أقنعة النظام الشرق أوسطي المتعددة

ياسين الحاج صالح     الحياة     - 02/07/06//

 

الشرق الأوسط ليس جغرافيا بل نظام إقليمي. والفرضية المضمرة في مفهوم النظام الشرق أوسطي هي وجود شبكة من التفاعلات الأمنية والسياسة والاستراتيجية بين الدول العربية في المشرق والخليج ومصر وإسرائيل والولايات المتحدة، تخضع لقواعد ثابتة نسبيا، ولا تتعارض مع توتر ونزاعات بين الأطراف بل تقتضيها بصورة ما، وتحتاج إلى إيديولوجيتها بالتأكيد. وتشرف على التفاعلات هذه وتحوز أفضل موقع للتحكم بوجهتها النهائية الولايات المتحدة. وتملك هي وإسرائيل قرار الحرب لفرض نموذج التفاعلات المرغوب من وجهة نظرها أو لمعاقبة الإرهابيين، أي المجموعات العربية التي تحاول الاستحواذ على الحرب ومقاومة أطراف النظام الثلاثة.

من الموقع العربي يتخفى النظام وراء إيديولوجيتين.

الأولى هي تلك التي تتحدث عن المواجهة والعداء. يفترض المرء أن انقطاع العلاقات الرسمية بين دول عربية وإسرائيل، وسوء ظن الطرفين ببعضهما، وإعلانات العداء المتكررة تعني أن العلاقة بينهما لا تخضع لأية قواعد، اللهم إلا موازين القوى الخام؛ وحتى هذه لا يني الطرف العربي يجتهد لتعديلها، فيما الطرف الإسرائيلي لا يفعل شيئا غير تعزيز اختلالها. تفترض هذه الإيديولوجية أن الشكل الطبيعي لهذه العلاقة هو الحرب (وتميل إلى تصور الحرب ذاتها كحرب مطلقة، لا تنضبط بأية قواعد)، وأنه ليس ثمة أية التزامات متبادلة بين الأطراف. ومن أصول هذه الإيديولوجية أن العرب طرف واحد، وأن العلاقات الرسمية بين بعض دولهم وإسرائيل شذوذ عن قاعدة يفترض أن الدول التي لا تقيم علاقات كهذه تمثلها. والسند المذهبي لهذه الإيديولوجية هو الفكرة القومية العربية كما تبلورت في خمسينات القرن العشرين وستيناته.

الإيديولوجية الثانية هي إيديولوجية الخيانة أو العمالة. هنا تبدو العلاقات العربية الإسرائيلية منتمية إلى عالم سري، ويبدو أن الأنظمة العربية كلها، أو على الأقل معظمها، وبالتأكيد بعضها، تقيم علاقات خفية مع الكيان الذي تجاهره العداوة. قبل بعض الوقت صرح مسؤول سابق في دولة مشرقية أن إسرائيل تدعم النظام الذي كان انشق عنه الرجل. غرض كلامه نزع الشرعية عن نظام أضحى يناصبه العداء، تماما كما أن غرض إيديولوجية المواجهة ترسيخ شرعية النظم الحاكمة. فيما أول ما تفعله النظم هذه حين ترسم سياساتها في العالم الواقعي هو وضع مبادئ تلك الإيديولوجية جانبا، والانطلاق تلقائيا من وجود التزامات وضوابط ولو غير مكتوبة تجاه العدو. وتقع بعض أخطر اضطرابات النظام حين تميل أطقم حاكمة إلى مطابقة السياسة العملية مع الإيديولوجية المشرعة (عراق 1990-1991 مثلا، وسورية اليوم). هذا ينطبق على الدول العربية التي يحكم عليها ضعفها بالعيشش منفصمة الشخصية بين مبادئها المفترضة وسياستها العملية.

وتنتهي مثل هذه الاضطرابات إلى إعادة تحكيم مبدأ الواقع في السياسات وترسيخ الشرق أوسطية والفصام العربي فيها.

سند إيديولوجية العمالة هو أيضا الفكرة القومية العربية، التي باتت عائقا أمام إدراك الواقع.

مشكلات البلاد العربية تُشرح بأنها نتيجة المواجهة مع إسرائيل وحليفها الأميركي المنحاز، أو نتيجة تآمر أنظمة عربية مع إسرائيل وتبعيتها للولايات المتحدة. سياسات الدول إما بريئة تماما، بحيث يكفي حل الصراع العربي الإسرائيلي حتى تتحسن فرص التنمية وتلغى حالات الطوارئ وتزدهر الحريات... أو هي وحدها المسؤولة بحيث يكفي تغيير النظم الحاكمة حتى تحل المشكلات نفسها ونفتح الطريق لاسترجاع الأراضي المحتلة وشكم إسرائيل. يغيب عن هذه الصورة أنه مذ تكونت صورة النظام الراهنة، في أعقاب حرب 1973، لم يعد التغيير السياسي في البلاد العربية قضية محض داخلية. وما اعتراض إسرائيل على تغيير بعض الأنظمة، ونصحها الأميركيين بكبح جماح ثوريتهم الديموقراطية الشرق أوسطية، سوى مؤشر على خروج قضية تغيير أنظمة المنطقة من أيدي سكانها لتغدو قضية شرق أوسطية، أميركية إسرائيلية عربية.

