غياب العقلانية يغلّب السيناريوات المقلقة للشرق الأوسط نيويورك

راغدة درغام      الحياة     - 23/06/06//

تفيد الحركة الديبلوماسية والسياسية في المنطقة العربية هذه الأيام بوجود بوادر اندفاع نحو صياغة استراتيجية واعية في وجه التحديات المتصاعدة في منطقة الشرق الأوسط. لكن هذه الحماسة للاقدام تصطدم بالخوف والتردد من جانب أطراف مهمة في المنطقة تعتقد بأن الاذعان للوضع الراهن أضمن لسلامة المنطقة من تحديه. يصطدم أيضاً، بطبيعة الحال، مع لاعبين غير راغبين في تفاهم عربي على ضرورة التفكير المشترك، وهؤلاء يشملون التكفيريين والمتسلطين والناكرين للواقع والساعين الى الهيمنة والزعامة وكذلك الهاربين من الاستحقاقات. هذا الاصطدام ليس نظرياً ولا يقتصر على الاختلاف في التوجهات السياسية. انه ينذر بمواجهات عسكرية غير تلك المرتقبة بين قوى التخريب والقوى المعارضة لها. فهناك كلام عن سيناريوات افتعال حروب في دول عربية تعدها منظمات وتنظيمات سوية مع جيوش عربية بتنسيق واشراف من دول أخرى مجاورة. وهذه ليست سوى واحدة من المسائل التي تشغل البال على المستقبل العربي في زمن التغيب عن المشاركة في تشخيص ما يحدث واتخاذ القرارات الضرورية ازاءه.

منطقياً، يفترض ان تتشاور مجموعة دول عربية في عناصر استراتيجية ضرورية إزاء التحديات الكبرى في المنطقة لأنها تدق في عصب مصير الأجيال القادمة ولأن القفز على التحديات تظاهر مسيء للحاضر والمستقبل معاً. واضح أنه لا يوجد الآن قرار عربي يمكن لجامعة الدول العربية ان تعبر عنه نظراً الى تباعد المصالح الوطنية بين الدول العربية. لكن هذا لا يمنع ان تقوم مجموعة من الدول المهمة والمهتمة ببدء الحديث عن طبيعة هذه التحديات والخيارات المتاحة أمامها. وهذا ما يعمل نحوه بعض القيادات العربية.

أثناء مؤتمر البتراء الذي حشد العقول النابغة في ميادين تتعدى السياسة ومجموعة من الحاصلين على جائزة نوبل للسلام، حدث نوع من التفكير خارج الصندوق بمعنى التفكير غير التقليدي في المشاكل المستعصية وتلك الجديدة في منطقة الشرق الأوسط. تبين ان بين التحديات التي تتطلب التدقيق ورسم استراتيجيات لها ما تواجهه قيادات عربية عندما تخرج من الأدوار التقليدية وتجرؤ على هزّ الوضع الراهن كاشفة مدى سوء التمسك به والحفاظ عليه.

العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني يشكل نموذجاً قيد الفرز للقيادات العربية التي تفكر خارج الصندوق. انه يخوض معارك التغيير الداخلي في البيئة الأردنية بما لا يتقبل تغيب المواطن الأردني عن المعركة المصيرية مع التكفيريين. وهو يستدعي التفكير الاقليمي في استراتيجية مشتركة إزاء قضايا مثل العراق وفلسطين وايران. فالأردن، جغرافياً، واقع في خضم الزوبعة في هذه القضايا، والملك منشغل بكيفية تفعيل التفكير الجماعي في هذه القضايا. فهو بدأ سلسلة زيارات ولقاءات مع قيادات أساسية في المنطقة مثل مصر والمملكة العربية السعودية وسيقوم بزيارات لاحقة الى عواصم أخرى حشداً للتفكير العربي الجماعي في التحديات التي تواجه المنطقة.

وقبل يومين، أجرى الرئيس السوري بشار الاسد اتصالاً هاتفياً بالعاهل الاردني يعتبر نادراً صدف وأنه تزامن مع انباء صحافية افادت بأن الرئيس المصري حسني مبارك توقع زيارة الاسد له للتباحث في قضايا تشمل كيفية تحسين وتطبيع العلاقات بين سورية والأردن وبين سورية ولبنان. هذه الزيارة لم تتم، وليس ضرورياً ان يكون الاتصال الهاتفي ذا علاقة بها، حسب المؤشرات. لكن ما سيتم في 28 الشهر ان اجتماعاً رفيع المستوى سيتم في دمشق يبحث فيه الوزراء ملفات ثنائية واقليمية مهمة.

العلاقة الأردنية - السورية علاقة تتأرجح بين التوتر والتهدئة وهي ليست خالية من سيناريوات الصدام العسكري. المعادلات العسكرية في هذه الآونة ليست المعادلات التقليدية التي كانت سائدة في العقود الماضية عندما كانت سورية في علاقة حلف عسكري مع الاتحاد السوفياتي أثناء الحرب الباردة. لذلك فإن أية مواجهة عسكرية لن تكون بالموازين القديمة وانما قد يكون لها طعم المفاجآت، وسبب الكلام عن مواجهات عسكرية عائد جزئياً الى تحالفات بين منظمات وبين الجيش السوري، لايران دور فيها، تشمل سيناريوات تفعيل الساحة الأردنية واللبنانية، حسب المصادر المطلعة.

