حوار مع الصين

د. رياض نعسان أغا  الاتحاد

 

كان لابد للعرب من أن يلتفتوا إلى الشرق بعد أن صرفوا جل نشاطهم السياسي والاقتصادي والثقافي مع الغرب الذي لم يقدِّر لهم جيداً توجههم إليه، والطريف أن الغرب سبق العرب في التوجه إلى الشرق في القرنين الماضيين رغم كون العرب هم الأقرب والأعرق في العلاقة مع الشرق كله، ولكن اتجاه الغرب كان استعمارياً في القرون الماضية، بل كان مدمراً في الحرب الثانية حين تلقت هيروشيما أول قنبلة ذرية أميركية عام 1945 وكانت نهايات القرن التاسع عشر قد شهدت حروب الأفيون التي شنتها بريطانيا ضد الصين ثم انضمت إليها فرنسا، وكانت القارة الهندية قد وقعت تحت الاحتلال البريطاني زمناً طويلاً وتمت القسمة الأوروبية الغربية لمواقع الثروات في آسيا على ذات الطريقة التي تم فيها اقتسام أفريقيا والبلاد العربية، ومع ذلك فإن البشرية تسامحت مع الغرب ونسيت وما تزال تنسى إصرار بعض القوى الغربية على التعامل باستعلاء وفوقية مع البلدان الضعيفة التي نهضت في أواسط القرن الماضي لتحقق استقلالها الوطني، ولتؤسس حضوراً دولياً مستقلاً بين القطبين المتصارعين الشيوعي والرأسمالي. ولقيت دعوة نهرو إلى عدم الانحياز لأي من القطبين ترحيباً كبيراً لدى عدد من كبار زعماء العالم، وحققت مجموعة عدم الانحياز حضوراً دولياً ضخماً بعد قمة بلغراد عام 1961 وتألق في المجموعة تيتو وعبدالناصر، وكان ذلك رداً على تنامي شعور الشعوب الضعيفة بخطر الحرب الباردة التي كانت تنذر البشرية بشررها.

لكن العالم خسر تلك التعددية التي كانت تحقق نوعاً من التوازن الدولي؛ فقد انهارت مجموعة عدم الانحياز مع انتهاء مرحلة الحرب الباردة، ولم يكن بنيانها التنظيمي قادراً على حمايتها، كما أن المتغيرات الدولية السريعة التي تجسدت في سقوط الحدود الإيديولوجية وتنامي الدور الاقتصادي في العلاقات الدولية وظهور قطب واحد يتفرد في العالم... كل ذلك جعل المنظومة تنهار مع أن البشرية في أمسِّ الحاجة إلى قوى وأقطاب تعيد للعلاقات الدولية توازنها.

ولئن كان منتدى شنغهاي قد حقق دفعاً للعلاقات الصينية- الروسية وجدد الرؤية المشتركة بين دول إنتاج الطاقة في آسيا حين انضمت دول آسيوية منتجة للنفط إلى المنتدى، فإن الاحتلال الأميركي لأفغانستان أعاق آفاق الوحدة الاقتصادية الآسيوية التي حاولت النهوض بعد سقوط مفتعل لنمور آسيا.

والعالم اليوم يتطلع إلى آفاق وحلول لتخليص البشرية من أحادية الرؤية، ومن اختلال التوازن في العلاقات الدولية ومن خطر تنامي الأبعاد المتوحشة للعولمة، والتي تبتلع الضعفاء وتهدد الخصوصيات الثقافية المحلية بالإبادة، وتسيطر بالقوة المسلحة على مقدرات الشعوب، ومن مخاطر النظام الدولي الجديد الذي وعد البشرية بالسلم، ولكنه جاءها بعشرات الحروب واستعاد نظم الاحتلال العسكري التي ظن البشر أنهم ودعوها إلى الأبد، بل إن العالم اليوم يبدو كأنه على فوهة بركان ما دام البعض يمتلكون قوة كافية لتدمير العالم عدة مرات، ولا يملك العالم قوة ردع، ولا ضمانة دولية لعدم ارتكاب الحماقات الكبرى التي سبق لها أن دمرت شعوباً على غرار ما حدث في هيروشيما، ولأول مرة في التاريخ الإنساني يبدو العالم واقعاً تحت سيطرة قوة واحدة.

أما العرب فقد استبد بهم الغرب طويلاً رغم حرصهم الشديد على إقامة أفضل العلاقات معه، إلى درجة أن الدول العربية في القرن الماضي كانت تبادر فور حصولها على الاستقلال إلى إقامة علاقات متميزة مع الدول التي كانت تحاربها. وحسبنا أننا حرصنا منذ أن حصلت سوريا على الاستقلال على أن نقيم أفضل العلاقات مع فرنسا، وكذلك فعلت الجزائر وتونس والمغرب، كما حرصت مصر على علاقات متميزة مع بريطانيا وفرنسا بعد العدوان الثلاثي عام 1956.

