أحدث أطوار الاستبداد السوري: قطع الأرزاق بعد كمّ الأفواه

صبحي حديدي    القدس العربي


في الأطوار الأبكر من سيرورة تأهيل بشار الأسد تمهيداً لتوريثه الحكم من أبيه حافظ الأسد، أشفق كاتب هذه السطور علي بلده سورية من أن يكون عهد الخلف أسوأ من عهد السلف في جوانب سياسية وامنية عديدة (وليس في الإجمال والحصيلة بالطبع، إذْ لا يلوح أنّ أيّ نظام مرّ علي سورية يفوق نظام الأسد الأب استبداداً وطغياناً وبطشاً وفساداً ونهباً وتخريباً). وبدا آنذاك وكأنني أذهب في التطيّر إلي حدود قصوي، أو لعلّي أغلق فسحة الأمل كما رأي بعض الأصدقاء من المعترضين علي توريث الابن ولكن المتفائلين ـ في كثير أو قليل ـ بأنّ هذا الرئيس الشابّ قد يكشف عن طوية إصلاحية ولن يعيد إنتاج نظام أبيه في ما يخصّ السياسات الأمنية وطرائق القهر والقمع في الأقلّ.
والحال أنّ الابن لم يفعل الكثير باستثناء تذكير الناس بأكثر سنوات الحركة التصحيحية سواداً ومقتاً وبشاعة، بل تجاوز الكثير منها إلي ما هو أسوأ وأشدّ فظاظة تجاه كرامة المواطن من جهة أولي، وما هو أكثر خفّة واستهتاراً بمصير البلاد ووحدتها الوطنية وثرواتها وموقعها العربي والإقليمي والدولي من جهة ثانية. ولن أعود هنا إلي أمثلة سبق أن توقفت عندها في مناسبات سابقة، بل سأضرب مثلاً حديث العهد وصارخاً وبالغ الدلالة، هو صدور القرار رقم 2746 تاريخ 14/6/2006، عن رئيس مجلس الوزراء السوري محمد ناجي العطري، والذي يقضي بالصرف من الخدمة لعدد من العاملين في الدولة بسبب توقيعهم علي إعلان دمشق أو إعلان دمشق ـ بيروت، بيروت ـ دمشق ، أو بيان السويداء الذي أصدره عدد من مثقفي جبل العرب وأدان الاعتقالات الأخيرة في صفوف المثقفين.
الأخوات والأخوة هؤلاء هم، إذْ من حقّهم علينا ـ فضلاً عن الحقّ البسيط المبدئي ـ أن لا نكفّ عن اقتباس أسمائهم: سلمي سليمان كركوتلي، ناظر جاد الله النجم نصر (وزارة الإعلام)، فضل الله محمد حجاز، لينا راغب وفائي (وزارة الإدارة المحلية)، سهيل حمد أبوفخر، عصام محمود خداج، فؤاد أمين البني، هيثم نسيب صعب، نبيل حسن أبوصعب، مروان سليم حمزة، كمال فضل الله الدبس (وزارة التربية)، منير علي شحود (وزارة التعليم العالي)، سليمان عبد الشمر (وزارة النفط والثروة المعدنية، وهو اليوم قيد الاعتقال)، عصام هاني أبو سعيد (وزارة الزراعة والإصلاح الزراعي)، نيقولا ميشيل غنوم (وزارة الصحة)، غالب زيد طربيه (وزارة الكهرباء)، كمال يوسف البلعوس (وزارة المالية).
كيف يمكن لهذا القرار، التعسفي الهمجي الذي لا تليق به سوي أحطّ نعوت الاستبداد، أن يبرهن بما بدأت به هذه السطور، حول نظام الابن الأسوأ من نظام الأب في جوانب عديدة؟ إليكم هذه الواقعة المقارنة: خلال سبعينيات القرن الماضي، وفي السنوات الأولي من عهد الحركة التصحيحية ، أصدرت وزارتا التربية والتعليم العالي (بتوجيهات مباشرة من القيادة القطرية لحزب البعث) سلسلة قرارات قضت بإبعاد أعداد كبيرة من المدرّسين الشيوعيين (علي اختلاف أحزابهم: مجموعة المكتب السياسي/ رياض الترك، مجموعة خالد بكداش، ومجموعة يوسف فيصل)، وكذلك المدرّسين ذوي الخلفيات الإسلامية، من قطاع التعليم إلي وزارات أخري لا صلة لها البتة بالتعليم. وهكذا، توفّر مدرّس لغة إنكليزية يعمل مراقباً للتموين، أو مدرّس رياضيات يعمل في وزارة الأوقاف، أو مدرّس تاريخ يعمل في وزارة الكهرباء!