لذلك، عندما يتطرق الحديث الى مخاوف الأردن من نيات اسرائيلية مبيتة لتحويل الأردن الى الوطن البديل للفلسطينيين هناك من يرفع حاجبه مشيراً الى مساهمات غير اسرائيلية في هذا الأمر. وهناك من يسرع الى التذكير بالمعادلات العسكرية غير التقليدية بين الاردن وسورية، بمعنى ان التنبه لها مفيد.

ما يثير الفضول على هامش النقاش في المؤتمرات في شتى البقع الأوروبية والاميركية والعربية هو تكرار الحديث عن العلاقة الايرانية - الاسرائيلية التهادنية وعن العلاقة الايرانية - السورية التي تدخل فلك التحالف والدفاع العسكري المشترك، اضافة الى العلاقة السورية - الاسرائيلية البعيدة عن المواجهة والى غض النظر الاسرائيلي عن صواريخ ايرانية متفوقة بعثتها الى حزب الله في لبنان. في الوقت ذاته، هناك كلام يتكرر عن استعداد ايراني للتخلي عن سورية في حال ابرام صفقة ايرانية - أميركية. حزب الله، أمر آخر مختلف في معادلات المقايضة والتفاهم بين ايران والغرب. أما سورية فإنها قابلة للاستغناء عنها. وهذا ما تود أطراف عربية ان تحاول ابرازه لدمشق كي تعود الى الحظيرة العربية بدلاً من البقاء في الحظيرة الايرانية.

دمشق تريد تجميد كل شيء واي شيء عربي الى حين انتهاء التحقيق الدولي في اغتيال رئيس وزراء لبنان رفيق الحريري. وهذا ما ابلغته الى أكثر من عاصمة عربية. لا تريد التحدث عن أي شيء حتى حلول ذلك الموعد وهي تقدم، احياناً، الوعود بطرح كل شيء على الطاولة لاحقاً بعد انتهاء التحقيق. مثل هذا المنطق يفترض تبرئة سورية في التحقيق من الضلوع في اغتيال الحريري، وهذا ليس أمراً محسوماً على الاطلاق. لذلك قد يكون هذا التكتيك وسيلة لشراء الوقت وحشداً للصمت العربي الداعم عملياً لسورية بما يشكل ضغوطاً على التحقيق الدولي ولربما فسحة للمقايضات.

بعض القيادات العربية وافق على الطرح السوري. بعضها وافق سابقاً لكنه يعيد النظر الآن. والبعض الآخر يرى ان الانتظار الى ما بعد الانتهاء من التحقيق يعطي ايران ايضاً أوراقاً اضافية تتمثل بانتماء سورية لها من دون محاسبة عربية على ذلك. وهذا البعض يدرك تماماً المساوئ والكلفة الباهظة للرضوح تحت الاذعان للوضع الراهن بأي عذر أو تفسير أو تبرير كان.

فالأدوار السورية لها، الى جانب البعد الايراني، وطأة على فلسطين ولبنان والأردن والعراق. لكن التحالف السوري - الايراني وتوقيع معاهدات الدفاع المشترك هو الذي يسيطر على المخاوف العربية سيما وان طموحات ايران تشمل الهيمنة على الزعامة الاقليمية. فسورية العربية التي تشكل حلقة الوصل بين طهران وحزب الله في لبنان ولها اتفاق دفاع مشترك قد وضعت نفسها في خدمة العراب الايراني وهذا دور مختلف عن دور سورية بالأمس عندما كانت في القرن الماضي تلعب الورقة الايرانية على الدول العربية في منطقة الخليج. وهو دور يستحق التدقيق والدراسة من جانب العرب.

فإيران يجب الا تكون هوساً عربياً وانما هي واقع يجب على العرب عدم الخضوع له من دون تفكير في الخيارات المتاحة. فطهران، في نهاية المطاف، ما زالت معزولة دولياً على رغم كل الانتصارات التكتيكية. والحديث بين ايران والغرب يجب ألا يستغيب العرب انفسهم عنه. فلقد اختار العرب ان يغيبوا أنفسهم عن العراق، وها هي النتيجة واضحة، قوامها توغل ايران في العراق وحصادها علاقات مميزة مع اي رئيس حكومة سابق وحالي ومستقبلي.

واجب القيادات العربية ان تفكر في سيناريوات مخيفة تحدق في العراق كما في احتمالات نجاة العراق من هذه السيناريوات. مثل هذه السيناريوات يصب في خانة نشوء حرب أهلية وتقسيم، أو شرذمة العراق.

