المعرفة السورية والنطاسي الغربي: ضحالة علي ضحالة!

صبحي حديدي  القدس العربي

 

ابتُلينا، نحن العرب، بطراز من الكتاب والمعلقين الغربيين الذين ينقلبون، أو نقلبهم نحن عن طريق بعض عباقرتنا أبناء جلدتنا، إلي نطاسيين خبراء لا يُشق لهم غبار في تشخيص أمراضنا السياسية والإجتماعية والثقافية والنفسية، وذلك بالرغم من اعتمادهم شبه الكلي علي معرفة بائسة جاهزة سطحية قائمة علي الكليشيهات، وعلي هذه وحدها حصراً أحياناً. وشر البلية أن بعض هؤلاء يصفي حساباته المحلية، العقائدية غالباً، علي حساب ما هو جوهري وحاسم وغير قابل للمساومة في قضايا شعوبنا، كما حين يرتأي يساري بريطاني أو أمريكي أو فرنسي أن العاجل هو مناهضة الولايات المتحدة، وأن انتقاد النظام السوري في هذه الأيام (حتي في ما يخص ملفات جلية لا تقبل الإلتباس، مثل انتهاك حقوق الإنسان واعتقال المثقفين لمجرد أنهم وقعوا بياناً سياسياً) ليس ملائماً من جانب، ويصب المياه في طواحين البيت الأبيض من جانب ثانٍ!
وجه آخر للبلية أن يتنطح معلق غربي لهذه الملفات تحديداً، فيكتب عنها تخصيصاً، لكنه يحشد فيها من الأغلاط والمغالطات ما يُخجل ويُضحك في آن، ويتكئ في التوصل إلي خلاصاتها علي مصادر معلومات و خبراء ونطاسيين محليين لا تقل معرفتهم بؤساً، وأحياناً: خبثاً وضلالة وتضليلاً، عن المعرفة البائسة الأم التي منها يغرف صاحبنا المعلق الغربي. هذه حال سايمون تيسدول، المعلق الشهير ورئيس التحرير المساعد في صحيفة الـ غارديان البريطانية، الذي كتب قبل يومين تعليقاً حول الأوضاع السورية بعنوان التطهير الصامت في سورية ، استقي بعض أهم معطياته من ريم علاف: الزميلة في شاتام هاوس ، المعهد الملكي للشؤون الدولية (وهذه نفهمها، من باب الإختصاص)، ولكن التي يحدث أيضاً أنها عضو في ما يُسمي الجمعية البريطانية ـ السورية ، حيث الرئيس المشارك هو الدكتور فواز الأخرس، والد السيدة أسماء الأخرس، عقيلة بشار الأسد (وهذه ينبغي أن يصعب فهمها... خصوصاً في الأخلاقيات الأنغلو ـ ساكسونية التي يتمسح بها تيسدول).
ونسارع إلي القول، خشية إساءة الفهم التي تقترن عادة باعتراض من هذا النوع، إن من حق تيسدول التشاور حول موضوعاته مع مَن يشاء من الخبراء والنطاسيين، شريطة أن لا يقتصر التشاور علي مصدر متعاطف مع السلطة، منتسب إلي مؤسسات شبه سلطوية، إذا لم يكن ممالئاً للسلطة صراحة وعلانية. في عبارة أخري، غني عن القول إن الواجب كان يقتضي قيام تيسدول بالتشاور مع شخصية سورية معارضة في دمشق، مستعدة لطرح رأي أكثر عمقاً، وأفضل تمثيلاً بالمعني السياسي؛ أو مع مثقف سوري معارض مقيم بدوره في دمشق (وهم اليوم، لحسن الحظ ومدعاة اعتزازنا، كُثُرٌ وعلي دراية وكفاءة ومقدرة وشجاعة)؛ أو الوقوف علي رأي مثقف سوري يتحلي بالسمات ذاتها ولكنه يقيم في بريطانيا موطن الـ غارديان ، من طراز الباحثة والإعلامية المتمرسة رنا قباني مثلاً؛ أو، أخيراً وفي أضعف الإيمان، الرجوع إلي كتاب موثوق أو كاتب بريطاني ضليع في الشؤون السورية المعاصـــرة، مثل ألن جورج وعمله المتميز جداً سورية: لا خبز ولا حرية ...
