خطابات الهوية المتصارعة

السيد يسين الاتحاد

 

ليس هناك من شك في أن العولمة هي الظاهرة التي تملأ الدنيا وتشغل الناس في المرحلة التاريخية الراهنة. وهي -كما قررنا من قبل ونحن بصدد رسم خريطة معرفية لعصر العولمة مجرد مفردة وإن كانت أساسية لعالم متكامل أخذ في التشكل منذ عقود. وهذا العالم البازغ قد خرج بالمعنى التاريخي للكلمة من رحم المجتمع الصناعي، الذي أصبح مرحلة من تاريخ الإنسانية وصلت إلى منتهاها. وإذا كنا قد قررنا من قبل أن اشتداد عمليات الصراع حول الهوية مبعثه في جانب منها أنها رد فعل على عمليات التوحيد القسري في الجوانب الاقتصادية والسياسية والثقافية على مستوى العالم، إلا أن صراعات الهوية قديمة في الواقع. وهذه الصراعات برزت على وجه الخصوص في فترات المد الاستعماري الأوروبي في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.

بعبارة أخرى أرادت الدول الاستعمارية أن تجعل "المركزية الأوروبية" بمعنى نسق القيم الغربي هي النسق الفكري العالمي، أو المرجعية القيمية العالمية، بما تتضمنه من معايير عن التخلف والتقدم. وحاولت ذلك في تجاهل تام لأصالة الثقافات الوطنية في الدول المستعمرة، بل في مناخ ثقافي عنصري يتضمن ازدراءً واضحاً للثقافات الأخرى.

ويكفي في هذا الصدد أن نثير حالة الاستعمار الاستيطاني الفرنسي للجزائر والذي استمر حوالى مئة وثلاثين عاماً، ولم يتح للجزائر أن تفك أغلالها إلا من خلال المعركة البطولية التي خاضتها جبهة التحرير الجزائرية، والتي انتهت بهزيمة ساحقة للجيش الفرنسي، وانتصار بارز لجيش التحرير، وضحَّت الجزائر في سبيل تحريرها بأكثر من مليون شهيد. غير أن الذي يهمنا في هذا المثل التاريخي أن فرنسا حاولت أن تقضي تماماً على الهوية الوطنية الإسلامية للجزائر من خلال إلغاء التعليم باللغة العربية، وفرض اللغة الفرنسية باعتبارها لغة رسمية، وأخطر من ذلك فرض القيم الفرنسية فرضاً على المجتمع الجزائري. ولم ينقذ الجزائر من ضياع هويتها الوطنية سوى الجهود البطولية لابن باديس ورهط من رفاقه، الذين حافظوا على تقاليد التعليم الإسلامي للحفاظ على هوية المجتمع الأصلية.

وبالرغم من كل ذلك فإن الجروح التي أصابت الهوية الجزائرية ظلت زمناً لا تندمل، لأن النخبة الجزائرية المتفرنسة قاومت بضراوة محاولات التعريب الوطنية بعد الاستقلال، والتي حاولت أن ترجع الهوية الجزائرية إلى أصولها العربية الإسلامية. ومع ذلك يمكن القول إن صراعات الهوية في المرحلة التاريخية الراهنة تتصل اتصالاً وثيقاً بالعولمة بكل تجلياتها السياسية والاقتصادية والثقافية.

وإذا كانت العولمة الوثيقة الصلة بنشأة مجتمع المعلومات العالمي على أنقاض المجتمع الصناعي عملية تاريخية واحدة، تتشابه في سماتها، وإن اختلفت نسبياً في تطبيقاتها وفقاً لاختلاف النظم السياسية، وتعدد الثقافات الوطنية، إلا أنه يمكن القول إن هذه العولمة الواحدة تخوض في الواقع معارك متعددة مع الهويات المختلفة في العالم، والتي تختلف في جذورها التاريخية، وفي تعبيراتها الثقافية. وقد ظهرت بوادر هذه المعارك في الجدل العنيف المحتدم حول الحضارات بين الصراع والحوار. ونعلم جميعاً أن مقالة عالم السياسة الأميركي هنتينغتون عن "صراع الحضارات" والتي أثارت جدلاً عالمياً بعد أن تحولت إلى كتاب واسع الانتشار، ميزت عملية الصراع التي أشعلتها العولمة.

فهذه المقالة تدعي أن الحضارة الغربية في مرحلة تحولها الراهنة ستدخل حتماً في صراع مع حضارات أخرى، على أساس أن حروب المستقبل هي الحروب الثقافية. وقد رشحت لهذا الصراع الحضارة الإسلامية التي ستدخل في صراع كما يقرر- هي والحضارة الكونفشيوسية مع الحضارة الغربية. غير أنه سرعان ما جاء الرد من أحد بلاد العالم الثالث وعلى وجه التحديد من إيران، من خلال المبادرة الجسورة عن ضرورة حوار الحضارات التي أطلقها الرئيس السابق محمد خاتمي، وقد لاقت المبادرة الإيرانية موافقة إجماعية، وصدر قرار الأمم المتحدة باعتبار عام 2002 هو عام حوار الحضارات.

