حقوق المرأة بين الفردية والجماعية

هاني فحص   السفير

 

مسألة المرأة مسألة إشكالية، وإشكاليتها تأتي فيما تأتي من ثنائية الرجل والمرأة، ما يعني ان المسألة في اشكاليتها هي مسألة الرجل ايضا... وهل من حل او حلول؟ ان كون المسألة اشكالية يعني أنها مركبة من مستويات عدة، فإذا ما انحلت في مكان فإن ذلك لا يعني حلها في المكان الآخر، وكذلك المسألة من جهة الزمان، ومن جهة المستويات المتعددة الداخلة في تركيب الاشكالية (عمل المرأة، حريتها، موقعها في الاسرة والعلاقة الزوجية، جسدها وعلاقتها به... إلخ). ولو كانت مسألة المرأة مجرد مشكلة، لكان بالامكان وضع حل ناجع ونهائي لها مع إمكان معالجة التداعيات التي تترتب عليه كالتي تترتب على اي علاج عضوي لحالة او لمشكلة، بدنية او مادية عموما... مسألة المرأة، ككل المسائل الاشكالية، تختلف من حيث كونها تتجدد بتجدد ظروفها المادية والثقافية، ما يعني ان اي حل لأي مستوى من مستويات المسألة يحتاج الى حل لاحق وطبقا للمتغيرات التي تستجد وتعيد انتاج الاشكالية وأسئلتها. اذن فلا حلول ناجزة او تامة، والتقابل الحاد في الرؤى المتعددة لمسألة المرأة لا يجدي، ويحول المسألة من اطارها الاجتماعي والثقافي المتحرك الى مقام إيديولوجي جامد ومغلق، وعليه فإن الأجدى هو تدوير الزوايا، اي سعي كل الاطراف المتقابلة حول المسألة، الى الاقتراب من بعضها بعضا في منطقة الوسط، الذي هو في التعريف العلمي: الجمع بين حقيقتين او حقائق او بين حقين او حقوق من دون الغاء او تلفيق، على اساس ان الحقيقة مركبة، ومن اجل رؤيتها كاملة او رؤية أوسع مساحة من الاجزاء التي تتركب منها، فلا بد من ان ترى ما عند الآخر منها. إذاً فالحقيقة هي نتاج معرفي مشترك ودائم، ومن هنا فإن الطرفية او الاحادية في الرؤية اي التطرف في التعاطي مع مسألة المرأة تعقد اشكاليتها، حيث يمسي الحل الطرفي حلا اشكاليا ايضا، وربما كان اكثر اشكالية من الاشكالية الأصل او الحال السابقة، على ما نشهد من وصول الحل العلماني المتطرف الى تكثيف استلابات المرأة من باب التقدم والحداثة والمعاصرة، وما نشهد من استلاباتها على موجب الحل الاسلامي (السياسي في المحصلة) ومن باب الأصالة والهوية.
هناك مستويات لمسألة المرأة، واعطاؤها حقوقها تفكير او تعبير خاطئ، كأن هناك مالكا للحقوق استيقظ ضميره او أجبره أحد على التخلي عن بعض ما يملكه، حتى اذا ما تبدلت الظروف كان بإمكانه من موقع القوة ان يسترد ما وهب. ولا فرق في هذه الحالة، نظريا ومنهجيا ومبدئيا، ان يكون المالك المتبرع او المجبر هو الدولة او المجتمع او الفرد في ظل دولة ومجتمع.. ومن هنا فقد يكون الصواب هو رفع القيود التي تمنعها من تحقيق ذاتها بذاتها. وبالتناغم مع مكونات اجتماعها وأنظمة قيمه وعلائقه في الشريعة الاسلامية هناك مساحات متعددة، تشكل بمجموعها فضاء للمشاركة المتعددة الوجوه والمجالات بين المرأة والرجل والزوج والزوجة، والمشاركة هي التلخيص الأوفى للدور المأمول للمرأة، وهي بحسب ابن سينا (المشاركة في تدبير المنزل) الشرط الموضوعي للشراكة في تدبير المدينة التي لا تنهض إلا بها.. على ان الذي ينبغي التركيز عليه منهجيا في إعادة فتح أبواب المشاركة، هو ان الشريعة ليست تكاليف او الزامات بالفعل او الترك (واجبات ومحرمات) فقط.. ولا مندوبات ومكروهات كذلك، بل ان مساحة المباح او الحلال، الذي هو حكم شرعي أبعد من التكليف ومرهون بالاختيار الشخصي، هي الأوسع، وهي بسعة مساحة الحياة ذاتها.. والحلال هو فضاء الحقوق الموصولة بالحرية والارادة، ومن هنا فإنه من غير المنطقي اختزال المرأة في أنها مكلفة، اي منفعلة لا فاعلة، بل هي صاحبة حق او حقوق، تماما كما هو الرجل صاحب حق، ولا يقوم تمكينه او تمكنه من حقه على اختزال المرأة، ذات المرأة، في حق الرجل، لأن ذلك يحولها من كائن موضوع تكوينيا في مجال الكمال او التكامل، الى أداة.. اي سلعة يتصرف بها غيرها، ولا تتسع مساحة الحرية المحدودة والمزاجية اكثر الأحيان لتمكينها من تحقيق ذاتها.