هل غابت اعتبارات أساسية كهذه، مهنية وأخلاقية في الجوهر، عن ذهن تيسدول حين اكتفي بما أمدته به علاف وحدها؟ الأرجح أنه كان يعرف هذه الحاجة، وكان يدرك ضرورتها قبل دلالتها، لكنه لم يفعل لأن أي طراز آخر من المعرفة المعارضة قد يضع في فمه (حتي بلسان الآخرين!) كلاماً يتعارض مع مزاجه، ومع فلسفة يسار الوسط عموماً، في تفادي مناهضة ما تناهضه الولايات المتحدة، علي حق أو علي باطل! لكنه، في هذه علي وجه الدقة، يتناسي أن نظام بشار الأسد ـ مثل نظام أبيه في الواقع ـ لم يكن في أي يوم خصماً للولايات المتحدة. كما أن البيت الأبيض لم يناهض هذا النظام علي أي نحو جدي، في أي يوم، ليس أثناء اشتداد الطبيعة الفاشية للنظام (سنوات المجازر والمذابح الجماعية في الداخل السوري) فحسب، بل حتي حين لاح أن الأسد الأب يناوش أمريكا عن طريق الفئات اللبنانية المنخرطة في خدمته (كما في تفجير السفارة الأمريكية، ثم مقر المارينز، في بيروت سنة 1983).
كذلك يتناسي تيسدول أن التطهير الصامت الذي يتحدث عنه لم يكن تطهيراً علي أي نحو يفيد المفردة (المستمدة من تراث حملات التطهير الستالينية، غالباً!)، ولم يكن صامتاً علي الإطلاق، وأياً كان المعني المقصود بالصمت هنا. النظام، ببساطة، شن حملة اعتقالات منظمة منهجية، كانت فيها أسماء المعتقلين منتقاة منتخبة لأغراض شتي مدروسة، وكان العدد مرشحاً للتزايد لولا أن السلطة عدلت ـ حتي إشعار آخر، كما ينبغي التحذير ـ بسبب ردود الأفعال الخارجية من جانب أول، ولأن الإعتقالات الأولي لم تسفر عن النتيجة التي كانت السلطة ترجوها في إجبار المعتقلين علي تقديم تنازلات علنية، أولها سحب التواقيع علي إعلان دمشق ـ بيروت، بيروت ـ دمشق، أو التنكر له، أو التنصل منه.
كذلك لم تكن الحملة صامتة، بل علي العكس تماماً: أرادتها السلطة صاخبة، مدوية، رسمية أو شبه رسمية. في الدليل الأول ما تناقلته افتتاحيات الصحف السورية الرسمية من شتائم ضد المثقفين السوريين الموقعين علي البيان، في توقيت دقيق مطابق (لا يفاجئنا شخصياً، البتة!) لانطلاق حملات الإعتقال، حتي كأن اللواء علي مملوك، رئيس جهاز المخابرات العامة الذي ينفذ الإعتقالات، أعطي أمر البدء بحملتين في آن معاً: الأولي للرفاق منفذي الإعتقالات من عناصر الجهاز، والثانية للرفاق كتاب الإفتتاحيات... أبناء الجهاز أيضاً! وكيف لا يذهب المرء إلي يقين مثل هذا إذا كانت الإفتتاحيات لا تتشابه مع بعضها البعض في اللفظ والصياغة والمفردات والروحية فحسب، بل تعيد إنتاج ذات الأسئلة وذات الاتهامات التي وجهها المحقق الأمني؟
الدليل الثاني علي الصخب والعلانية ذلك الموقف الفاضح الذي اتخذه الحزب السوري القومي الإجتماعي (الذي انضم، قبل نحو عام، إلي جبهة النظام)، في تحريض السلطات السورية علي شن المزيد من الإعتقالات في صفوف المثقفين السوريين الخانعين و القردة و المطبلين و غربان الشؤم . إليكم عينة واحدة فقط من ذلك البيان الصفيق الذي أصدره ما يُسمي المكتب السياسي للحزب السوري القومي الإجتماعي في الشام : لا نملك إلا أن نسجل للسلطات السورية حقها بل واجبها في أن تتحرك أجهزتها القضائية أمام التزامن المريب للبيان مع القرار 1680 المنتهك لسيادة شعبنا في شؤونه وأمام عزف حيثيات البيان علي الأنغام نفسها، أنغام الدوائر الأمريكو- صهيونية وحلفائها المتربصة بدمشق، وبسياسات دمشق، تزرع الدنيا بالتشويه والأضاليل، امعاناً في تخريب المسار والمصير ...!
وأما الدليل الثالث فهو هذا السيناريو الميلو ـ درامي الذي تتناقله سورية منذ يوم أمس، من أن عريضة أخري مضادة يجري تداولها وأخذ تواقيع المثقفين السوريين عليها (وقد يأتي الدور قريباً علي المثقفين اللبنانيين، من طينة ناصر قنديل!)، تدين إعلان دمشق ـ بيروت/ بيروت ـ دمشق، وتدين الموقعين عليه، وتشدد علي أن ما ورد في الإعلان عن وجود القوات السورية في لبنان يتجاهل في صورة مؤسفة تفتقر الي الموضوعية دور القوات السورية في وقف الحرب الأهلية اللبنانية واستعادة الأمن والنظام وسلطة الدولة ودورها في احتضان المقاومة الوطنية اللبنانية وصولا الي إنجاز التحرير .
