تفكيك خطاب الآخر الغربي!

السيد يسين الاتحاد

 

في حوار الثقافات التخيلي الذي دار بين مجموعة من المثقفين العرب ومجموعة مناظرة من المثقفين الغربيين، بدأت المجموعة العربية في ممارسة النقد الذاتي، على أساس نظريتنا في حوار الثقافات والتي تقوم على منهج ثلاثي الأبعاد: النقد الذاتي، وتفكيك خطاب الآخر، وأخيراً التفاهم من منطلق التعايش الثقافي على حلول مشتركة للمشكلات القائمة بين الأنا والآخر، أو بعبارة أخرى في حالتنا على وجه الخصوص بين العرب والغرب.
وقد قررنا في مجال تقرير أولوية النقد الذاتي في حوار الثقافات والذي ينبغي أن يمارسه كل طرف من أطراف الحوار، أنه هو الذي يعطى في الواقع شرعية تفكيك خطاب الآخر، وممارسة النقد العلمي لمنطلقاته الإيديولوجية، ولسياساته المبنية على هذه المنطلقات.
وفي مجال ممارسة هذا النقد العلمي ليس هناك مفر من تطبيق منهجنا الذي درجنا على تطبيقه في دراساتنا المتنوعة، وهو المنهج التاريخي النقدي المقارن. المنهج التاريخي أولاً ضروري إذ أنه بغير وضع الظواهر في سياقها التاريخي يمكن أن يصل كل طرف من المتحاورين على وجه الخصوص- إلى تعميمات جارفة عن الآخر، مثل التعميمات التي أشرنا إليها في المقال الماضي عن "العجز الديمقراطي" في العالم العربي في الوقت الراهن، بدون إشارة إلى تسبب الاستعمار الغربي في توليد هذه الظاهرة جزئياً على الأقل.
والمنهج النقدي ثانياً هو الذي يعتمد على نظريات ومفاهيم علم اجتماع المعرفة الذي يربط بين المعرفة والبناء الاجتماعي بكل أنساقه السياسية والاقتصادية والثقافية. والمنهج المقارن أخيراً لأنه بدون التطبيق المحكم لقواعد المقارنة بين المجتمعات، تصبح التعميمات الجارفة عن الثقافات الأخرى ليس لها أي مدلول بالمعنى العلمي.
وإذا أرادت المجموعة العربية التي تمارس الحوار مع المجموعة الغربية من المثقفين أن تمارس عملية تفكيك خطاب الآخر الغربي بعد أن فرغت من ممارسة النقد الذاتي، فإنها يمكن أن تضع يدها على أربع ظواهر برزت في الخطاب والممارسة الغربية في السنوات الأخيرة، وهي إعادة إنتاج المركزية الغربية، وبروز العنصرية الجديدة في أوروبا، وسيادة اتجاهات كراهية الأجانب، وأخيراً وقد يكون أولاً تبني مواقف واتجاهات سلبية إزاء العرب والمسلمين، وخصوصاً بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001.
وقد سبق لنا في كتابنا "حوار الحضارات: تفاعل الغرب الكوني مع الشرق المتفرد" الصادر عن دار نشر "ميريت" عام 2002، أن عنونا الفصل الثاني من الكتاب "بين المركزية الغربية والخصوصية الثقافية"، وذلك إدراكاً منا أن هذا هو جوهر إشكالية حوار الثقافات.
وهذه الإشكالية ترد إلى أن أبناء الثقافة الغربية ينطلقون من أن مرجعية القيم الغربية هي المرجعية الأساسية التي تصلح لأن تكون المرجعية العالمية للقيم، في حين أن أبناء الثقافات الأخرى ومن بينهم أبناء الثقافة العربية والإسلامية، يدافعون عن هويتهم في مواجهة الموجات المتدفقة للعولمة، بالتشبث الذي قد يكون مغالى فيه بخصوصيتهم الثقافية.
وفي معالجتنا لمشكلة المركزية الغربية اعتمدنا أساساً على كتاب المفكر العربي الدكتور عبدالله إبراهيم "المركزية الغربية: إشكاليات التكون والتمركز حول الذات" الصادر عام 1997 عن المركز الثقافي العربي في بيروت. وهذا الكتاب في تقديرنا من أفضل ما كتب باللغة العربية في الموضوع.
ولن نعيد هنا ما كتبناه من قبل، ولكننا نريد أن نلقي أضواء جديدة حول ظاهرة المركزية الغربية، أو ما درج عليه المؤلفون من إطلاق اسم "المركزية الأوروبية" عليها، نظراً لأن أوروبا ظلت لقرون عديدة قبل اكتشاف أميركا هي مركز الكون العالمي، وخصوصاً في مرحلة المد الاستعماري الإمبريالي، الذي سمح لبعض الدول الأوروبية أن تستعمر وتسيطر على قارات بأكملها كانت غارقة في سبات التخلف.