إذاً، للمرأة حقوقها الطبيعية، والشرع لا يعاند الطبيعة، بل يكتشفها ويكشفها ويكاشف بها محفزا على التطابق معها، فلا يمكن ان يحول الحقوق الطبيعية للمرأة الى امتياز للرجل، ليتحكم (الرجل) في ممارستها لوجودها (المرأة) وتحويل الحلال عليها الى واجب او حرام، لأن دائرة الزاماتها الشرعية العامة ليست اوسع من دائرة الزامات الرجل، وان كان هناك من الزامات خاصة بها فهي مترتبة بالنظام الشرعي العبادي على خصوصيات تكوينية لدى المرأة تقتضي ترتيب آثار شرعية مطابقة، والحجاب او الستر ليس منها على كل حال، وإن التمس الفقهاء منسجمين في ذلك مع محمولاتهم النصية والمسلكية والأدبية، للحجاب او للستر موجبات، فإن الزام المرأة به، لا يتأتى في العادة من الفقه او الفقيه، بل يأتي من ثقافة الاجتماع وعوائده ويبقى في حال من الجدل الحيوي بين فئات المجتمع المختلفة وبين الأفراد وجماعاتهم، والالزام الفعلي إنما يأتي من جهة الدولة، في مقابل الزام الدولة العلمانية بالسفور. والدولة، والشمولية العلمانية منها او الدينية خاصة، تتعدى الحجم اللازم لممارسة وظيفتها القمعية الى حد المس بشرط الحرية التي لا بد من الحفاظ على نصابها كاملا في اختيار المرأة للشكل الذي تظهر فيه، وتمتد هذه الحرية الى حرية الفقيه او الداعية الاسلامي او المسلم في الدعوة الى الحجاب او الستر، والدخول في السجال او الحوار الحاد او الحار حول المسألة مع المرأة او مع الرجال الآخرين، الذين يرجحون السفور او يدعون اليه، على انه لا بد لنا في هذه المسألة من ان نمانع في تحويل مسألة السفور الى مسألة عقائدية، لأن ذلك يشكل مقدمة لمسلك قمعي خطير، سبق لسلامة موسى ان دعا الى اتباعه عندما حرض اجهزة الدولة على فرض السفور بالقوة. وهنا يحسن ايضا قراءة المدى الذي وصلت اليه المرأة في دول علمانية (شمولية او ليبرالية) وهل ان اطلاق المرأة لجسدها قد جعل الجسد في دائرة اختيارها او انها هي التي اصبحت في دائرة اختيار الجسد وجموحاته التي أدت الى ابتذاله وإخلائه من كثير من معانيه؟
وفي نفس السياق تتوجه الاسئلة الى الفقهاء والاسلاميين الذين تضطرهم المتغيرات الى إعادة النظر جزئيا، ومن دون استباق للوقائع، بل وراءها دائما. وبعد ان تستفحل اكثر الأحيان، فيوسعون مساحة المشاركة والاختيار للمرأة في حدود لا تلبث ان تنفتح على غصة منهم، نحو المزيد، ومن خلال شبكة تأثيرات ومؤثرات مركبة.. تبدأ من حث الاسلام على العلم وترذيل مسلكيات لدى فقهاء عصور التخلف، الذين قرأوا نصوص التحفيز على المعرفة وطلب العلم قراءة تنتمي الى ما قبل الدين والمعرفة وتحديات الحياة والحيوية، وهنا، مع العلم، انهمرت الاسئلة عن الاختلاط والاختصاص والعمل والاندماج والسفر والآخر الغربي وغير المسلم عموما في الجامعة والعمل امتدادا الى الكلام حول وظيفية الحجاب او الستر، التي تجعل المسألة ضمن سياق النظام العلائقي ودورة الانتاج. ويلاحظ المعنيون هنا ان الفقهاء قد عالجوا مسألة الستر في حياة نساء الأرياف، حيث لا تقوم الحياة الا بالمشاركة التامة في الحقل الزراعي وتضطر المرأة لكشف شيء من شعرها او معصمها لتقوم بعملها زراعة وحصادا وغيرهما. أما كون حق المرأة مكيفا في الشرع من خلال الزاماتها في السلوك والعبادة والعمل (عدم الجهر في الصلاة، عدم تكليفها بالجمعة مع إمكان التحاقها بها مع العيدين، استحباب صلاتها في بيتها (مسجد المرأة بيتها) كراهة او حرمة رفع صوتها (صوت المرأة عورة)، وهناك من يرى ان المرأة بذاتها