الأطرف، أو الأخطر ربما، أن البيان يربط ـ صراحة، وليس مواربة أو تأتأة ـ بين الإعلان والقرار الدولي 1680، بما يوحي وكأن المثقفين السوريين واللبنانيين العصاة هم الذين ألهموا مجلس الأمن الدولي، أو لعلهم أداروا المشاورات السرية بين الدول دائمة العضوية! وأما عنصر الدراما، أو الميلو ـ دراما غالباً، فهو هذا النص التالي: إن الموقعين علي هذا البيان، إذ يؤكدون ثقتهم في عدالة قضية أمتهم وصلابة موقف بلادهم، ومن منطق شعورهم بمسؤوليتهم الوطنية والقومية، يناشدون السيد الرئيس بشار الأسد أن يتكرم بإصدار أوامره بالإفراج عن المعتقلين الموقوفين علي خلفية إعلان دمشق ـ بيروت، وأن يأخذهم في عين الرعاية والعفو كونه يمثل القوة الأخلاقية لجميع أبناء الوطن !
وفي حين أن المرء قد لا يجد نفسه مكترثاً حتي بتوجيه الملامة إلي مهندسي هذا البيان الفكاهي، فإن الملامة الشديدة، بل أكثر منها: أقسي التوبيخ، ينبغي أن تكون من نصيب سايمون تيسدول حين ينزلق إلي أغلاط شنيعة تاريخياً ومغالطات فادحة سياسياً. بين هذه، مثلاً، قول تيسدول إن جبهة الخلاص الوطني ، المؤلفة أساساً من الإخوان المسلمين ونائب الرئيس السوري السابق عبد الحليم خدام، هي في الكمون وعلي المدي البعيد أكثر إشكالية لنظام بشار الأسد من تقرير الأمم المتحدة حول اغتيال رفيق الحريري، الذي من المتوقع أن يصدر منتصف هذا الشهر. أو مصادقته علي حكمة ريم علاف، من أن هذه الجبهة هي أول معارضة منظمة وذات مغزي ضد النظام، منذ أربعة عقود !
هذا، بالطبع، جهل فاضح بطبيعة موقف الشارع السوري من رجل مثل خدام، ظل طيلة عقود أحد أكبر تجسيدات الفساد والإستبداد في سلطة حافظ الأسد ومن بعده وريثه بشار الأسد. وهو، في الآن ذاته، جهل فاضح بطبيعة هوامش الحركة السياسية والعقائدية التي تملكها جماعة الإخوان المسلمين في الشارع السوري، خلال العقود الأخيرة ومنذ اندلاع مواجهات العنف بينها وبين السلطة منذ أواخر السبعينيات عموماً، وأيضاً في المراحل الراهنة حين يبدو وكأن لقاء الإخوان ـ خدام لا يمثل فريقاً معارضاً عريض الأطياف والشرائح بقدر تمثيله لفريق متمفصل مذهبياً وعاجز أكثر فأكثر عن استقطاب فئات أخري من أبناء المجتمع السوري (كما فعل إعلان دمشق مثلاً).
ومما يدعو إلي السخرية أن يري تيسدول في مؤتمر جبهة الخلاص الأول في لندن هذه الأيام (هو الثاني للجبهة في الواقع، لأن الأول عُقد في بروكسيل قبل أشهر معدودات)، صيغة تعاون غير مسبوق بين زعيمين للمعارضة، علماني وديني. والحال أن خدام ليس زعيم معارضة، باديء ذي بدء، ومن السخف أن يتخيله امرؤ في إهاب زعيم لمعارضة أخري غير معارضته العائلية ـ علي غرار اقتصاده العائلي! ـ المؤلفة من أبنائه وبعض أزلامه في أفضل التقديرات، فكيف بانقلابه إلي رمز للمعارضة! كما أنه ليس علمانياً، كيفما قلب المرء هذا المصطلح أو أقامه وأقعده، بالقدر الذي لا يجوز فيه اعتبار علي صدر الدين البيانوني، المراقب العام لجماعة الإخوان المسلمين زعيماً دينياً. مثير للسخرية أيضاً اكتشاف تيسدول الأرخميدي الجديد هذا، بصدد التعاون بين العلمانيين والإسلاميين، لأنه يبدو كمَن يجهل أو يتجاهل ان جماعة الإخوان المسلمين أنفسهم كانوا أصحاب المبادرة إلي عقد مؤتمر أول من هذا النوع في لندن، صيف 2002، ضم إسلاميين إخوانيين وإسلاميين غير إخوانيين، إلي ماركسيين ويساريين وقوميين وليبراليين.
وعند هذا المستوي، وهذه السوية، لا تنم معرفة تيسدول عن فقر مثير للشفقة فقط، بل يكاد المرء يرتاب في أن مصادر معلوماته تعمدت، عن سابق قصد وتصميم، أن تزيده ضحالة... علي ضحالة!