لكنّ أياً من هؤلاء لم يُصرف من الخدمة، للإنصاف، بل حدث العكس تماماً رغم المفارقة السوداء: أراحتهم الدولة حين أبعدتهم عن صخب قاعة التدريس، وأرسلتهم إلي مكاتب مضجرة لا عمل لهم فيها ولا مسؤوليات، ما خلا قتل الوقت عن طريق القراءة (أحد الأصدقاء أقسم لي أنه ما كان في أيّ يوم سيفلح في قراءة أمهات التراث العربي، مثل تاريخ ابن خلدون والأغاني، ونفح الطيب، وخزانة الأدب، والكامل في التاريخ، ومعجم البلدان، ومختصر تاريخ دمشق، والعقد الفريد... لولا نقله من وزارة التربية إلي وزارة الزراعة!). وأكثر من هذا، وهنا المفارقة الثانية، كان لجوء أحد هؤلاء إلي تقديم طلب استقالة من الوظيفة الجديدة المنقول إليها، يلاقي الكثير من العراقيل البيروقراطية غير المعتادة، وكأنّ القيادة القطرية تريده هاهنا تحديداً، وليس في بيته مثلاً!
وبهذا المعني فإنّ القيادة القطرية كانت في الجوهر تسعي إلي اتقاء مخاطر وجودهم في قطاع التعليم (خصوصاً وأنّ الحزبين الشيوعيين المتحالفين مع النظام في إطار ما يُسمّي الجبهة الوطنية التقدمية ، جماعة بكداش وجماعة فيصل، رضخا للشرط الشهير القائل بأنّ النشاط السياسي في قطاع الطلاب والجيش يقتصر علي حزب البعث وحده)، أكثر من سعيها إلي عقابهم علي انتماءاتهم السياسية أو أفكارهم. اليوم لا يبدو بشار الأسد علي قناعة بأنّ عقاب الناس جرّاء أفكارها المعارضة لا ينبغي أن يشمل كمّ الأفواه والاعتقال فقط، بل قطع الأرزاق أيضاً، وربما أوّلاً، دون أن تتجشم بيروقراطية النظام أدني عناء في تغطية قراراتها التعسفية هذه بالحدّ الأدني من الذرائع. نحن البلد، والبلد نحن، ونحن الدولة، والدولة نحن؛ ومَن ليس معنا، سياسياً وعقائدياً أو حتي أمنياً، فلن يعمل في دولتنا... هكذا، علي الأرجح، صِيْغَ المنطق الذي جعل رئيس الوزراء يستسهل صرف المواطنات والمواطنين بجرّة قلم، بروحية الانتقام، وبأشدّ أنساق الردع قحة واستهتاراً.
الجانب الخطير الثاني الذي يكتنف قرارات الصرف هذه هو أنّ 12 من أصل المصروفين الـ 17 كانوا من الموقعين علي بيان مثقفي محافظة السويداء، الأمر الذي يثير الأسئلة التالية: لماذا هذه المحافظة بالذات؟ واستطراداً، هل كانت الخلفية المذهبية (أي التركيز الخاصّ علي المواطنين المعارضين أبناء الطائفة الدرزية، إسوة بالتركيز الخاصّ علي المواطنين المعارضين أبناء الطائفة العلوية) جزءاً لا يتجزأ من منطوق القرار؟ وهل يجوز استبعاد الاحتمال الذي يقول إنّ السلطة تأخذ هؤلاء بجريرة وليد جنبلاط، مثلاً؟ وإذا صحّ هذا، حتي بنسبة ضئيلة، فإلي أين يذهب نظام بشار الأسد في هذا الفرز الطائفي للبلد؟
وصحيح تماماً أنّ نظام حافظ الأسد اشتغل، طويلاً وبأناة، علي إحياء الولاءات الطائفية والمذهبية والعشائرية والمناطقية، بقصد زجّها في قلب معارك المحاصصة والإصطفاف الداخلية التي خاضها النظام منذ السنوات الأولي لصعوده، بما يكفل انقلاب النظام إلي مظلّة واسعة في ناظر الموالين والمصطفّين، تحميهم من بعضهم البعض (خصوصاً بعد تغذية احتمال، ثمّ هاجس، وقوع الاحتراب الطائفي)، أو، في الآن ذاته، تصالح بينهم وتضبط توازناتهم وتوزّع عليهم الثروة والمغانم والنفوذ. وإذا كان نظام الأسد الأب قد مارس العقاب الجماعي علي أسس طائفية، فإنه ـ من واقع دهاء مكيافيللي في الواقع ـ فعل ذلك علي نحو مستتر خفيّ ديماغوجي، وليس كما يفعل نظام الابن اليوم: علانية هكذا، علي نحو لا يعتمد العقاب استناداً إلي فرز جماعي سياسي ـ مذهبي فحسب، بل يعتمد الردع الجماعي وفق خرائط مناطقية تجعل محافظة السويداء عبرة لسواها من المحافظات.
