من ينتصر في العراق؟

د. محمد السيد سعيد

 

 

أبرزت الحكومة العراقية والإدارة الأميركية قصة الوثيقة المنسوبة لـ"تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين" مرة واحدة بعد مقتل الزرقاوي مباشرة, ثم اختفت بعد ذلك من وسائل الإعلام الدولية والأميركية, ولم يتمكن المشتغلون بالإعلام من التحقق من أصالتها. ويبدو لي ذلك أمراً غريباً, فالإدارة الأميركية طبقت مؤخراً خطة إعلامية ذكية استهدفت إقناع الأميركيين والعالم بإمكانية الفوز بالحرب الصعبة في العراق, بعد أن كاد هذا الافتراض يختفي تماماً, وكانت زيارة بوش للعراق بعد نجاح القوات الأميركية في اغتيال الزرقاوي هي قمة هذه الخطة. وكان من المنطقي أن تسعى الإدارة أيضاً إلى استغلال هذه الوثيقة إلى آخر مدى ممكن, لو أنها أصلية. فالوثيقة المنسوبة لخبراء في تنظيم "القاعدة" تقول -وفقاً للمصادر العراقية- إن على التنظيم شغل القوات الأميركية واستنزاف أميركا في حروب إضافية أوسع في العراق وفي المنطقة وخاصة مع إيران. ويستند هذا التصور التخطيطي على تقدير للموقف داخل العراق يقول إن الولايات المتحدة تحقق نجاحات في كل المجالات تقريباً!

هذا التقدير الأخير هو ما كان من المتصور أن تستغله الإدارة الأميركية حتى الثمالة لو أنها كانت مستعدة للخوض في اختبار أو امتحان أصالة الوثيقة. فهل ثمة ما هو أفضل من شهادة نجاح تصدر عن الخصم الأشد والأسوأ: أي تنظيم "القاعدة" والزرقاوي لكي تحتفل الإدارة الأميركية بالوثيقة وتروّج لها في كل مكان؟

يحتمل السكوت الأميركي عن تلك الوثيقة ثلاثة تفسيرات. الأول بسيط ومباشر وهو أن تلك الوثيقة مزورة, وليس بإمكانية الولايات المتحدة أن تدافع عنها طويلاً لو أتيحت لخبراء محايدين. أما الثاني فهو أن الإدارة الأميركية لم تكن تريد أن تبالغ في تقدير نجاحها المزعوم كما أكدت الوثيقة نفسها, حتى لا تستدعي ردود فعل قوية من جانب خصومها الأميركيين, وهو تصرف يتفق مع القاعدة الدعائية التي تقول بأن الإيحاء الغامض والسريع والقابل للترسب في الأعماق أفضل من الدق على الدفوف والطبول بعنف ولمدة طويلة بما يقود إلى فجوة تصديق. أما التفسير الثالث والذي يهمنا هنا فهو أن الخبراء الأميركيين لم يصدقوا ما في الوثيقة ولم يوافقوا على ما جاء فيها من تقديرات, ولهذا منعوا "حلبها" إلى آخر مدى, كما كان متصوراً.

وعلى أي حال, فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو ما إذا كان تقدير الموقف المنسوب لـ"تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين" صحيحاً أم خاطئاً.

قبل أن نحاول الإجابة على هذا السؤال لابد أن يلفت نظرنا أن يكون هذا هو تقدير "القاعدة". وبوسعنا بالطبع أن نرمي بهذا التقدير عرض الحائط ونقول إن الوثيقة مزورة. ولكن طالما أنه لا يوجد دليل حاسم يقطع بالتزوير أو عدم الأصالة فإن من حق الخبراء العرب أن يسائلوا التقدير نفسه, ويتعجبوا منه في الوقت نفسه.

ذلك أن صدور تقرير لا يسر بالمرة زعيماً من أي نوع كان، هو أمر مثير وغير متصور من التنظيم نفسه (بغض النظر بالطبع عن الاتفاق والاختلاف مع التنظيم, وأنا ممن يختلفون معه بشدة). فالعادة العربية هي أن تهزأ المؤسسات والقيادات بخصومها وأن تبالغ في تقدير نجاحاتها وأن تبالغ في تحقير نجاحات الخصم وخاصة لو كان عدواً شديداً مثل الاحتلال الأميركي للعراق. والتصور النمطي لتفكير "القاعدة" بالذات كان يقود لافتراض أن تغرق في هذه العادة العربية, بحكم ميلها للتطرف وإصدار الأحكام القطعية والتفكير الرغائبي. ولأنها لم تفعل ذلك, يجب أن نراجع تصوراتنا عن أساليب التفكير السائدة في هذه المنظمة. ولو صحت نسبة هذه الوثيقة لـ"القاعدة" و"خبرائها" لكان علينا أن نصفها باعتبارها واحدة من أكثر المنظمات خطورة, وهو ما كانت أكدته بالفعل مستويات التخطيط لعملية 11 سبتمبر.