عورة ويدعو الى الخلاص من هذه العورة ان كانت بنتا له بتزويجها المبكر جدا وبمجرد ان تطمث، والشهادة في القضاء، تولي السلطة، أحكام الحيض والنفاس، عدم الخروج إلا بإذن زوجها حتى لو كان الخروج الى ذويها، التنازل عن حقوقها طلبا للخلع على تقدير كراهيتها للزوج، حتى لو كان الزوج أحيانا هو الكاره لها، فتلجأ الى القول بكراهتها له وتنازلها عن حقوقها مقابل خلعها.. اشتراط المحرم حتى في أداء الواجبات الشرعية (الحج)، ومطلق السفر. وتصل المسألة لدى بعض الفقهاء أنهم يثبتون سماحة الشريعة من خلال حكم يستند الى رواية لا يدقق فيها كثيرا ومضمونها ان للخاطب اذا ما نوى زواجا من امرأة ان يتحقق من خلوها من العيوب فينظر الى مفاتنها من شعرها الى بدنها بشرط الحجاب الشفاف... والتوجيه هو أنه سائم يسوم ويشتري بأغلى الأثمان، فمن حقه إذاً ان يتعرف الى تفاصيل السلعة، وإذا ما كان هناك احتياط شرعي في اشتراط ان يكون ناويا للزواج من سلعته، فإن هذا الاحتياط سرعان ما يسقط إذا ما اكتشف المشتري عيبا ولو ضئيلا لأن من حقه ان يعدل عن نيته)... من هنا وعلى أساس ما هو معروف من خلاف فقهي وفكري كلي او جزئي، منهجي او تفصيلي، حول هذه التكييفات، فان السؤال عن مقدار الإلجاء من قبل الرجل للمرأة او للزوجة، وعن الملاك الفقهي او الفكري الذي منح الرجل هذه القدرة الالجائية، التي يضعها مستفيدا من شرع مشرع على قراءته في تاريخه او تاريخ الاجتماع الذي قد ينتجه بعيدا عن قواعده ومقاصده، يضعها في مصاف القداسة لأنها متأتية فرضا من شرع مقدس لأنه صادر عن شارع مقدس، مع العلم بأن الشارع مقدس، ولكن ما هو الشرع؟ وهل الأحكام الشرعية قطعية؟ حتى لو كان النص قطعيا؟ ولو كانت قطعية فلماذا تتغير بين فقيه وفقيه ومذهب ومذهب ودولة ودولة وزمان وزمان ومكان ومكان، وتتغير في فقه الفقيه الواحد ذاته؟ إذاً فالشارع مقدس ولكن الشرع هو من انتاج البشر، ومهما يكن فقههم واسعا فإنه لا يمكن ان يكون مقدسا والا تعطل الفقه اي الفهم.. فهم الحياة وفهم النص الذي يهدف الى التنزيل على الواقعة لا تنزيل الواقعة عليه... ان القداسة في المحصلة لا تأتي من شكليات التكييف الشرعي للمسائل، ومنها مسألة المرأة، وأحكامها وحدود دورها وموقعها وحركتها بذاتها وفي اجتماعها الأسري او العام، وهذه الشكليات اذا ما حولناها الى مطلقات اي مقدسات ألغت المضمون الذي يسكنه النزوع والدعوة الى العدل وقراءة التطورات والتطابق معها، من دون ابتزاز، تحقيقا لمقاصد الشرع التي هي الحاكم النهائي على حركة النظر والاستنباط الفقهي... على ان المقدس الحقيقي ليس هو الذي تذعن له فقط، وأنت في الواقع تذعن لقداسته، التي تأتي فيما تأتي من حوارك مع المقدس، والحوار مع المقدس لا يعني تقويضه او الانتقاص من قداسته، وإنما هو إعادة انتاج او تشكيل واع لقداسته من خلال جدل الثابت والمتغير فيه وفي الذات التي تقدسه اختيارا او طوعا ايضا، اي ان الاذعان هنا يأتي من داخل المذعن لا من خارجه، وهنا فرق الاسلام بين الإيمان وبين إعلان الاسلام... والله تعالى مطلق وثابت ومقدس مطلقا، والانسان المقدس محدود ومتغير، والمعرفة بالله انسانية (بشرية) فهي متغيرة، فهل نحن نقدس الله تعالى ام نقدس هذه المعرفة او تلك؟ الأجدى ان نقدس حركة المعرفة لأنها تقرب بدوامها من الله (الكدح الى الله). كذلك فان الشرع متغير تبعا لتغير المعرفة به وان كان بذاته ثابتا، والأحكام تتغير بتغيير موضوعاتها في الواقع او في مستوى العلم بها.
