سورية: حيث لا يكتشف الفاسد الاّ بعد انشقاقه!

 حكم البابا   القدس العربي

 

 


لو كنت موجوداً في دمشق، ساعة قراءتي لرد الدكتور فايز الصايغ المدير العام لهيئة الاذاعة والتلفزيون السورية علي اعلان نائب دمشق السابق، وأحد معتقلي ربيعها مأمون الحمصي عن اطلاق حملة دولية للافراج عن معتقلي الرأي في سورية، لبادرت فوراً للاتصال بالدكتور الصايغ والاطمئنان علي صحته، والتأكد بأنه لم يصب بضربة شمس حزيرانية قاسية، أدت الي ارتفاع شديد لدرجة حرارته، ودخوله في مرحلة من الهذيان، دفعته للمطالبة بكشف حقيقة الوضع المالي لمأمون الحمصي، باعتبار أن الدكتور الصايغ يعرف أن لوزارة المال ضرائب كثيرة في ذمة الحمصي، وهو ما جعله يهرب من الديون المتراكمة عليه الي الأمام من خلال السياسة، فلا يمكن لي أن أتصور صدور مثل هذا التصريح وعن الدكتور فايز الصايغ بالذات، مالم تكن حرارته قد تجاوزت الأربعين، وقد وصل الي المرحلة التي لم يعد فيها بامكانه التوقيع في ذيل ورقة تبدأ بأنا الموقع أدناه أقر وأنا بكامل قواي العقلية، وتجاوز الخط الذي يسمح له بتقديم شهادة في أية محكمة، وتخطي النقطة التي تلزمه بالعبادات كونه وصل الي المرحلة التي تنطبق فيها عليه القاعدة الشرعية: اذا أخذ ما أوهب أسقط ما أوجب!
فلو كان الدكتور فايز الصايغ بكامل وعيه كان سيتردد بالتأكيد قبل اتهام النائب الحمصي بالفساد، وكان أقلها سيذكر تقريراً صدر عن الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش في سورية، وصادق عليه رئيس وزرائها محمد ناجي العطري، في أيار (مايو) 2005 اتهمه بالتسبب بخسارة 12 مليون ليرة سورية من المال العام، عندما كان مديراً عاماً لوكالة الأنباء السورية سانا، وطالب بكف يده ومعاقبته، وعندها بالتأكيد ما كان ليتبرع بالادلاء بتصريحه، فيما لو كان اتهامه للنائب الحمصي بالفساد أتي تبرعياً وطوعياً، أو كان سيلف ويدور طويلاً محاولاً الاعتذار لمن طلب منه اطلاق تصريحه، مذكراً اياه بوضعه المحرج فيما لو كان تصريحه تنفيذاً لأوامر وتطبيقاً لتوجيهات، اللهم الاّ اذا كان الدكتور الصايغ يتعامل مع ذاكرته بطريقة عملية الفورمات التي تستخدم لمحو ذاكرة أجهزة الكومبيوتر، ويظن أن السوريين الآخرين يستخدمون نفس قرص الاقلاع الذي يستخدمه للقيام بفورمات لذواكرهم، ونفس نسخة الويندوز لبرمجتها من جديد!
لست محامي دفاع عن النائب السابق مأمون الحمصي، وان كنت أظن أن من واجب أي حر أن يدافع عن القضية العادلة في اطلاق سجناء الرأي السوريين التي غادر من أجلها الحمصي بلده، ولكن يحق لي أن أسأل من واجب احترامي لعقلي لماذا لم يتهم الحمصي بالفساد قبل أن يطلق تصريحه، ولماذا قضي في السجن خمس سنوات بتهم عديدة منها محاولة تغيير الدستور بوسائل غير مشروعة، واضعاف الثقة بالدولة، واثارة النعرات الطائفية، وقدح وذم مؤسسات الدولة، ولم يرد بينها أي تهمة تخص التهرب الضريبي أو الفساد. وربما كان علي الدكتور الصايغ أن يجد طريقة مختلفة للرد علي حملة مأمون الحمصي، غير الاكتشاف المتأخر لفساده كونه يذكر بالمشهد الكوميدي بامتياز لجلسة مجلس الشعب السوري التي تباري فيها نوابه باتهام نائب الرئيس السوري السابق عبد الحليم خدام بالفساد، بعد أن قضي أكثر من أربعين عاماً يتنقل بين مناصب رفيعة في الدولة، ومن دون أن يجرؤ أحد علي اتهامه بالفساد، علي الرغم من أن التهم التي وجهت اليه بخصوص أحداث محدده تعود الي سنوات ماضية، وبدا من خلال جلسة مجلس الشعب أن نوابه كانوا علي علم بها ابان وقوعها، مما جعل الجلسة البائسة تعتبر بمثابة خدمة مقدمة من المجلس للسيد خدام.
خوفاً مني علي سمعة سورية ومن أن يتحول ملف محاسبة الفساد فيها الي فاصل ترفيهي كما هو الآن، حيث أصبح فاسدوها المعتمدون من قبل جهاتها الرسمية ووسائل اعلامها، لايظهرون الاّ في حالة انشقاقهم عن النظام، أو اختلافهم مع سياساته، أقترح علي السلطة تقديم قائمة ولو مبدئية بفاسدين محتملين، حتي يستطيع السوري تصديق روايات الدكتور الصايغ عن فسادهم في حال انشقاقهم، ومن دون أن يفكر بالسؤال عن درجة حرارته، وما اذا كان يحتاج الي قرص خافض للحرارة في فمه، أو لكيس مليء بالثلج فوق رأسه!