لشرق الأوسط وثنائية الاستبداد والتطرف

د. طيب تيزيني

 

ثمة قوتان اثنتان فاعلتان في الشرق الأوسط، هذا ما يراه باحثون غربيون ينطلقون من أن هذه المنطقة الجيوسياسية المهمة والخطيرة انتهت- في تاريخها الحديث على الأقل منذ نهايات الحرب العالمية الثانية- إلى تشكُّل نُظما سياسية تسلطية استبدادية من طرف، وتيارات إسلامية أصولية جهادية وتكفيرية من طرف آخر. ومن هؤلاء "ناتان شارانسكي"، الذي أنجز كتاباً يحمل عنوان (الدفاع عن الديمقراطية). أما الفكرة التي يضيفها الكاتب المذكور إلى الأطروحات المذكورة فتقوم على أن "الدولة اليهودية" في المنطقة المذكورة، تمثل تحدياً جدّياً وحاداً لتلك النظم الاستبدادية. ومع الإشارة إلى أن القوتين المعنيتين تسجلان- في وجودهما- تاريخاً أقدم من وجود ظاهرة العولمة الراهنة، إلا أنهما تدللان على علاقة وظيفية بينهما وبين هذه الظاهرة. ولعلنا نرى، إلى ذلك، أن القوّتين المذكورتين (أي الأصولية الإسلامية والنظم التسلطية في المنطقة)، ليستا بعيدتين عن التأثر بنشأة الدولة اليهودية وباستمرارهما، بقدر ما ظهر تأثير تينك الأخيرتين في استمرار الدولة إيّاها!
تلك كانت أطروحة مركبة نلاحظ تعددية في الأطراف التي تصوغها، داخلاً وخارجاً. والمهم من الناحية المنهجية التاريخية والسياسية في ذلك نراه في شبكة علاقات التأثير والتأثر بين هذه الأطراف. فمن ناحية أولى، نجد أن بواكير المشاريع الوطنية الإصلاحية في البلدان التي حققت استقلالاتها حديثاً، تواجه تحديات جديدة من موقع الانقلابات العسكرية، التي اندلعت فيها، إضافة إلى التدخلات الاقتصادية والسياسية في بعض شؤونها مِنْ قِبل دول غربية استعمارية (خصوصاً بريطانيا). وكان المشروع الصهيوني وجهاً من أوجه التحديات المذكورة، بحيث إن الإخفاق في مواجهته وجد مباشرة منعكسات سلبية متصاعدة في العالم العربي: لقد ظهر وضع مثير قام على أن إنجاز مهمات الاستقلال في البلدان العربية أصبح -شيئاً فشيئاً- مشروطاً بمواجهة المشروع المذكور، الذي شكّل منذ ذلك الحين فصاعداً خط استفزازٍ وتحدياً نارياً لها، ومن ضمنها نظمها السياسية المحدّدة آنفاً بكونها تسلّطية استبدادية.
في تلك الوضعية العربية المركبة والمعقّدة، راح يتضح أن مواجهة المشروع المعنِي، تستوجب وجود حراك سياسي ضمن عملية متقدمة من التنمية الاقتصادية ومن التأسيس الاستراتيجي العسكري، وهذا كان يتجه نحو الإخفاق في ظل نُظم سياسية عاجزة، ومشغولة في التأسيس الاستراتيجي لتحوّلها إلى نُظم بوليسية، ثم إلى "دول أمنية" سترفع شعارها الحاسم لاحقاً، وهو: أن يُفسَد من لم يُفسد بعدُ، بحيث يتحول الجميع إلى مُفسَدين مُدانين تحت الطلب. ويتضح في هذا السياق واقع يتعاظم عمقاً وسطحاً ويتمثل في أن نظماً استبدادية فاسدة هي-في أساسها البنيوي- دون مستوى مواجهة المشروع الصهيوني، ودون مستوى الإجابة عن المعضلات المطروحة في بلدانها، ومن ثم دون تحقيق ما طرحوه في الإعلام العربي نفاقاً وتحت عنوان: "التوازن الاستراتيجي مع إسرائيل".
وعلى هذا، استمرت إسرائيل وحققت انتصاراً مُهيناً للعرب عام 1967، باستمرار تلك النظم العربية، التي أعلنت بمناسبة ذلك "الانتصار" أنها معنية باستمرارها بصيغ "تقدمية وحدوية اشتراكية". واكتشف الفريقان حدود اللعبة: البقاء والاستمرار والمساومة. في هذا وذاك، كانت القوى الحية في الشعوب العربية تجد نفسها وقد أخذ الإحباط والخوف والرعب يجتاحها، ليُفضي ذلك- في عمومه- إلى إنتاج أنماط من الهجرة في أوساط هذه الشعوب.
لقد أُسقطت الرهانات على أي فعل عربي وقطري، خصوصاً حين اكتملت الدراما بتدمير الأسس الأولى للتضامن العربي. وراحت القوى الأصولية الدينية تقدم نفسها بوصفها "رهان الخلاص" من خلال مشاريع تُشعل النار في المجتمعات العربية، وتتجه نحو "الغرب- هكذا على عواهنه"، الذي اعتُبر الحامي القوي للنظم المذكورة لكن اللعبة بدأت تُحاك من موقع هذا الأخير باتجاه اختراق الأصولية المذكورة، وذلك على النحو التالي: القوى الغربية المعنية تُسعِّر تلك الأخيرة في الداخل، وتطلب ودّها في الخارج. وهذا، بدوره، قدم ورقة جديدة لسَدنة النُظم إياها، التي راحت تخربط الرؤية العلمية لتلك الأصولية. كيف؟ بالنظر إلى هذه الأخيرة على أنها صنيعة "الاستعمار" -وهي في الحقيقة صنيعة الداخل العربي الإسلامي الفاسِد والمُفسَد برعاية تلك النظم- وجاءت الكلمة الفصيحة من هذه النظم في خطابها لمواطنيها: العدوّ أمامكم (وهو هنا القوى الشعبية الحية القادرة على اجتراح مشاريع نهضوية)، والبحر وراءكم (وهو هنا القوى الأصولية الظلامية)! وجاء، أخيراً، النظام العولمي، ليحافظ على هذه التركة الثمينة، مع إعادة بنائها بمقتضى استحقاقاته الجديدة: تحويل القوى الأصولية الظلامية إلى "حصان طروادة" ضد النظم العربية، ومن أجل تثبيتها واستمرارها، معتبراً أن دائرة التاريخ العربي قد وجدت نهايتها!