موساد عربي

حكم البابا   القدس العربي

 


لا أفهم لماذا تم تضخيم خبر اكتشاف شبكة الموساد الاسرائيلي في لبنان إعلامياً بهذا الشكل والحجم المبالغ بهما، إلا علي أنه محاولة عربية لدخول فضاء الاكتشافات العالمية وتسجيل احدها باسمهم، مثل اكتشاف نيوتن للجاذبية الأرضية، أو أينشتاين للنظرية النسبية، أو كريستوف كولومبوس للقارة الأمريكية، ولأنه لم تعد علي الأرض العربية مؤسسات صاحبة فعالية ونشاط حقيقي إلا أجهزة المخابرات، ولأن المخابرات بسبب طبيعة عملها ليست قادرة علي تقديم أي اكتشاف جديد للعالم في الطب أو الفلك أو الهندسة، واكتشافاتها لا تتعدي القبض علي عصابات اللصوص والقتله، والعثور علي شبكات ارهابية، والاعلان عن اكتشاف عناصر تجسس، والمساعدة في ايجاد أمكنة اختفاء صدام حسين وأبو مصعب الزرقاوي، فقد اعتبر الذي طبلوا وزمروا لاكتشاف عناصر شبكة الموساد الاسرائيلية في لبنان انجازاً عربياً يستحق الضجيج الإعلامي الذي أحاطوا به حدثهم.
بالنسبة لي وعلي عكس الاحتفاء الذي قوبل به هذا الاكتشاف الأمني إعلاميا لا أعتبره استثنائياً أو مفاجئاً أو مدهشاً، ولا يملك من الأهمية ما يجعله يستحق إحاطته بهذه الهالة من القداسة، كما لو أنه اكتشاف لسر الخلود، فكل ما قامت به هذه الشبكة من اغتيالات وتفجيرات، يقدمها علي أنها شبكة متواضعة وبسيطة، لا قيمة لها إذا ما قورنت بخلايا الموساد الرسمية العلنية التي تعمل وتنشط جهاراً في وضح النهار، وتحت الشمس الساطعة، في كل أرجاء الوطن العربي، وعلي كامل أراضيه، وربما لنفس أسبابي لم يبد المواطن العربي اهتماماً كبيراً باكتشافها، ولم يشغل عقله بالتفكير بمدي إجرام جهاز الموساد الاسرائيلي، ولم يدفعه حتي فضوله الطبيعي ليتساءل عن الطريقة التي قبضت فيها أجهزة الأمن اللبنانية علي عملاء الموساد الصغار في لبنان!
فبنظرة سريعة علي ما يجري علي الأرض العربية من أخفض سهولها إلي أعلي جبالها يمكن فهم الدور الحقيقي الذي يلعبه الموساد الاسرائيلي (وهو أبعد من تجنيده لبعض العناصر)، والعمليات الكبري التي ينفذها (وهي أكبر من مجموعة تفجيرات)، والجرائم الخطيرة التي يرتكبها (وهي أهم من عدة اغتيالات)، فكل ما تقوم به السلطات العربية من تهشيم لمواطنيها، ومصادرة لحرياتهم، وإلغاء لآرائهم، واستيلاء علي إرادتهم، وإفقارهم وإذلالهم وتجويعهم، ومقايضتها لعقولهم بمعداتهم، لا يمكن تفسيره خارج خطط الموساد، ولا يجوز النظر إلي كل الفساد العربي الذي يعتبر القانون الوحيد الساري ـ دون تجاوزات أو خرق ـ والذي يحكم كل المشاريع التي تنفذ علي الأرض العربية بدون ارتباطه بالسياسات العليا للموساد، ولا يمكن قراءة وجود هذه المجموعة المركبة من الزعامات العربية، التي تختلف في كل شيء ولا تتفق إلا في دفاع كل منها عن كرسي الآخر بدون استراتيجية عليا للموساد. كنت بالتأكيد سأشارك الفرحين فرحهم فيما لو تم الكشف عن شبكة من شبكات الموساد الكبيرة التي تتحكم في سياسات العالم العربي، وتنفذ عملياتها علناً بدون حاجة لعلبة مكيف هواء مموه تنقل فيه متفجراتها، أو لدرج سري في طاولة تلفزيون تخبئ به أجهزة اتصالاتها المتطورة، أو لبدلات عسكرية مزيفة برتب صغيرة كونها المصدر الأساسي لهذه البدلات، وتملك كل الرتب، وجرائمها تتعدي اغتيال هذا أو تفجير ذاك، فكل سجن عربي أقيم بأمر من الموساد، وكل سجين قضية أو رأي أغلقت عليه الزنزانة بقرار من الموساد، وكل منفي عربي سفّر بالتعاون مع الموساد، أما أن يختصر الموساد بحفنة صعاليك، مع بعض عدة الشغل التجسسية التي تكاد تشبه عدة السحرة أو المشعوذين، واغتيالات لأشخاص تستفيد زوجاتهم من غيابهم أكثر مما يستفيد الموساد، فهي محاولة للتغطية عن الشبكات الكبري الفعّالة، كمن يشغل موظف جمارك في مطار ببعض المهربات الصغيرة التي يحملها في جيبه، تمويهاً لحقيبة المخدرات الكبيرة التي يمسكها في يده!