اين انتم من حقوق الانسان عندما تساهمون في اضطهاد المرأة؟

د. اكرم شلغين

 

                                                                                        


نجحث سابقاً في التهرب من الكلام عن قضايا المرأة في بلادنا، والهروب ليس لانني افاضل في اهمية مسائل دون اخري والا لكان للمراة الاولوية لما تستحقه قضيتها من تفحص ومراجعة، ولا لانني اعتقد ان الكتابة عن المرأة هو شان احق به الاخيرة نفسها، بل لانني كنت، وما زلت، اخشي الافراط في التبسيط في العرض لموضوع بالغ الاهمية كهذا وان يؤدي التركيز في الكلام عن حقوق المرأة ضرورةً، بالشكل الذي يسمح به حجم مقال معد لمناسبة، الي صرف الانتباه، من بين الاغفالات الاخري، عن ابعاد الموضوع السوسيوبوليتيكية والجذور الثقافية له، الا انّ ما تفوّه به امامي من يُفترض ان يكون مدافعاً عن المرأة بحكم عمله يدفعني الي الكلام عما تحاشيت الخوض به سابقاً، ففي جلسة يتحدث فيها مجموعة من السوريين عن الشأن السوري وعما يشبه الغياب التام للجيل الشاب عن ساحة العمل الوطني والضعف الملحوظ في مشاركة المرأة بالعمل السياسي، انبري احد دعاة حقوق الانسان السوريين ليتحفنا بمفاهيمه وملاحظاته حين قال ان المنظمات والاحزاب تفتقر الي العنصر النسائي باستثناء حزب العمل الشيوعي لان اعضاء الحزب المذكور ـ علي حد قول داعية حقوق الانسان هذا ـ بيجتمعوا وبعدين بيختموا بحفلة نيا...ــة.... (اي يعقدون الاجتماعات السياسية ثم يختمونها بحفلة جماع...).
لو تناسينا لبرهة الصدمة في قول يأتي ممن اتي منه وتعاملنا معه من اي باب شئنا، كان ذلك بسعة صدر وتفهم علي اساس اغفر لهم...انهم لا يدرون ما يفعلون (ويقولون) ام من منطلق العكس وهو لا تغفر لهم. انهم يدرون ماذا يقولون وماذا يفعلون، فاننا لن نتناسي ان هناك مشكلة كبيرة ثنائية الاوجه (بخصوص المرأة وبخصوص الجنس) قابعة في تفكير داعية حقوق انساننا وامثاله يجب تبويبها، توصيفها والحديث عنها، فالقول المقتبس اعلاه يحكي، اكثر من اي شيء آخر، عن التركيب الذهني لقائله وكيف ينظر الي المرأة وكيف انه يُضيّق اهداف العمل السياسي ليحصرها ضرورة في الممارسة الجنسية بما يفهمه من وجود المرأة جنباً الي جنباً مع الرجل في ميدان العمل السياسي؛ بل ويتعدي قوله الحدود المعلنة ليصل ضمناً في مدلوله الي حد اتهام من ينخرط في العمل السياسي مع شريحة ما ان دوافعه جنسية. لا شك ان لصاحبنا نظرة متخلفة للمراة حين يراها تعمل وحين يراها تنشط وحين يراها بالمطلق محض مشروع جنسي، واذا ما اردنا توصيف حالته لا بد لنا من ان نركز عموماً علي الشروط التي انتجت مثل هذه الذهنية. اذ لا يوجد لمفاهيم الجنس والجنسوية لدي داعية حقوق انساننا معني او معان متأصلة (
inherent) في داخله لكنه بالتاكيد اكتسبها خلال مراحل بدات مع تنشئته وتثقيفه (enculturation) مروراً بكل شيء آخر الي ان حط علي موقع تختزل فيه المرأة الي مشروع جنسي، ولا يستطاع رؤيتها من خلاله علي انها الشريك المعادل للرجل.
