من أخطأ في سوريا: النظام... أم المثقفون ؟

هشام الدجاني النهار

ارتبط مفهوم المجتمع المدني في الساحة الثقافية والسياسية السورية بلحظة تاريخية نقلته من الحقل الأكاديمي الى حقل الصراع السياسي والأيديولوجي. وهو بمفهومه النظري يقوم، كما هو معروف، على الفصل بين مؤسسات الدولة ومؤسسات المجتمع وتأكيد المواطنة ككيان قائم، وترسيخ الفصل بين آليات عمل الدولة، وتحقيق هامش متسع للقيام بأنشطة سياسية واجتماعية وثقافية لمختلف الفئات الاجتماعية، بعيداً عن تدخل الدولة.
برز مفهوم المجتمع المدني وممارسة بعض نشاطاته بعد مرحلة طويلة من الاحباط السياسي والاجتماعي التي عاشها المجتمع السوري بسبب الغياب الشعبي والمجتمعي عن المشاركة في الشؤون السياسية. وقد ارتأى بعض المثقفين السوريين في بداية التسعينات، أي بعد فترة طويلة من السبات، ان من الضروري ان يقوم المجتمع السوري بدوره ويمارس وظائفه السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وهذا هو البديل مما وصل اليه المجتمع السوري من عزلة. واعتبر المثقفون السوريون ان تحقيق الديموقراطية واحترام حقوق الانسان لن يتحقق الا في دولة المؤسسات والقانون التي لن يضمنها الا المجتمع المدني القائم على فسح المجال أمام الحراك السياسي والاجتماعي لمختلف فئات المجتمع.
ويبدو ان تشخيص الواقع السياسي والاجتماعي هو الذي استدعى نقل مقولة المجتمع المدني من حقلها الأكاديمي الى حقلها السياسي. وهذا الحقل بالذاتي يشعر معظم المثقفن السوريين غير الحزبيين انهم خارجه. لذلك بدأوا يتوجهون الى المجتمع من اجل استرداد دوره ووظيفته. هذه النقلة كان لا بد ان تتحول الى نوع من الصراع السيــــاسي. وهنــا وجد المثقفون السوريون انفسهم في مواجهة السلطة. كما وجدوا ان هناك غياباً شعبياً ومجتمعياً عن المشاركة في شؤون السياسة.
هذا الغياب الشعبي والمجتمعي عن المشاركة في السياسة استمر طوال عقود عدة، وادى الى انطفاء الفاعلية الاجتماعية. لذلك رأى المثقفون ان لا بد ان يقوم المجتمع بدوره من طريق افساح المجال امامه كي يمارس وظائفه السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وهذا هو البديل. لقد وجدوا في المجتمع المدني الوسيلة الوحيدة والبديلة للخروج من المأزق السياسي، والتخلف الاجتماعي. واعتبروا ان تحقيق الديموقراطية المنشــــودة واحتـــــرام حقــــوق الانسـان لن يتمّا الا مع دولة المؤسســـات والقانــــون وهذا لا يضمنها الا المجتمع المدني القائم على فسح المجال امام مختلف الفئات الشعبية للقيام بالحراك السياسي والاجتماعي.
ومن هنا كان لا بد من الصدام بين مؤيدي المجتمع المدني والسلطة. فالأخيرة في ظل نظام شمولي تعتبر نفسها هي المسؤولة عن كل النشاطات السياسية والاجتماعية والثقافية في البلاد. وبالتالي فهي تعتبر حراك جماعات المجتمع المدني مخالفا قواعد اللعبة. أي انها لم تعتبر هذا الحراك رديفاً لما تضطلع به من مسؤوليات بل اعتبرته خصماً. وهناك تكمن المفارقة، اذ نسي المثقفون الذين يتطلعون الى بناء مؤسسات المجتمع المدني (جمعيات، احزاب، نقابات حرة) ان هذا البناء لا يمكن ان يتم الا في ظل نظام ديموقراطي ليبيرالي. فالفلسفة الليبيرالية تمثل الحاضن المعرفي لهذا المجتمع والمولّد لسياقاته التاريخية والعملية، كما يقول الباحث السوري رضوان زيادة. أما أنصار المجتمع المدني على اختلاف تياراتهم فقد وجدوا أن ثمة فرصة للخروج من قيد النظام الشمولي، وممارسة نشاطات أهلية تنبع من ذاتهم. ومما يشجعهم على ذلك هامش الحرية الذي توافر في البلاد مع بداية القرن الحالي.
الا ان السلطة، أو بعض المتشددين داخل السلطة، وجدوا في هذا التوجه لدى قطاع واسع من المثقفين نسبياً، ما يشكل خطراً على النمط الشمولي السائد في الحكم منذ بداية التسعينات. وهذا ما يفسّر اغلاق السلطة لسلسلة من المنتديات الثقافية التي أخذت تنتشر وتجد صدى واسعاً لدى جمهور المثقفين.
أين يكمن الخطأ اذن؟ أفي ذهاب المثقفين بعيداً في مطالبهم بعد فترة طويلة من السكون أو الخوف؟ أم في قمع السلطة الحدي لهذه الظاهرة رغم انها ظاهرة صحية ولا تشكّل خطراً على النظام؟
تحتاج سوريا اليوم الى وقفة موضوعية في محاولة لتحديد معالم المستقبل. لذا ينبغي فتح عملية حوار وطني شامل للمشاركة في بناء مجتمع ديموقراطي تتفتح فيه الشخصية الانسانية. بلادنا اليوم تحتاج الى جهود الجميع لتأسيس قوى المجتمع المدني الذي حرم غيابه، خلال العقود الماضية، عملية التنمية والبناء في البلاد من مشاركة قدرات وطنية مهمة وفاعلة، وجدت نفسها مجبرة على الابتعاد عن الممارسة الايجابية، وخلق نوعاً من اتكالية المواطن على الدولة واضعف شعوره بالمواطنة. وهذا ما أدى بدوره الى السليبة والقوقعة، واستفحال الأنانية والفساد، وتدهور المستوى الثقافي في المجتمع.
ثمة حاجة الى احياء مؤسسات المجتمع المدني وتحقيق التوازن بين دورها ودور الدولة في اطار شراكة حقيقية بينهما.
ان تنوع الآراء والاحزاب وتعددها في المجتمعات الانسانية امر مسلم به على اختلاف الاتجاهات الفكرية والعقائدية. فسيطرة الرأي الواحد تنطوي بالضرورة على خطر الجمود، وخطر الابتعاد عن جادة الصواب.
المجتمع المدني بمنظماته وجمعياته ونقاباته واحزابه يمثل الحيوية لدى أي مجتمع من المجتمعات. إذن لا بد من حالة حوار نقدي بين المجتمع والدولة وهذا ما يتجلى بوضوح في الدول المتقدمة. ولا يستطيع النظام، أي نظام، ان يعتمد على مؤسساته وأجهزته فقط لأنه عندئذ لا يجد الا رجع الصدى.
في تقديري ان النظام اليوم بحاجة الى تكاتف جميع القوى المخلصة والبناءة في هذا الوطن في وقت تتعرض فيه البلاد للضغوط، وهذا ما نتمى ان يدركه المخلصون. والقوى القادرة على الوقوف اليوم خلف النظام ومعه هي القوى المثقفة والمنظمة. انها مؤسسات المجتمع المدني.

هشام الدجاني دمشق كاتب سوري