بين أبرز ما على القيادات العربية التنبه اليه هو الصراع السني - الشيعي داخل العراق وافرازاته على المنطقة. أكبر خطأ تقترفه القيادات العربية هو النظر الى الشيعة في البلدان العربية على أنهم امتداد لايران وأفضل استثمار يمكن للقيادات العربية أن تقوم به هو اعتبار الشيعة، في القوانين والسياسة، على قدم المساواة مع السنّة في البلدان العربية. فالشيعة العرب ليسوا أقل عروبة من السنّة العرب، وأي من يقول عكس ذلك إنما يوجه إهانة اليهم.

ما يتردد في إطار النفوذ الإيراني في العراق طروحات عربية تذكّر بأدوار تاريخية عربية في العراق، قد لا تبقى في طيات النسيان وإنما قد تُفعل كي لا يبقى العراق حصراً في الأحضان الإيرانية. يتردد أيضاً أن هناك حديثاً مهماً يجري في إطار الترتيبات الأمنية الاقليمية بما يضع إيران، الى جانب الدول العربية المعنية، في البوتقة الاقليمية - الأميركية الأمنية. وهذا ما تعمل عليه دول عربية أساسية في العلاقة الأمنية مع الولايات المتحدة.

وحسب هذا السيناريو، يُؤخذ البعد الروسي والصيني في اعتبارات العلاقة الجديدة، بحيث تُصاغ علاقة جديدة في هذا الصدد ذات تعريف أمني أوسع من التعريف العسكري.

أحد العناصر الرئيسية في المسألة الإيرانية - الأميركية هو عنصر إسرائيل وعلاقة طهران بحركة حماس. الجهود العربية الرامية لاقناع حماس بتبني المبادرة العربية التي أصدرتها قمة بيروت مفيدة لإيران إذا احتاجت طهران التأقلم مع المتطلبات الأميركية لعلاقة ثنائية تقوم أساساً على القبول الأميركي بالنظام الإيراني والكف عن محاولات الاستغناء عنه.

أثناء انعقاد مؤتمر البتراء الثاني للحائزين على جائزة نوبل، برزت القضية الفلسطينية بوجود كل من رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس ورئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود أولمرت. برزت ايضاً من خلال القلق الواضح على مصير حل الدولتين عبر الحل التفاوضي ومعنى فشل ذلك الحل، إذا فشل. الملك عبدالله أوضح تكراراً خطورة العلاج الأحادي المفروض على الفلسطينيين، وهو يرى أن هناك نافذة سنة أو سنتين فقط على حل الدولتين.

الرئيس الفلسطيني تمسك بمواقفه مع كل من حماس وإسرائيل وأبرز للمجتمعين في البتراء أن حماس وإسرائيل هما الطرفان اللذان وحدهما ما زالا يرفضان المبادرة العربية التي تتحدث عن اعتراف وتعايش وتطبيع بين العرب وإسرائيل مقابل انهاء الاحتلال الذي وقع عام 1967. دعا حماس الى قبول المبادرة، ودعا المجتمع الدولي ان يقبل بـ حماس إذا غيرت مواقفها، كما سبق وقبل بمنظمة التحرير الفلسطينية التي كان صنّفها إرهابية بعدما غيّرت مواقفها واعترفت بإسرائيل وحل الدولتين. تحدث بثقة وحزم، وقال لإسرائيل بكل وضوح إنها تراوغ طالما تتعذر بعدم وجود الشريك الفلسطيني في المفاوضات. قال لحكومة حماس إن مهماتها الشؤون الداخلية وليس صنع السياسة الخارجية، إذ أن ذلك من مهمات رئيس السلطة وليس مهمات الحكومة. وقال إن فرض الحل الأحادي، في ما تمضي إسرائيل ببناء الجدار الفاصل على الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، مرفوض ولن يأتي على إسرائيل بالسلام ولن ينهي الصراع لأنه حل خارج عن التفاوض والشراكة في ايجاد حل الدولتين.

رسالة عباس الى الحائزين على جائزة نوبل للسلام كانت بسيطة وهي رسالة تحكيم العقل والضمير من أجل سلام عادل مبني على الشرعية الدولية لا أكثر... ولكن، اسمحوا لي، ليس أقل.

رسالة الملك عبدالله أيضاً كانت بمنتهى البساطة، وهي الفلسفة الرئيسية وراء المؤتمر، فحواها دعوة هذه العقول البارزة للتفكير المتجدد لعل الذين فكروا تقليدياً في ماضي وحاضر هذه المنطقة يبدأون بالتفكير غير التقليدي خارج الصندوق.

وهذه الدعوة بحد ذاتها تستحق أن تلبيها القيادات العربية والنخبة العربية، لأن الاستمرار في التفكير داخل الصندوق سيكون مكلفاً للأجيال العربية. وحقاً، ان هذا ليس زمن الجلوس على الحافة في تردد ومراقبة بلا انخراط. إنه زمن القرار الذي يجب أن يُجهر ليقول كل فرد اين موقعه من السياج، وفي حظيرة مَن هو، وهل يقف مع التكفيريين أو أنه يقف ضدهم، إذ ليس هناك خيار ثالث بين الموقفين.