ليس زائداً، ونحن نتفحص ذهنية ومفاهيم داعية حقوق انساننا، ان نتذكر هنا ما اشار اليه، في سياق الدراسة التاريخية الاجتماعية، فريدريك انجلز من خطأ تاريخي للمراة ارتكبته بحق نفسها في الفترة الانتقالية من المجتمع الامومي الي المجتمع الابوي حين ارتضت ان تكون اداة لنقل الملكية من السلف الذكر الي خلفه حيث قبلت بالدور الذي انيط بها، الامر الذي اصبح بداية لسلسلة مفتوحة النهاية من الممارسات الجائرة بحق المرأة. ولا نأتي بالجديد عندما نلاحظ معاً ان المجتمعات البشرية رَكّبت كل شيء عبر التاريخ بشكل يتحيز به ضد المرأة، يهمشها، ويغيبها. وهذا لا يبدأ مع النواميس والمعايير اللغوية التي تركز مفرداتها، بشكل عام، علي الشخص المذكَّر علي انه الموجود، الفاعل، والذي تقاس له، وعليه، المرأة وكافة المخلوقات والاشياء الي الحد الذي يجعل الكثير يرتبك في الاستخدام اللغوي الدقيق في تسمية المرأة جندرياً (من الـ
gender او جنسانياً من الجنس في التصنيف اللغوي) في موقع عملها، فعلي سبيل المثال لا الحصر، لا يدري ان هي عضوة ام عضو في مكان كذا، ولا يبدأ التحيز ضد المرأة مع الديانات التي تشرعن في معظم الاحوال لعلاقة المرأة التبعية بالرجل او علي اساس من انها متاع (في الدنيا ومتاع في الآخرة) لا اكثر او ان وظيفتها تنحصر بشؤون الاسرة، ولا ينتهي بالتركيب الثقافي الاجتماعي الذي يقرن حضور المرأة في محفل عام مع الرجل بنوع من التدخل الخطر في ما يوصف بـ نظام الاشياء (the Order of Things) الذي لا يجوز الاخلال او المساس به. وبالتاكيد يُفهم ذلك ضمن اطر عديدة في طليعتها امتلاك ما يسمي بـ القوة (power) وممارستها من قبل الذكور في المجتمعات.
من البديهي، في ظل ممارسة القوة، ان يكون هناك شبه تزاوج ما بين الخطابات المنتجة برمتها ذكوريا لتركيب قواعد اجتماعية يُشرعَن لها تارة عبر الدين واخري عن طريق تسويد العرف والعادة (
Norm) وثالثة من خلال ضرورة مُنتَجة لتناسب زمان ومكان انتاجها. من هنا، وتطبيقاً للايديولوجيا الذكورية وخطاباتها، تصبح المرأة الغائبة (بالادق المُغيَّبة) عن المحافل العامة هي المعتمدة والتي تمثل صنفها (او جنسها) بخيال وتصور ومفهوم الرجل، واما المرأة الحاضرة (خلافاً لما ينظمه عرف، عادات، تقاليد ودين نظام الاشياء ) فتشكل تحدياً للرجل وما ارسي له من قواعد تخص المرأة والعلاقة معها وما يتوقعه منها. وبالرغم من ان هذا التحدي لا اساس له واقعياً ولا يشكل منافسة جوهرية للرجل او ما الي ذلك، ما عدا ما رُكّب اجتماعياً (socially constructedالا ان الرجل يقابل ما فهمه تحدٍّ بكل ما يستطيع من وسائل عنيفة، بما فيها العنف الجسدي، والتشهير والتشويه: مرة كون المرأة خرجت عن القواعد العامة التي تقتضي تغييبها واخري، لا تقل اهمية عن الاولي، كون عملها يحد من تبعيتها الاقتصادية للرجل (وهو ما لن نبحث به هنا)، فوجود المرأة في العمل والمحافل العامة، من هذا المنظار، كاف لدمغها بكاسرة المألوف او المتحركة بدافع الغرائز وما يشبه ذلك من صفات تشيطن، تشوه وتعهر المرأة الحاضرة. ضمن اطار حضور المرأة وغيابها عن الميدان العام يبقي ان نتذكر ان الافظع في علاقة الرجل بالمرأة هو الوجه الاستغلالي حين يرغب بحضورها ما دامت، حاضراً او مستقبلاً، ستبقي خارج دائرة حياته الخاصة، وهنا لا نري المبرر لذكر الامثلة التي لا تحصي علي هذا الشكل من العلاقة بل نذكر بما تنبهت له الاديبة الفلسطينية سحر خليفة حين وضعت هذه المشكلة، وباكثر من جانب، في دائرة الضوء بسردها البعض من ضيم المرأة الفلسطينية في علاقتها مع الرجل والتي تتشابه الي ابعد الحدود مع هموم معظم نساء منطقتنا ـ وان كان ذلك بتفاوت من حيث الشكل الخارجي لطبيعة المؤرقات ـ وفي اي بلد في المنطقة، ففي مثال لخليفة تتكشف انتهازية الرجل الذي لا يستطيع ان يفكر بعلاقة ارتباط زوجية مع هذه المرأة او تلك بناء علي اسس تتماهي في واهيتها حين تكون الذريعة ان تلك الفتاة عندها ثلاثة مسيلات (اي تعرضت لمسيلات دموع اثناء مشاركتها بمظاهرة لم يعارضها الرجل حينها بل فرح انطلاقاً من انها تبغي مؤازرته ).
