تحت ظلال العار..!

ياسين الحاج صالح

 

في حزيران 1967 فقدنا، قبل كل شيء، الشرف. ومنذ ذلك الوقت يجللنا، أمة وشعوباً، العار؛ عار عميق ينتزع لنفسه، فوق ذلك، التشريف والاحترام غصبا.  لم نفقد شرفنا بسبب الهزيمة العسكرية وحدها ولا حتى بسبب أدائنا العسكري والسياسي المخزي، بل لامتناعنا عن الاعتراف بالهزيمة المذلة، ورفضنا التكفير عنها. وما من تكفير دون إعادة النظر، بل دون التضحية، بالنظم التي سقطت في امتحان حرب حزيران. بدلا من إعادة النظر تولى العار الحكم.
رفضت السياسة الاعتراف بالهزيمة وأن تحاسب على ما جنته يداها. لم ينتحر أحد، ولم يستقل أحد، ولم يحاكم أحد. عامر انتحر بسبب خسارته أمام ناصر أكثر مما بسبب مسؤوليته عن الخسارة أمام إسرائيل. واستقال ناصر لوقت قصير لكنه لم يشعر بالحاجة إلى إقالة نظامه أو إدخال تغييرات جذرية عليه. كان من شأن الاستقالة أو الانتحار أن يغسلا شيئاً من عار الهزيمة، وأن يؤسسا لأخلاقية المسؤولية والمحاسبة، التي تعرضت منذ ذلك الوقت لتحطيم منهجي مثابر.
ما كان لمثل كارثة حزيران 67 أن تمر بلا عقاب أو تضحية. مرت. ولا تزال. وما زلنا نتوارث انعدام الشرف جيلا إثر جيل.
في سوريا أنكرت الهزيمة بكل بساطة: كان هدف العدوان هو إسقاط النظام التقدمي، و<ليس احتلال بضعة كيلومترات> على قول أحمد سويداني، رئيس أركان الجيش وقتها. ما يعني أن احتلال الأرض ونزوح أكثر من 130 ألف منها ذو قيمة نسبية، فيما يحوز بقاء النظام قيمة مطلقة، ما يعني كذلك أن العدو هو الذي هزم، وهو ما لم يتردد سويداني نفسه في استنتاجه: <يجب أن نعتبر أنفسنا الرابحين في هذه المعركة>. لا حاجة لفعل أي شيء إذاً. اللهم إلا بناء المزيد من الاسوار وحقول الألغام حول نظام الرابحين.
لو انتحر بضعة أشخاص، لاستعادوا شرفهم هم وارتفعوا إلى مرتبة أبطال مأساويين، ولأُنقِذ عشرات الألوف ممن دفعوا وسيدفعون حياتهم في صراعات وحشية وعبثية في الوقت نفسه في زمن العار، ولتوفرت كرامة أمة (لأسهموا في تكوين أمة أصلا).
لم تكن أخلاقيات المسؤولية قبل الهزيمة بخير، لكن بعد الهزيمة صارت اللامسؤولية قاعدة للسلوك العام. ينبغي تمريغ الجميع بالعار كي لا يشعر العار بالعار. لقد اقتضت هزيمة حزيران إحلال أهل ثقة المرء محل الدستور كأساس للثقة الوطنية، والعبقرية والاستثناء محل القاعدة المطردة والقانون المستقر كأساس للشرعية.
ما امتنعت السياسة عن فعله، لم تفعل الثقافة غيره. ثقافتنا منذ قرابة 40 عاما اعتراف وسواسي ونشط بالهزيمة. في الثقافة عيشت هزيمة حزيران كحدث متجدد دوماً، معاصر لنا في كل وقت. بذلك لم تعد الهزيمة حدثاً تاريخياً بل شرطاً ثقافياً. قد يناسب أن نسميه التسمم بالهزيمة. فالهزيمة التي أنكرت على مستوى السلطة ستضفى عليها صفة الإطلاق على مستوى الثقافة، ستغدو هي ذاتها ثقافة. كان المثقفون، وما برحوا، يدفعون ثمن الكوارث التي تتسبب بها سيادة العار. ولعل ياسين الحافظ، الذي أسهم أكثر من غيره في إنقاذ شيء من كرامتنا الفكرية والقومية، قد مرض بهزيمة حزيران، ثم مات بها وهو في الثامنة والأربعين.
لن نستعيد شرفنا دون الإقرار أولاً بأننا فاقدون له منذ 39 عاما، دون نزع تمأسسه وقطع استمراره ثانيا. وإننا لنستدرج أنفسنا إلى الوهم إن ظننا أن هذا ممكن دون صراع عنيف، هائل، دون مأساة فاجعة.
أما الرد على الإذلال الإسرائيلي، ثالثاً، فسبله كثيرة، وهو الأيسر حقا. وفي الأصل لم ينشأ عارنا عن انتصار إسرائيل علينا، بل عن انتصار الهزيمة علينا، وسيادتها على حياتنا.
(?) كاتب سوري