دعاء على حافة اليأس

كلوفيس مقصود النهار

اعترف بأن لدي رغبة في تحليل ما يجري وما يمكن ان يحصل في العراق بعد مقتل ابو مصعب الزرقاوي. ورغم ان رحيله لن يعني انهاء الالتباس بين شبكات الارهاب واصالة المقاومة فان ما حصل في هذا الصدد ينطوي على احتمالات مطلوبة قد تجد لنفسها طريقا. بمعنى آخر ان محاولات الاحتلال وصف كل العمليات بـ"التمرد" كان المقصود منها ان يتلقف الرأي العام الاميركي اكذوبة حصر المقاومة بالعمليات الارهابية المدانة اخلاقيا وقانونيا والتي ارادت سلطات الاحتلال من خلالها تقليص اهمية الجرائم والتجاوزات التي حصلت في سجن ابو غريب والحديثة وغيرهما.
كما ان فقدان احد قياديي "القاعدة" من شأنه ان يباشر في وضع حد قاطع ينهي هذا العيب العبثي الذي ادخلته "القاعدة" في التفريق بين السنّة والشيعة وما انتجته من اعتداءات وتهديدات وتجاوزات فاقعة لأبسط قواعد السلوك المدني.
وكنت اتمنى تحليل قدرة الحكومة العراقية المكتملة بعناصرها الامنية على توفير درجة من الطمأنينة للمواطنين الذين بدورهم يوجدون تنسيقا بين معارضي الاحتلال ومقاوميه، مما يعجل عملية الانسحاب وخصوصا ان الرأي العام الاميركي بأكثرية مطردة، يتجاوب مع كل توجه لخروج القوات الاميركية من هذه الحرب المكلفة والمفتقرة الى الشرعية.
صحيح ان ما نتوقعه هو جزئيا قراءة موضوعية ممزوجة بما نتمناه، وخصوصا بعدما سحبت الجامعة العربية مشروعها لعقد مؤتمر مصالحة، وهذا لا بد ان يساهم في تهميش دورها، رغم الانطباع السائد انه مهمّش اصلا.
ثم ان الادارة الاميركية ادركت ان نشوة الظفر التي رافقت اعتقال صدام حسين كانت تجاوزا للواقع مما ساهم، بعد الفوضى التي لا تزال قائمة، في انخفاض شعبيتها ودل على ان المبالغة في الترحيب بمقتل الزرقاوي لن تكون خشبة خلاص من تعثرها وانزلاقها في هذه الحرب اللاشرعية، بل وعت هذه الادارة نتيجة التغييرات في البيت الابيض ان عليها ان تكون دقيقة وان تكف عن اعلان ما تتمناه كأنه حاصل.
صحيح اني كنت انوي حصر الموضوع بالشأن العراقي، الا اني احسست بوخز الضمير اذا لم اتطرق الى الجرائم الفاقعة التي ارتكبتها اسرائيل في اليومين الاخيرين. وكان منظر الطفلة التي تصرخ وتنتحب لتجد والدها مقتولا بعدما وعدها بان يصطحبها في نزهة على الشاطىء، يخترق جدار الصمت العربي الذي وفر فرصة للصمت عند الغرب، والذي مكّن الناطق باسم الخارجية الاميركية من ان ينطق كفرا عندما علق على مجزرة غزة فقال إن "لإسرائيل حق الدفاع عن نفسها"، كأن الضمير لا مكان له في ما يتعلق بتصريحات تنطوي على اعفاءات مسبقة لجرائم اسرائيلية مرتقبة!
***
أمام هذا النزف المتواصل لدماء عربية مهدورة ومناظر يشيب لها الشباب، هل كتب علينا الا نشاهد الا مناظر أمهات واولاد فقدوا مع ما فقدوه القدرة على الكلام والتعبير الا بالبكاء ولطم الوجوه والانحناء امام الجثث في العراق وفلسطين؟
***
اذاً، صلِّ معي ايها القارىء العزيز: اللهم امنحني المناعة حتى لا يتحول غضبي على الحالة الراهنة كرها لمسببيها.
اللهم احمني من مغبة تحوّل اشمئزازي من سهولة استباحة حقوقنا، ميلاً متعاظماً الى عدم الاكتراث بالهم، والهموم العربية.
اللهم ابعد عن شعبينا في فلسطين والعراق نفاق المحتلين عندما "يعتذرون" عن مقتل المدنيين، وهم كثر، وحرّر شعوبنا من الخوف الطاغي على حياتها اليومية، ومن التخويف الذي يمارسه بعض الحكام على المحكومين.
اللهم، في هذا السياق ايضا، اجعل لبنان في منأى عن مباغتات الاغتيال، ورسّخ ارث الحرية فيه، ومكّنه من تجاوز "طوائفيته" كي يصبح الحوار فيه مثمرا، وارجع خطابه السياسي الى الاستقامة والوضوح حتى ينعتق من تذاكي التكاذب والاكتفاء بـ"مواثيق الشرف"!
مكنه اللهم من ان يستعيد دوره في ثقافة النهضة ومن استرجاع قدرته الكامنة على التنوير.
اللهم ألهم العرب ان يستعيدوا وفاقهم كي لا يستمروا من دون بوصلة ودون مرجعية، فلا يعودوا عرضة لانجذابات نحو ظلاميات تؤول بنا الى جاهليات دخيلة او الى "حداثات" مبتذلة.
اللهم أعد الينا والى اجيالنا الصاعدة، وخصوصا الى اطفالنا، الامل الذي يكاد يخبو، والابتسامة التي تكاد تغيب.
خفف اللهم عنا الاستماع الى بكاء الاطفال وعويل الامهات والانفعال. خفف عنا مناظر الجنازات الجماعية التي تكاثرت في فلسطين والعراق والتي جعلت طموحات العرب تقتصر على مجرد البقاء، في حين ان ارادتك تدفعنا الى ان نصرّ على الحياة المثمرة.
***
لعل هذا الدعاء يبقينا في منأى عن القرف!