فحسب، ولكنها ايضا تجعل مستقبله مظلماً.
(?) كاتب مصري