ولا يعني ذلك بالطبع أن ننتهي إلى استدلال يقول بأن التقدير المتضمن في هذه الوثيقة دقيق بالفعل. فعلى العارفين بالأوضاع التفصيلية وخاصة على المستوى العسكري أن يقلبوا الأمر على أوجهه المختلفة وأن يقدموا تقديرات للموقف أكثر دقة وشمولاً, وقد تكون معاكسة تماماً للاستنتاج الذي خرجت به الوثيقة ولم تقدم عليه للأسف أدلة محددة على الأقل في الحدود التي أعلنتها المصادر الأميركية والعراقية.

وفي الحدود التي تسمح لنا بها المعلومات المنشورة في مصادر رسمية وغير رسمية عما يجري في العراق, يجوز تماماً أن ننتهي إلى استنتاج يتفق ويختلف في الوقت نفسه مع التقدير المنسوب في الوثيقة "القاعدية". ففي تقدير هذا الكاتب أن النجاحات المنسوبة للأميركيين هي تلك التي سمحت بها الأخطاء الاستراتيجية والتكتيكية للمقاومة عموماً وتلك التي ارتكبتها "القاعدة" خصوصاً. وبالمقابل فإن "النجاحات" التي حققتها المقاومة هي تلك التي كانت ممكنة بفضل الأخطاء الاستراتيجية والتكتيكية الأميركية. وبتعبير آخر فإن الطرفين الرئيسيين في الحرب العراقية لم يحققا أي نجاح ايجابي, وإنما حققا توازناً في الأخطاء, بما يعني أنه لا أحد ينتصر في العراق, وإنما الكل ينهزم بفضل أخطائه الذاتية الخاصة.

لقد أشارت مختلف المصادر للأخطاء الاستراتيجية والتكتيكية الأميركية: الاستهتار بالكرامة العراقية والعربية, حل الأبنية الكبرى للدولة العراقية وخاصة القوات المسلحة (بجميع تشكيلاتها) والإدارة المحلية والحكومية عموماً قبل إيجاد بديل مقبول وفعال, والتوظيف الانتهازي وضيق الأفق للطائفية, وإعلان الانتصار مبكراً جداً قبل أن يتحقق أي إنجاز مهم على المستوى السياسي وتفضيل محاباة النفس بالفساد على تطبيق خطة جادة لإعادة الإعمار والبناء الاقتصادي, وتهميش السُّنة, وجرائم التعذيب وسوء التعامل مع السكان عموماً والسُّنة خصوصاً.. الخ.

أما أخطاء المقاومة فلا تقل سوءاً من الناحية الاستراتيجية. أهم هذه الأخطاء على الإطلاق هو الفشل في بناء تحالف وطني حقيقي للوصول إلى هدف سياسي متفق عليه. فرغم وضوح الهدف السياسي المباشر وهو تصفية وإنهاء الاحتلال كان ولا يزال من الصعب إقناع غالبية الشعب العراقي به بدون وضعه في إطار التوق لبناء دولة عراقية جديدة ومختلفة بصورة نوعية عن دولة صدام حسين وبالأسوأ دولة "طالبان". وفي غياب تصور مقنع وله مصداقية عن دولة ديمقراطية مستقلة وموحدة في العراق وقعت المقاومة بدورها في وحل الطائفية. وبينما ناضلت المقاومة العراقية الخالصة ضد الطائفية نظرياً ووقعت فيها عملياً, فإن "القاعدة" وقعت فيها نظرياً وعملياً, وجعلت هدفها الأسمى هو إثارة حرب أهلية طائفية وقومية في العراق بوسائل إرهاب عشوائية وجرائم إبادة جماعية. وبذلك فقدت المقاومة بغالبية فروعها وتياراتها فضيلة التركيز الاستراتيجي, وأخذت تشتت جهودها في الضرب في كل اتجاه. أما على المستوى التكتيكي فإن ما بدا مغرياً في البداية صار مع الوقت بعض أسوأ الأخطاء: تفريغ العراق دبلوماسياً, تهميش وضرب الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية, الإغراق في عمليات الخطف والترويج للفوضى الأمنية وهو ما قاد موضوعياً إلى تعميم الفزع من كل تيارات المقاومة في صفوف غالبية العراقيين, بل وخسارة وإهدار التأييد الجاهز عربياً ودولياً.

من ينتصر في العراق؟ لا أحد في الحقيقة, والفرصة الوحيدة للنصر لا زالت تنتظر بناء تحالف وطني وديمقراطي حقيقي ومتجاوز جذرياً للطائفية في العراق.