جانب ثالث، قد لا يجوز للمراقب السوري أن يملك رفاه غضّ النظر عنه، هو أنّ النرجسية الذاتية العالية (التي يردّد العارفون بشخصية الأسد الابن أنها العنصر الطاغي في تفكيره اليوميّ) قد لا تدفع إلي إعادة إحياء شخصية الأب عن طريق إعادة إنتاج نظامه فحسب، بل لعلها كذلك تدفع إلي... قتل الأب، عن طريق التفوّق علي تلك السياسات والطبائع والأفعال التي صنعت صورة الأب القوية وأشاعت رهبته وعمّمت بأسه! وبين مظاهر هاجس قتل الأب ذلك التصريح الشهير الذي أطلقه الاسد الابن، من أنّ حافظ الأسد يحكم سورية من قبره، حيث يلوح تماماً أنّ فحوي التصريح يمكن أن تحمل الوجهتين معاً، وعلي نحو متكامل: أنّ الأب حاكم رغم رحيله عن عالمنا، وأنّ قتله بصفته هذه خطوة واجبة من أجل أن يحكم الأحياء!
من حقّ المراقب السوري ذاته أن يسترجع هذه الفقرة الدالة، من حديث الأسد الابن مع صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية أواخر العام 2003 (وهي فقرة حذفتها وكالة الانباء السورية ولم تُنشر في أيّ من الصحف السورية الرسمية)، جواباً علي سؤال سار هكذا: تدور في مصر نقاشات حول مَن سيعقب مبارك، ويقول البعض هناك: نحن لسنا سورية. أتري في هذا إهانة لكم ؟ يجيب بشار الأسد: كلا، لأنّ الرئيس الأسد ليس هو الذي جاء بي إلي السلطة. حين توفي لم أكن أتولي أيّ منصب. ولهذا يجب أن تتوجه بالسؤال إلي الشعب السوري. إذا ذهبت إلي الـ
CNN وغيرها من المحطات التي أجرت مقابلات مع السوريين، ستجد أنني جئت من خلال السوريين، وليس من خلال الرئيس الأسد. الناس منحوه ثقتهم، ثمّ منحوني ثقتهم لأنني ابنه. هذا جزء من ثقافتنا. نحن لسنا في الولايات المتحدة. الأمر هنا مختلف !
لسنا في الولايات المتحدة حتماً، ولكن متي كانت ثقافة سورية السياسية تجيز توريث الابن حكم البلاد بعد وفاة أبيه، ليس لأيّ سبب آخر سوي أنه ابن الرئيس؟ ثمّ هل صحيح أنّ الرئيس الأسد الأب، لم يكن هو الذي جاء بالرئيس الأسد الابن إلي السلطة؟ أليس في هذه المحاججة الزائفة تحديداً، ثمّ في ظلالها النفسية واللغوية المحضة، ما يدلّ بقوّة علي أنّ الابن يساجل بأنه إنما جاء بسبب فضائله الشخصية وخبراته السياسية ومهاراته القيادية وثقة الشارع فيه... ربما ليس بعد الثقة في أبيه، بل قبل أبيه؟
ويبقي، بالطبع، ذلك الجانب الرابع الذي من المحزن أن يبدو البعض وكأنه يكتشفه اليوم فقط: أنّ الأسد الابن لم يكن في أيّ يوم مع الإصلاح الحقيقي (السياسي والدستوري والمؤسساتي) من جهة أولي، كما أنه من جهة ثانية لا يكفّ عن النكوص إلي وراء، بمعني الارتداد علي نفسه تحديداً. ففي المقابلة ذاتها تفاخر بأنّ المعارضة السورية ليست أمريكية الهوي (قال حرفياً: إنهم ضدّ تصدير الديمقراطية بالقوّة أو بأية وسيلة أخري. هذا هو رأيهم، إنه واضح تماماً وتستطيع أن تراه علي التلفزة، أو في الصحف، الخ. تستطيع أن تسألهم )، كما تباهي بوجود منتدي الأتاسي بوصفه أحد منابر المعارضة.
ونعرف ما الذي جري للمعارضة السورية بعد أشهر معدودات علي هذا التفاخر (من اتهام بالعمالة، ليس للأمريكيين والسفارات الأجنبية فقط، بل للأشقاء اللبنانيين هذه المرّة!)، ونعرف ما حلّ بالمنتدي بعد أقلّ من سنتين علي المباهاة بوجوده (إذْ لا يُمنع المنتدي اليوم من تنظيم أيّ نشاط فحسب، بل اعتُقلت قيادته، وجري اشتغال جدّي من أجهزة الأمن علي تخريبه من داخله). ومنذ يومين، بتاريخ 21 الجاري، مرّت ذكري يوم المعتقل السوري والعمل الديمقراطي السوري في حال أشدّ ترهيباً وقمعاً واعتقالات، وبالتالي أشدّ هشاشة وضعفاً وعجزاً، حتي أنّ الاعتصام الرمزي الذي بادر إليه أفراد (وليس البتة قوي سياسية أو جماعات حقوقية!) أمام القصر العدلي في دمشق، شــــهد حضوراً لا يتجاوز الـ 25، وربما عشرة أضعاف هذا الرقم من عناصر الأجهزة الأمنية، فضلاً عن... سجنَيْن متنقّلين!