اذا أهملنا التاريخ فالمستقبل يهملنا

بقلم كلوفيس مقصود  النهار

كان متوقعاً ان ما حصل يحصل في فلسطين هذه الايام، اذ ليس بهذه الاساليب والمناهج يدار الشأن الفلسطيني وحتماً ليس بهذه الطرق يتفاعل النظام العربي السائد مع القضية الفلسطينية.
إلا ان مسلسل التطورات على الصعيد العربي منذ قيام اسرائيل عام 1948 يوضح ان العرب رضخوا وقبلوا باختزالات الانقلابات العسكرية لادارة تداعيات الهزائم التي الحقها المشروع الصهيوني بالامة العربية. وكما اشرنا سابقاً، فقد تعثرت خطوة الوحدة المصرية السورية الواعدة لان ثورة الوحدة لم يدر امورها ثوريو الوحدة، إن وجدوا.
وجاء الانفصال عام 1962 يكرس النظام القطري العربي الذي لا يزال سائداً الى اليوم هذا النظام بدوره تحول عملياً متخلياً عن المشروع القومي العربي للصراع. وافرز الكيان الفلسطيني منظمة التحرير عام 1964 الذي ظل مكسباً سياسياً عملياً الى أن تمكن على اثر هزيمة 1967 من ان يتحول حركة تحرير جعلته "معركة الكرامة" في غور الاردن عام 1968 خميرة ثورة ممكنة، الا ان صيرورة الخميرة لم تحصل لسببين رئيسيين، اولهما ان قيادة المنظمة "الثورية" بالغت في تصور ذاتها قيادة قومية، لكون الجماهير العربية احتضنتها بعد هزيمة 1967 مما أدى الى تحد لسيادة الدول التي وُجدت فيها. وتالياً الى أحداث ايلول في الاردن ولبنان، في ما بعد. وكان قرار قمة الرباط عام 1974 باعتبار منظمة التحرير الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني كرّس قطرية القضية الفلسطينية ومكّن الدول العربية من التنصل من مسؤولياتها القومية حيال تحرير فلسطين والاكتفاء المتبادل بين منظمة التحرير والانظمة العربية بعنصر "التضامن" وبالتالي بأولوية منطق السيادة المطلقة.
لم تتمكن صيغة "التضامن" من ردع الفلتان في النظام العربي، الذي كانت احدى نتائجه الكارثية ولا تزال متفاقمة معاهدة الصلح بين مصر واسرائيل، مما اخرج اكبر دولة عربية من حلبة الصراع وأفقد العرب التوازن المحتمل الذي كان في امكانه ردع التمادي في الاستباحة. ان لم يكن النظام القطري السائد مؤهلاً لتحرير فلسطين.
اضافة الى هذا الحدث الخطير، قامت الثورة الاسلامية في ايران في الحقبة نفسها تقريباً التي زار فيها الرئيس الراحل انور السادات القدس المحتلة مما أمعن في تهميش المشروع القومي بعد ارباكه من دون ان يعني تهميش دوافع التزام هذا المشروع القومي.
وجاء "التجاور" زمنياً بين حدثي رحلة السادات الى القدس وقيام الثورة الايرانية ليرشح الاخيرة لوراثة عروبة حركة التحرر من خلال ادخالها في اطار اوسع سمي بـ "التيار الاسلامي". وكان من نتائج هذا "التجاور" ان تلطت الاتجاهات الانفصالية وراء مفاهيم سيادية خاطئة ومفاهيم "واقعية" مشوهة وبالتالي تقوقعات فئوية واقليمية ومذهبية وطائفية مما آل الى مزيد من هشاشة "التضامن" ودفع منظمة التحرير الفلسطينية الى التمسك بحقها في "استقلالية قرارها" وأدى الى استقواء النظام القطري باستقلال كل قطر بقراراته، حتى تلك التي تمس بأساسيات التضامن في المواقف ناهيك بالتمسك بما تبقى من الشعور بوحدة المصير.
ورغم ان القطرية الوطنية إرث قانوني في الحالة العربية العامة كان هذا الارث دائماً خاضعاً الى مستلزمات الشرعية القومية ومتطلباتها، كما ان الارث الوطني القانوني لم يتوقع قط ان يتحول مفهوم السيادة الى التفلت من الحد الادنى من المسؤولية القومية. وعندما حصلت معاهدة الصلح المصرية الاسرائيلية افرزت تيارات ساعية الى التطبيع في عدد من اوطان الامة العربية وصارت شعارات مثل "الاردن اولاً" شائعة، وفقدت الامة العربية (التي اصبحت تسمى بـ"المنطقة العربية") مناعتها، مما يفسر الحروب العبثية في لبنان والشروخ في عدد من المجتمعات العربية، اضافة الى الحرب الطائفية بين العراق وايران ومن ثم تزوير شعار الوحدة وتشويهه في عملية غزو النظام العراقي للكويت، ناهيك بتوظيف فقدان المناعة في الجسم القومي الى اختراقات بمنتهى الخطورة في اعقاب سقوط جدار برلين وانهيار الاتحاد السوفياتي، مما أتاح للمتربصين بالحقوق الفلسطينية خصوصاً والعربية عموماً الانقضاض عليها وبالتالي الإمعان في ما وصفته بـ"روتنة" الاستباحة.