من البديهي ان لا تقتصر صيغ مسألة الهيمنة الذكورية في المجتمعات المركبة علي هذا النحو من التباين (
disparity) علي اعادة انتاج الخطاب الذكوري بل تتنوع اشكال وانماط التعاطي في المجتمع الي ما فيه، الشرعنة والتطبيع بحيث تصبح مظالم الذكر ضد الانثي ممارسة اعتيادية لحق طبيعي غير قابل للنقاش، بل واكثر حين لا تري المرأة في الجور المطبق ضدها من قبل الرجل الا حكمة دينية او ضرورة اجتماعية، نري ذلك بأنماط التعامل الاجتماعية السائدة عموماً ونراه في اصغر تفاصيل مظاهر الحياة اليومية، فـنادراً ما نسمع ان تسخير المرأة للاعمال المنزلية يدخل في تصنيف العمل بحد ذاته بل هو واجب طبيعي علي المرأة واقل اهمية من ان يقبل النقاش حتي لدي الكثير من النساء. ونراه اوضح في تبعية المرأة الاقتصادية الاجتماعية للرجل، الوضع الذي يتمظهر بممارسات تبدأ بتخلي المرأة الطوعي عن الكثير من ذاتها لصالح الرجل بدءاً من التخلي عن اسمها عند الزواج لصالح اسمه وكنيته وبنفس الوقت لتصبح عرفاً زوجة فلان، بل واصبح العرف ان المرأة نفسها تقبل هذا النموذج من التبعية وتعتبره اعلاء اجتماعيا من شأنها حين تكني بزوجها، مروراً بقبولها ان دورها الاجتماعي يتلخص في بقائها في البيت للاهتمام بالشؤون المنزلية والأسروية، والغريب اكثر ان البعض يري بهذا الدور المغيِّب للمراة تحرراً لها!
نعود لصاحبنا داعية حقوق الانسان السوري لنوضح انه اكتسب التحيز ضد، الاستعلاء علي، والشكوك في المرأة مع كل ما تشربه من كراهية ونظرة دونية في حياته منذ صغره وحتي اللحظة التي نضح فيها بما يحتويه اي عندما وازي بالضرورة وجود المرأة في حزب سياسي بطقوس جماع جنسي، تشربه عندما تعلم دينياً ان كلمته اعلي من كلمتها، وان حقه في الميراث والتملك يساوي حق امراتين، وعندما تعلم ان النساء يشغرن من الوفاء حين قرأ: يكسرن قلبك ثم لا يجبرنه وقلوبهن من الوفاء خلاء ، تعلمه مع ما تعلمه من الامثال و الحكم و الاقوال المأثورة التي طالما افتخر الذكور وطُربوا بترديدها، وتطويرها، مثل كل النساء عاهرات الا امي.. ويتابعون ومع ذلك فهي امراة ! تعلمها مع اول ما فعله عندما فتح عينيه في الصباح وادار المذياع ليستمع لبرنامج صباحي احبه وبدأ يومه به مثل الغالبية عندما سمع مرحباً يا صباح حيث دس بين اغاني فيروز (التي نحبها ونقدرها حقاً ولا تعليق لنا عليها) بـ النصح والحكم حين سمع صوت مقدمة البرنامج تقول: يتطلع المرء لفم المرأة للابتسامة التي يرسمها ويتطلع لفم الرجل للكلمة التي يقولها ومن ثم تتبعها بالقول المرأة التي ليس لها اسنان جميلة تستطيع ان تضحك بعينيها ، وتعلم ان المرأة هي مادة تجريب وتفريغ شحنات عواطف الرجل، وحتي عندما اراد ان يتغني بالمرأة وبحبها فقد تعلم من شعرائنا الكبار ـ والذين احبوا وجربوا من النساء عشرين الف ـ ان يري في المرأة فقط فما ، عينين ، وجنتين ، نهدين و..و.. من اختزال وسمات (
blazon) لا تخرج من دائرة الوصف الجسدي.