والمركزية الأوروبية كما تعرفها موسوعة وايكيبديا Wikipedia أو الموسوعة الحرة المنشورة على الإنترنت هي "الممارسة الواعية أو غير الواعية، التي تركز على الاهتمامات الأوروبية أو الغربية عموماً في مجالات الثقافة والقيم على حساب باقي الثقافات".
ومن تجليات المركزية الأوروبية أن أسماء المناطق الأساسية في العالم صيغت تكريماً للرحالة أو للساسة الأوروبيين، مثل بحيرة فكتوريا في أفريقيا، أو تحت تأثير رؤية العالم الأوروبية.
فالشرق الأوسط -على سبيل المثال- يصف منطقة هي على الشرق قليلاً بالنسبة لأوروبا، كما أن الشرق الأقصى أو الشرق البعيد هو في اتجاه شرق أوروبا كما أن الغرب يعني أوروبا الغربية.
ونفس الشيء نجده في مجال تاريخ العلوم، والذي يدرس باعتباره بدأ بالإغريق ثم انتقل إلى الرومان، وتوقف أثناء مرحلة القرون الوسطى، وبعد ذلك استمر نموه مع فترة النهضة والثورة الصناعية. ونادراً ما يرد ذكر الإنجازات الآسيوية أو العربية أو الفرعونية أو الإسلامية في تاريخ العلوم، ولعل هذا ما دفع مؤرخ العلوم الإنجليزي الشهير "نيدهام" إلى أن يكتب كتاباً شهيراً ركز فيه على الإنجازات الصينية في العلوم والتكنولوجيا. وفي نفس السياق تستمد اكتشافات ومؤلفات مؤرخ العلم العالمي المصري الدكتور رشدي راشد مدير الأبحاث بالمركز القومي للبحث العلمي في فرنسا والأستاذ بجامعة طوكيو سابقاً أهميتها. فقد استطاع أن يعيد كتابة تاريخ العلم العالمي في ضوء تحقيقه ونشره لمخطوطات عربية وإسلامية، تثبت سبق العرب والمسلمين لعديد من العلماء الأوروبيين من أمثال ابن الهيثم والكندي وعشرات غيرهم.
ويمكن القول إنه مع نهاية الحقبة الاستعمارية الأوروبية في بداية الخمسينيات وحصول عديد من دول العالم الثالث على استقلالها الوطني، وانبعاث الأشعة الحضارية المبهرة للكتاب والفلاسفة والفنانين والمبدعين والعلماء من أبناء القارات الثلاث آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، ذوت دعاوى المركزية الغربية، وانزوت في كهوف اللاشعور التاريخي الأوروبي.
غير أنه في بعض اللحظات التاريخية الفارقة تنبعث من جديد ولو لفترة قصيرة دعاوى المركزية الأوروبية. ومن بين هذه اللحظات الفارقة ما اكتشفته أثناء تأليف كتابي "الشخصية العربية بين صورة الذات ومفهوم الآخر" الصادر عن مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية عام 1973 بالقاهرة.
ومؤدى الاكتشاف أن القرار التاريخي للملك فيصل رحمه الله ملك السعودية بقطع البترول عن الغرب عام 1973، قد أدى إلى بروز اللاشعور التاريخي الأوروبي وما يحمله من عداوة إزاء المسلمين والعرب. وقد ظهر ذلك واضحاً في مقال نشرته جريدة "لوفيغارو" الفرنسية جاء فيه أن قرار الملك فيصل إنما هو انتقام من "شارل مارتل" القائد الفرنسي الذي نجح في صد الغزو الإسلامي لمدينة بواتييه!
فانظر كيف تتم الاستعادة الأوروبية لتاريخ الصراع القديم بين المسلمين والأوروبيين لتفسير قرارات سياسية معاصرة!
غير أن ما أطلقنا عليه إعادة إنتاج مذهب المركزية الأوروبية وتجليات ذلك في الخطاب الأوروبي وفي السياسة الأوروبية في العقد الأخير، تجلى -أكثر ما تتجلى- في التشريع الفرنسي الذي وافقت عليه الجمعية الوطنية الفرنسية منذ فترة قصيرة والذي نص بكل صراحة ووضوح وقطعية على تمجيد الاستعمار الفرنسي وإبراز فضائله في تمدين الشعوب.
وهو النص الذي أثار أزمة حادة بين الجزائر وفرنسا، وخصوصاً لما فيه من تزييف صريح لتاريخ الاستعمار الاستيطاني الفرنسي للجزائر الذي استمر حوالى 130 عاماً، والذي مورست فيه أعنف المجازر وأكثرها دموية، وركز على محو الهوية الإسلامية الجزائرية.
وهكذا يمكن القول إنه في باب تفكيك خطاب الآخر، لابد أولاً من نقد إعادة إنتاج المركزية الأوروبية ونفي منطلقاتها ومزاعمها في ضوء التاريخ الحقيقي للعالم، بعيداً عن الادعاءات الكاذبة لتمجيد الذات، والمحاولات الفاشلة للتهوين من شأن الآخرين.