صحيح انه كانت في هذه الاثناء محطات مضيئة نسبياً، مثل قرار الحظر على النفط واسترجاع اراض مصرية واتفاق الطائف، تكريس دولي للحقوق الفلسطينية من خلال قرارات عديدة للامم المتحدة، الانتفاضة الاولى للشعب الفلسطيني، ثم استمرار صمود المقاومة الفلسطينية كما انتصار المقاومة اللبنانية بقيادة "حزب الله" في جنوب لبنان ومن بعدها تلاحم الملايين من الشعب اللبناني والعربي في نقمتهم على اغتيال الشهيد رفيق الحريري وغيرها، وسط الكآبة العامة وحالة الاحباط الطاغية على مشاعر الشعوب المحرومة الكثير من حقوقها وانجاز مطالبها والمقموعة حرياتها، والتي أدى التفكيك في الوضع القومي الى التفتيت في كثير من حالاتها القطرية. كما ان غزو المحور الاميركي البريطاني للعراق حول معاناة التفريق مآسي من التمزيق. اجل، ان مجمل الحالة الناتجة من فلتان بحجة السيادة و"القرار المستقل" ضاءل تأثير المحطات المضيئة التي دلت على وجود حيوية عند الشعوب وفقدانها لمرجعيات موثوق بها.

ان استحضارنا المختزل جدا لهذه المحطات المفصلية في تاريخنا المعاصر قد يفسر الى حد ما الانهيارات الحالية في الواقع العربي وبالتالي تأثيرها المفجع في الواقع الفلسطيني الراهن. نشير الى هذه الخلفية التاريخية المقتضبة جدا كي نلقي بعض الأضواء الكاشفة على اقتناع بدأ يترسخ في الوجدان وفي التصميم على ابعادنا عن حالة اليأس الآخذة بالاستحواذ على التحليل وبخاعة اي اقتراحات قد تخرجنا من عذاب القرف وجريمة اللامبالاة.

المأزق الفلسطيني الحالي ليس كما يعتقد عدد متزايد من "الواقعيين" نهاية مطاف للقضية الفلسطينية ورغم ان السلوك الفلسطيني العام والتعامل العربي اجمالاً يجعلان الاستقالة من الامل في عودة تمركز القضية الفلسطينية في الهم العربي والاهتمام الدولي منطقيا والى حد ما معقولا، الا ان فلسطين تبقى رغم الفلتان الحافز الدائم لأي مشروع نهضوي عربي، واذا فقد العرب فلسطينهم فعليهم ان يعوا انهم يفقدون علاقاتهم بالمستقبل اضافة كما هو الحال الآن لكونهم فاقدين اي مساهمة لهم في صناعة تاريخهم.
اذاً ما العمل؟