واذ نحاول فهم داعية حقوق انساننا علي هذا النحو من تجسيد لمجمل الشروط التي انتجته يبقي لزاماً علينا ان نتساءل فيما اذا كان يتوجب ان نأخذه بالرعاية ونقول انه يستحق الشفقة لانه ضحية بحد ذاته ولا يعرف افضل من ذلك ام ان الصواب ان نواجهه، وبالاخص كمن يزعم الدفاع عن حقوق الانسان، بالشرخ الكبير والتناقض الحاد بين ما يدّعيه قولاً من دور اجتماعي حقوقي وبين ما يجسده واقعاً اتهامه ـ عن وجود العنصر النسائي في حزب العمل الشيوعي ـ من ضرر اجتماعي سياسي! واذ استعرض ما عرفته من غيره، والذين يتبجحون بدور هم متنافرون معه في الصميم، فانني اميل الي الاعتقاد انه يعي ماذا يقول وماذا يفعل، ويذكرني هذا بعيّنات اخري من متعلمي بلادي في تعاملهم بهذا المضمار، واورد واحدة منها هنا. في النصف الاول من التسعينات زارني في بريطانيا احد السوريين الذين تصادف وجوده هناك بنفس الفترة التي كنت بها هناك، بعد قليل من وصوله الي سكني اخرج كاميرا تصوير وبدأ بالتقاط الصور لجاراتي في السكن في نفس المنزل وسط استهجانهن لسلوكه خاصة حيث كان يبرر ذلك بانه يريد ان يحكي في سورية ليقول انظروا الي المرأة في العالم..كيف تعيش... الخ وبعدها بدأ يحدثني عن همومه الكثيرة في سورية حيث هناك اضطهاد حقيقي في التعامل مع المرأة ويريد التصدي للمشكلة من خلال عمله في التعليم الجامعي حيث سيروج لموضوع النسوية (
Feminism) ليعلم الطلاب والطالبات في الجامعة بسورية عن المرأة وحقوق المرأة ونصرة المرأة، واطنب في الحديث عن المرأة حتي ظننت انه قاب قوسين او ادني من ذرف الدموع بسبب كثرة المظالم الواقعة علي المرأة في بلادنا بعد ان تفتقت جراحه لدي رؤيته المرأة في اوروبا. بعد بضع سنوات من ذلك، والمشهد هذه المرة ليس في اوروبا بل في سورية وفي الجامعة باللاذقية وفي مكتبه، يتناول ذات نصير المرأة سماعة الهاتف ويتكلم مع شخص سمعته يخاطبه بـ سيادة المقدم نزيه... فيطلب منه اربعة عناصر جدعان... يحتاجهم في المساء ليقوم معهم بجولة داخل الجامعة من اجل تربية هالــ كام طالب حقير ومن يقفن معهم في العتمة من البنات الفلتانات !! كدت ان لا اصدق ما رايته وسمعته! فلم اكن اتوقع ان كلامه لي في بريطانيا عن تحرر المرأة يعني في سورية ان تبتعد الطالبة الجامعية عن الوقوف مع زميلها الطالب تحت طائلة المسؤولية والشرشحة من قبل العناصر الجدعان يراسهم نصير المرأة الاكاديمي، ولم اعد اعرف فيما اذا كان صاحبنا ذا نوايا طيبة في بريطانيا ولسبب ما لا يستطيع المضي قدماً في الجهر بها في سورية! ام انه، في الواقع، يريد التغيير نحو الاسوأ في سورية! لكن، وفي كل الاحوال، لا اسرح بتفكيري الي الحد الذي اخال به ان سلوكه ليس مقصوداً ومدروساً، فكيف تُفهم المناداة بحقوق المرأة السورية في جلسة غير رسمية وضيقة في بريطانيا ونقمع المرأة عندما نكون في ساحتنا ونحن في موقع القرار!؟ كيف يمكن تفسير سلوك من يدعي المواقع الطليعية بخصوص قضايا المرأة في السر واما في العلن فتقوده دوافع يمقتها الجميع الا من يفتتي بآراء اصولية وباعراف بالية!؟ وسحباً علي ذلك نسأل من يدعي العمل من اجل حقوق الانسان في سورية عما اذا كانت الحقوق تشمل المرأة ايضاً لديه!
تكثر الاسئلة حول هذا الموضوع، وتكثر معها الحاجة لتذكير المرأة بابراز صوتها وعدم الاستسلام لصوت الظلم وثقافة الاضطهاد، وان عليها ان تقول انها تعشق الحرية وتكره الظلم، وتستنير بالحرية ولا تريد ان تستظلم بمفاهيم بائدة ولا بقلب قبيسية لونه اعتم من لون ثوبها، وكذلك لتذكير العلمانيين بشكل عام في سورية بأن صوتهم سيختفي ما داموا غير جادين في اسماعه والدفاع عنه.
ہ كاتب من سورية