ما تخفق في شرحه إيديولوجية المواجهة هو المظاهر المتكررة للتفاهم بين الأطراف وتعايشها والتزامها حدودا في سلوكها (المراعاة الأمنية المتبادلة، وخاصة: أمن إسرائيل وأمن النظم العربية)، وما تخفق في توضيحه إيديولوجية العمالة هو مظاهر الصراع والتوتر والعنف الحقيقي أحيانا بين الأطراف. وهو عنف وصل مرارا إلى حرب حين مست أطراف عربية أسس النظام.

من الموقع الأميركي يرتدي النظام الشرق أوسطي قناعا جغرافيا. الشرق الأوسط إقليم جغرافي يقع في جنوب غرب آسيا، يصادف أن البترول ينبع منه، وأن إسرائيل تتوضع فيه، وأن أكثرية سكانه مسلمون، وجميع نظمه السياسية غير ديموقراطية. الولايات المتحدة غير موجودة بداهة. كل ما يفعله الأميركيون على مستوى العلاقة العربية الإسرائيلية يندرج ضمن عملية السلام وكل أوجه سياستهم على مستوى العلاقة مع دول المنطقة تتصل بـتعزيز الديموقراطية. لا يختفي في هذه الصورة الدور التأسيسي للأميركيين في استقرار النظام واستمراره فقط، ولا ما يختزنه من عنف هائل وتراتب مفروض بالقوة لمصلحة إسرائيل والنظم الموالية فقط، وإنما مفهوم الشرق الأوسط كنظام إقليمي تدين السيادة فيه للأميركيين. تبدو مشكلات الشرق الأوسط نابعة إما من موقعه أو من ثقافة شعوبه أو من طبيعة نظمه السياسية. 11 أيلول الذي رسخ النظام على قواعد من العداء والعنف والوحشية هو فعل غير عقلاني نبع من تكوين غير عقلاني لمنطقة الشرق الأوسط. احتلال الولايات المتحدة موقع السيطرة على تفاعلات النظام والاستفادة العظمى منها يغيب من ساحة التفكير المعلن للديبلوماسيين ومراكز البحث الأميركية، أو يعتبر من طبائع الأمور المحايدة سياسيا. من الجهة الإسرائيلية تقوم الإيديولوجية المعتمدة على أن سياسة إسرائيل موجهة بصورة ثابتة نحو السلام مع جيرانها الذين لم تخترهم، وأن الجيران العرب كانوا على الدوام يديرون ظهورهم لمفاتحاتها السلمية، معتصمين بنزعة رفضية عقيم. وهم يتحينون الفرص للانقضاض على إسرائيل ورمي اليهود في البحر. وأن الإرهاب الذي تواجهه ثمرة طبيعية لعدم القبول بوجودها بحد ذاته. أميركا تظهر ضمن هذه الإيديولوجية كوسيط نزيه بين إسرائيل والعرب في أحسن الأحوال، وكقوة ضغط على إسرائيل في أسوئها. لا تغيب كل مبادرات السلام العربية، ولا الاختلال الهائل في ميزان القوى بين الدول العربية مجتمعة وإسرائيل، ولا النفوذ الأميركي على معظم الدول العربية التي يفترض أنها تعادي إسرائيل، بل كذلك الاتفاقيات الموقعة والتفاهمات الضمنية ودور إسرائيل في الحفاظ على الأوضاع القائمة في بلاد العدو ذاتها.

تخفي إسرائيل النظام الشرق أوسطي القمعي وراء إيديولوجية سلامية، فيما تخفيه النظم العربية وراء إيديولوجية مواجهة (التخوين وجه آخر للإيديولوجية نفسها). الدول الكسيحة، العاجزة عن الحرب، لا تكف عن الكلام عن المواجهة، فيما الدولة القلعة التي تملك، أو يملكها، جيش مفرط التسلح والجاهزية تثابر على الكلام على السلام. ليس تفسير الأمر صعبا. كلام النظم العربية موجّه لشعوبها التي تشعر بظلم فادح بهدف تأكيد شرعية مشكوك بأمرها، فيما الكلام الإسرائيلي موجه نحو العالم الحساس لقضايا الحرب والعدوان لتحميل الأطراف العربية مسؤولية عدم الاستقرار في الشرق الأوسط. أما شرعية حكوماتها فمبنية على الانتخابات الحرة والمساواة بين اليهود وحكم القانون، وشرعية نظامها السياسي على كفاءته التنموية والأمنية ونجاحه في استيعاب الحداثة والمشاركة في العولمة، فيما شرعية كيانها ليست موضع مساءلة من قبل اليهود، وأكثر دول العالم.

يبقى أن دمقرطة الشرق الأوسط هي دمقرطته كنظام قائم حاليا على القوة الخام، ولا رأي لأكثرية سكانه في هياكل السلطة المحلية والإقليمية والدولية المتفاعلة فيه والتي تصنع مصيرهم. أما نقل الديموقراطية إلى دول المنطقة دون معالجة للمسألة الإسرائيلية والسيادة الأميركية فلن يتكشف إلا عن أوهام مكلفة وقصيرة الأمد.