وإذا كان مصطلح حوار الحضارات هو الذي استخدم في هذا الجدل العالمي، إلا أننا نفضل استخدام مصطلح حوار الثقافات على أساس أننا جميعاً دولاً وشعوباً نعيش في الواقع في ظل حضارة واحدة، هي الحضارة العلمية والاتصالية الراهنة. غير أن مشكلة حوار الثقافات تبدو على وجه الخصوص في أنه لم يتبلور بعد منهج لإجراء الحوار، ولم تتحدد معايير موضوعية لاختيار مشكلات الحوار.

وقد نشرنا عدداً من البحوث في هذا الاتجاه، ونعني منهج الحوار ومعايير اختيار موضوعات الحوار وعلى الأخص في كتابنا "حوار الحضارات: الغرب الكوني والشرق المتفرد" الذي نشرته دار "ميريت" في القاهرة عام 2004. وتبعت هذا الكتاب مجموعة متنوعة من البحوث، أبرزها البحث الذي كلفتنا منظمة التربية والثقافة والعلوم في تونس بتقديمه في اجتماع محدود للخبراء العرب، انعقد في أبوظبي ليكون هو وبحوث أخرى أساساً "لرؤية عربية إسلامية لحوار الحضارات". وتظهر أهمية المنهج المقترح والمعايير الموضوعية لاختيار موضوعات الحوار في كل مرة يحدث فيها لقاء عربي- غربي، وتثار فيه موضوعات وثيقة الصلة بالخطابات المتصارعة للهوية، والتي تستلزم حوار ثقافات يتسم بالشفافية والانفتاح الفكري والكفاءة المعرفية في نفس الوقت.

وقد ظهرت أهمية كل هذه الأمور في اللقاء الذي نظمه منتدى حوار الحضارات بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، والذي دعا رئيس وزراء هولندا السابق لإلقاء محاضرة، ودعيت إلى نفس اللقاء لإلقاء محاضرة تعبر عن وجهة النظر العربية في حوار الثقافات. وقد عقبت على محاضرة رئيس الوزراء الهولندي السابق ليس تهميشاً على أفكاره، ولكن من خلال تقديم وجهة نظر بديلة متكاملة، وفي إطارها تعرضت بالنقد لبعض أفكار المحاضر الهولندي. ولكي أقرب الموضوع للمستمعين تخيلت أن هناك حوار ثقافات تخيلياً بين فريق من المثقفين العرب وفريق من المثقفين الغربيين.

وقلت إن دور المثقف العربي في الحوار ينبغي أن يركز أولاً على النقد الذاتي العربي، حتى يعطي لنفسه الشرعية في تفكيك خطاب الآخر. وفي هذا المجال لا بأس أن يبدأ المثقف العربي بنقد نقص الديمقراطية في البلاد العربية والتي تسببت في أزمة المشاركة السياسية، وخصوصاً بالنسبة لعشرات الآلاف من الشباب العربي مما سبب حالة من الاغتراب الجماعي أدت من بين أسباب أخرى- إلى شيوع فكر جماعات إسلامية متطرفة، كانت هي الملهم لجماعات إرهابية مرفوضة. وأهم من ذلك كله عدم قدرة المؤسسات الدينية التقليدية عن إنتاج خطاب ديني وسطي ومتنور يقبل الآخر وينفتح على العالم.

وأخيراً هناك افتقار لسياسات ثقافية متكاملة لا تقوم على أساس التعميمات الجارفة عن الآخر، وإنما تتقن رسم الخرائط المعرفية عن المجتمعات غير العربية، لتقرير الحقيقة التي مؤداها أننا نعيش في ظل عالم متعدد، يقوم على التنوع الخلاق. النقد الذاتي من وجهة نظرنا هو المقدمة الضرورية التي تسمح للمثقف العربي بأن يقوم بعملية تفكيك لخطاب الآخر الغربي.

فلنتابع في مرة قادمة كيف يمكن تفكيك خطاب الآخر، وما هي الموضوعات التي تستحق أن تكون موضع تحليل نقدي في الثقافة الغربية المعاصرة. وفي مقدمة هذه الموضوعات ازدواجية المعايير في مجال رصد مخالفات حقوق الإنسان، وإعادة إنتاج المركزية الغربية، وبروز العنصرية الجديدة، وانتشار اتجاهات كراهية الأجانب، وأخيراً وقد يكون أولاً الادعاء بأن حرية التعبير مطلقة في المجتمعات الغربية، بحيث تسمح بالإساءة إلى الأديان والثقافات الأخرى. وسنرى كيف أن هذا الزعم وهم باطل، وخصوصاً في ظل الخوف الثقافي الغربي المرَضي من الابتزاز الصهيوني.