ويبدو أن العرب قد بالغوا في التسامح إلى درجة جعلت بعض دول الغرب تستهين بهم، والمفارقة أن بعض الدول الأوروبية تراجعت عن مواقف متقدمة سبق أن اتخذتها نحو القضايا العربية في القرن الماضي، وبخاصة إزاء القضية الفلسطينية. فقد كانت بعض دول أوروبا جادة في الوصول إلى السلام، وكانت الولايات المتحدة صاحبة مشروع السلام، لكن ما يحدث اليوم يدعو العرب إلى الريبة في الموقف الغربي الذي بات يمالئ الصهيونية ويتجاهل قرارات الشرعية الدولية التي أقرت حقوق العرب.

ومع قناعتي بضرورة الحفاظ على العلاقات العربية- الأوروبية والأميركية والعمل على تصحيح كل الأخطاء التي تشوب هذه العلاقات، فإنني أدعو بقوة إلى ضرورة تمتين العلاقات مع دول وشعوب أخرى في العالم ربطتنا بها عبر التاريخ صلات عريقة وعميقة مثل الصين والهند فضلاً عن ضرورة التوجه إلى شعوب أفريقيا التي تربطنا بها علاقات ثقافية واقتصادية متميزة عبر التاريخ.

والتوجه العربي إلى الصين بخاصة يستعيد أكثر من ألفي عام من العلاقات الاقتصادية حين كان طريق الحرير يبدأ من الصين وينتهي في سوريا التي تتابعه عبر طريق آخر إلى أوروبا. ولقد كان أمراً جيداً أن يسارع العرب إلى إقامة المنتدى العربي الصيني، الذي تأسس خلال زيارة الرئيس الصيني "هو جينتاو" إلى مقر الجامعة العربية عام 2004 وكان المؤتمر الوزاري الأول الذي عقد في القاهرة في العام نفسه بداية لأعمال هذا المؤتمر، والمهم أن العلاقات العربية الصينية تقوم على أسس عادلة وتهدف إلى إغناء التعاون العربي- الصيني، وتعلن احتراماً كاملاً لمبادئ ومقاصد ميثاق الأمم المتحدة، وميثاق الجامعة العربية، وتؤكد على تكريس مبدأ المساواة في السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية وحق كل دولة في المشاركة في الشؤون الدولية دون النظر إلى حجم هذه الدولة أو معيار قوتها أو ضعفها، فالقانون الدولي وحده هو الناظم للعلاقات الدولية.

ولا ينسى العرب أن الصين دعمت العملية السلمية في الشرق الأوسط وأكدت على مرجعية مدريد (الأرض مقابل السلام)، وأيدت المبادرة العربية التي أقرتها قمة بيروت، كما أن الدول العربية تدعم بقوة مبدأ الصين الواحدة.

ولقد كانت سوريا وبعض الدول العربية من أوائل الدول التي أقامت علاقات دبلوماسية مع الصين، وقد مضى على هذه العلاقات الحديثة نصف قرن تميزت بسمات إنسانية وتعاون وثيق وبحث مشترك عن مصالح الشعبين العربي والصيني.

ولقد أكد اللقاء العربي- الصيني على ضرورة دعم إنشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية، وأسلحة الدمار الشامل، وأكد حاجة المجتمع الدولي إلى احترام وتفعيل دور الأمم المتحدة في حفظ السلام ومعالجة القضايا الدولية.

وأهم ما يؤكده الحوار العربي- الصيني هو احترام الخصوصيات الثقافية والحضارية للشعوب المختلفة، وهذا ما أكدت عليه كل البيانات الصادرة عن لقاءات الجانبين.

إننا اليوم نتوجه إلى الصين لمتابعة الحوار ولتوسيع آفاق التشاور والتنسيق ولدفع مسيرة التعاون بين بلادنا وبين جمهورية الصين الشعبية، وفي أذهاننا تاريخ عريق من العلاقات الثقافية والاقتصادية، ونحن مرتاحون إلى زيادة حجم التبادل التجاري بين البلاد العربية والصين راجين أن يحقق مهرجان الفنون العربية الذي سنقيمه في بكين وعدد من مدن الصين مزيداً من التفاعل الثقافي، فبوسع الفن وأنشطة الثقافة أن يعمقا الفهم المشترك، وأن يحققا التقارب بين الشعوب، وتبدو الحاجة ماسة لتفعيل حركة الترجمة بين العربية والصينية، وهذا ما نسعى إلى تحقيقه، فلابد من أن يقرأ العرب إبداع وثقافة الصين محققين دعوة نبيهم الكريم (اطلبوا العلم ولو في الصين).