حق المرأة فيه مستويان: مستوى الجماعة ومستوى المرأة الفرد.. بعد التجارب نحن مدعوون الى التوازن بين حق الفرد وحق الجماعة. أي اننا مدعوون الى التحرر النسبي وغير الفصالي او الانفصالي، من ضغوط الجماعة على أفرادها، والمرأة هي أكثر الافراد تعرضاً لهذه الضغوط التي تأتي من التقاليد الجائر منها والعادل او النسبي، لا من قبل الشرع، وتترتب عليها بسبب اختزال الجماعة بالذكور، مفارقات لا تكييف شرعياً لها، مثل جرائم الشرف، التي تتعدى حالات العلاقات الجنسية المحرمة شرعاً، الى ممارسة حرية المرأة في اختيارها لزوجها من خارج الجماعة الاسلامية او القبلية، وعلى نفس المذهب، ويؤخذ في العادة القانون او الشرع الاسلامي، او شرع القبيلة باليد، ما يعتبر هتكا للقانون وانتهاكا له وللشريعة تحت ذريعة قيم فيها كثير من الاصطناع، الى ما في هذه الممارسات (جرائم الشرف) عادة من انحياز كريه لصالح الذكر الذي لا يقتل بل المرأة هي القتيل السهل دائماً... ومعروف ان الشرع يحتاط للدماء والاعراض والاموال والخيارات الشخصية تحت سقف المقاصد التي تصب في حماية الاجتماع والافراد من دون تفرقة... اذاً، فالحق هو حق الفرد كفرد وحقه كعضو في جماعة لها عليه حقوق وله عليها حقوق، ولا يقع حق الفرد عملياً خارج حق الجماعة، لان حقوقها على أفرادها هي في المحصلة مجموع حقوق افرادها عليها. وهنا، بهذا التوازن والموازنة، نتفادى ضرورة التزامنا بالمفهوم الحصري الغربي لحقوق الإنسان، لا نرفضه جملة وتفصيلاً، ولكن لا نلغي حقوق الجماعة لصالح جماعة اخرى (فلسطين) ولا لصالح الأفراد، ولا العكس، على ان لا ننسى ان احكام الشرع فردية او افرادية، وان الخلاص الدنيوي والاخروي فردي <وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً، اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً>. وبحسب القرآن الكريم فإنه ما من إنسان إلا ويأتي الله يوم القيادة فرداً... وفي الجهة الاخرى لا تزر وازرة وزر اخرى... وهذا لا يعني ان الجماعة كجماعة ليست موضوعاً للاحكام التكليفية (الواجب الكفائي) فضلاً عن الاحكام الوضعية التي تترتب موضوعياً على الإخلال بالدور الحضاري للجماعة الذي هو في المحصلة مجموع الإخلالات الفردية بالتكاليف والحقوق ومنها حقوق المرأة والطفولة والبيئة والعمل والعمال... الخ. والعقوبة في هذه الحال تصبح اقرب الى السنة التاريخية التي تتكرر معدلة جزئياً بتكرر ظروفها المادية والمعنوية جزئياً كذلك <وإذا أردنا ان نهلك قرية امرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميراً>. وعن الرسول <إنما أهلك من قبلكم أنهم كانوا يخطئ فيهم الضعيف فيعاقبونه ويخطئ فيهم القوي فيتركونه>. والمرأة في كثير من العقوبات التي تطالها تضعها الجماعة في صف الضعفاء.